سورة المائدة | حـ 847 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 847 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • تُمثل الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ركنًا أساسيًا في انتشار الإسلام عبر القارات، إذ اشتُهر تجار المسلمين بالصدق والأمانة والوفاء بالعهود.
  • العقود تشمل العقود الفردية والعقود مع الدول، ومن أخذ جنسية بلد ما فعليه الالتزام بعقده الاجتماعي معها ومراعاة حقوقها.
  • يخطئ من يستبيح سرقة مجتمعات غير المسلمين بحجة الإسلام، فهذا صد عن سبيل الله وتشويه لصورة الدين.
  • أوجب الإمام أبو حنيفة الوفاء بالعقود مع غير المسلمين حتى لو كانت فاسدة بحسب الفقه الإسلامي.
  • استشهد بإقرار النبي ﷺ للعباس على معاملاته الربوية مع المشركين في مكة قبل فتحها، ولم يضعها إلا بعد أن صارت دار إسلام.
  • الوفاء بالعقود يُظهر جمال الإسلام أمام الآخرين ويعكس قيمه الأخلاقية العالية، حتى لو خالفت هذه العقود بعض أحكام الشريعة.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الحلقة وتلاوة آية الوفاء بالعقود من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى في أولها: بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

كيف نشر الوفاء بالعقود الإسلام في العالم عبر التجار المسلمين

هذه العبارة من الآية وحدها كفيلة بنشر الإسلام في العالم كما كان؛ فقد نُشِر الإسلام في العالم في إفريقيا بجملتها، وفي آسيا بجملتها، وفي أوروبا والأمريكتين بجملتهما، وفي أستراليا، عن طريق الصورة الحسنة والأسوة الحسنة للمسلمين ولتجار المسلمين.

دخل تجار المسلمين هذه البلاد فأحسنوا، وشاع عنهم الصدق والأمانة والوفاء بالعقود. وإذا نُزع الوفاء بالعقود بين الناس اضطرب السوق وساءت صورة الإنسان [المسلم] لدى الآخرين العالمين، وإذا حَسُن الوفاء فإن الصورة تتحسن.

أنواع العقود الفردية والاجتماعية وما يترتب عليها من التزامات

العقد هناك عقد فردي بينك وبين شخص آخر، وهناك عقد بينك وبين دولة. فمثلًا قبلت أن تنزل في دولة أو كنت فيها، فهناك عقد اجتماعي لأن تأخذ جنسيتها؛ فأنت الآن في إنجلترا أو في ألمانيا أو في أمريكا متجنس بجنسيتها، يعني عملت بينك وبينهم عقدًا.

وهذا العقد له ما يترتب عليه، وما يترتب عليه أن تدافع عن هذه الجماعة [المجتمع الذي تعيش فيه]، ألا تسرق هذه الجماعة، ألا تكذب على هذه الجماعة، أن تكون صالحًا في أوساط هؤلاء.

خطأ من يستحل سرقة غير المسلمين بتأويل النصوص الفقهية

نرى بعضهم خطأً وخروجًا عن تعاليم الإسلام وتأويلًا لبعض النصوص الفقهية هنا أو هناك بعد أن تنتزع من سياقاتها، يقول: إن سرقة هذا المجتمع الكافر حلال!

تخيل أنهم احتضنوك وأعطوك المساعدات الاجتماعية التي يقدمونها وعلموك، ثم تقوم بسرقتهم! المصيبة ليست أنك تسرقهم، المصيبة أنك تسرقهم تحت عنوان الإسلام.

ما علاقتك بالإسلام؟ إذا سرقتهم فهذا حرام، وأنت لص يجب القبض عليك مثل أي لص آخر وتُعاقب بالعقوبة المنصوص عليها. ما دخل الإسلام في هذا؟

المجرم يلصق جريمته بالإسلام وهذا أشد ضرراً من إنفاق المليارات ضده

الإسلام في هذه القصة أن المجرم من شدة إجرامه يقول: أنا لم أُجرم، بل إنني فعلت هذا لأن الإسلام هو الذي أمرني أن أفعل هذا!

يعني والله لو أن أعداء الإسلام الذين يكرهون الإسلام أرادوا أن ينفقوا مليارات من أجل أن ينتزعوا مثل هذا، أو أن يجعلوا أحدًا يكذب هذه الكذبة، هذا الرجل لا يكذب، إنه يقول ما في عقله.

دعونا ننتقد أنفسنا ونرى جذع النخلة الذي في أعيننا قبل أن نرى القذاة في عين أخينا. لو أنفقوا مليارات ما وجدوا مثل هذا، يعني أنه جاء هكذا بسهولة.

عدم الوفاء بالعقد يصد عن سبيل الله ويغلق باب الهداية على العالمين

تتخيل أنه عندما لم يوفِ بعقده أضر بالإسلام؟ تخيل أنه صد عن سبيل الله! تخيل أنه صد عن سبيل الله، تخيل أنه بصده عن سبيل الله هذا قد أغلق الهداية على العالمين.

