سورة المائدة | حـ 851 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 851 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • الوفاء بالعقود من أوامر الله تعالى في قوله: "يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود"، وفيه بركة ونماء وزيادة لكلا المتعاقدين.
  • الوفاء بالعقود دليل على الصدق والشهامة، وأن الدنيا في أيدينا وليست متملكة لقلوبنا، وأن الشرف فوق المصالح الضيقة.
  • يحقق الوفاء بالعقود استقامة المجتمع ويمنحه الأمن والأمان والاطمئنان، وهذه حقيقة البركة.
  • عرض النص قصتين واقعيتين: الأولى عن رجل نقض عهده وباع بسعر أعلى بعد الاتفاق، فاحترق من مخزنه ما يساوي قيمة الزيادة التي حصل عليها.
  • القصة الثانية عن سليم بك أبو العلا الذي رفض عرضًا بزيادة مائة جنيه عن سعر اتفق عليه مسبقًا مع مشترٍ آخر.
  • أقر الخواجة الذي عرض السعر الأعلى بأفضلية دين المسلم الذي يأمر بالوفاء، إذ لو قبل سليم بك عرضه لخسر الخواجة خسارة كبيرة.
  • البركة تعود على الجميع حين يلتزم الناس بالوفاء بالعقود.
محتويات الفيديو(16 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الوفاء بالعقود من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

والوفاء بالعقود بركة، والبركة فيها نماء وزيادة.

الوفاء بالعقود دليل الصدق والشهامة وعلو الشرف على المصالح الضيقة

الوفاء بالعقود بركة على كل من العاقدين، على كل من العاقدين