النبي [صلى الله عليه وسلم] يقول:

قال رسول الله ﷺ: «بلغوا عني ولو آية»

وليس اكذبوا علي، بلغوا عني ولو آية. وفي شأن الكذب عليه قال:

قال رسول الله ﷺ: «من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»

لأنه صد عن سبيل الله؛ لأنه فيه تمييع للمصادر، فأنا لا أعرف أهذا صحيح أم خطأ، فقد أصبح فيه قطع للطريق على الهداية.

دعوة الجهلة الذين يضرون الإسلام إلى التوبة ووقف النزيف

فهذه كلمة لإخواننا الجهلة الذين يضرون الإسلام والمسلمين ويؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير علم؛ عليهم أن يتوبوا سريعًا وأن يوقفوا هذا النزيف.

كأن هناك شخصًا يجعل الثاني ينزف دمًا حتى يموت، لا بد عليهم أن يوقفوا هذا النزيف ضد الإسلام والمسلمين. حسبنا الله ونعم الوكيل، سيغنينا الله من فضله ورسوله.

وجوب وفاء المسلم بالعقد في بلاد غير المسلمين ورأي الإمام أبي حنيفة في العقد الفاسد

المسلم إذا عقد عقدًا في بلاد غير المسلمين مع غير المسلمين لا بد عليه أن يوفي به عند جميع المسلمين، لدرجة أن الإمام أبا حنيفة رضي الله تعالى عنه وأرضاه قد قال: حتى ولو كان العقد فاسدًا.

كيف [يكون ذلك]؟ عملت عقدًا بيني وبين شخص إنجليزي في إنجلترا، هذا العقد في الفقه الإسلامي فاسد.

هل أمضي فيه طبقًا لقوله تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

أم لا؟ أبو حنيفة يقول لك: امضِ فيه.

حجة أبي حنيفة في إمضاء العقد الفاسد في دار غير المسلمين

لكنه [العقد] فاسد عندنا [في الفقه الإسلامي]، قال [أبو حنيفة]: ما هو في الأصل أنت لست عندنا، أنت لست عندنا، والعقد ليس عندنا، والعقد ليس معنا، والله تعالى قال:

﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

فأوفِ بهذا العقد.

قال له [السائل]: لست مطمئنًا، هذا كلام ثقيل، إنني في إنجلترا. انتبه يا سيدي الإمام أبو حنيفة، أنا في إنجلترا ومع شخص إنجليزي، وقد أبرمنا عقدًا واتضح أن هذا العقد لا يتماشى مع الشريعة الإسلامية.

اتبعه؟ قال له: سأتبعه لقوله تعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

قال له: نعم، أوفوا بالعقود.

الاستدلال بقصة ربا العباس على جواز إمضاء العقد في دار غير المسلمين

قال له [السائل]: هل هناك دليل آخر حتى تطمئن نفسي؟ فليس من المعقول هكذا. قال له [أبو حنيفة]: أين الدليل الثاني؟ قال له: ربا العباس [بن عبد المطلب] في مكة وكانت دارًا لغير المسلمين.

هذا العباس متى أسلم؟ قلت له: أسلم في بدر، أسلم يوم بدر. تركه النبي [صلى الله عليه وسلم] في تعاقدات ربوية مع المشركين في دار غير المسلمين.

فلما فتح مكة وصارت دار إسلام قال [صلى الله عليه وسلم]:

قال رسول الله ﷺ: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين، وأول ما أضع ربا العباس عمي»

اللهُ يا سيدنا رسول الله! أنت تعلم أن العباس يربي، نعم وهذا صحيح.

سبب عدم نهي النبي للعباس عن الربا في دار غير المسلمين

نعم، فلماذا لم تنهه [النبي صلى الله عليه وسلم]؟ لأن العقد كان قائمًا في بلاد غير المسلمين مع غير المسلمين، حتى ولو كان غير شرعي.

ياه ياه، يظهر أن هناك أناسًا كثيرين جدًا لا يفهمون أشياء كثيرة جدًا. هذا سيدنا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] يريد أن يبلغ القضية [رسالة الإسلام] للعالمين، هؤلاء العالمون الآن أصبحوا ستة مليارات.

كيف ستبلغها إلا بهذه الأشياء الجميلة؟ أوفوا بالعقود، وتوفي بالعقود فعلًا وتكون هكذا بكل هدوء.

قوة الحجة في الوفاء بالعقد حتى لو خالف الشريعة في دار غير المسلمين

أما أن تقول: لا، الشريعة تقول لي هذا، والشريعة تُعِدّ لي، ويُخلط ويفعل وكذا إلى آخره، وفي النهاية نخرج مهزوزين هكذا، شكلنا مهزوز.

سيقول لي الإنجليزي: أليس هذا باطلًا في شريعتك؟ فيجيب: نعم. فأقول له: حسنًا، لماذا تستمر فيه؟ أرد عليه: أستمر فيه وفاءً بالعقد.

انظر إلى الحجة القوية! الإنجليزي سيقول لي: ياه، حتى لو كان مخالفًا لشريعتك؟ قلت له: شريعتي هكذا، أن لا أتراجع عن كلمتي وأن أوفي بعهدي ولو على رقبتي، هذه هي شريعتي.

يا الله، هذا شيء جميل جدًا! من لا يريد أن يفهم هكذا فهو حر، ولكن الأمر واضح:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.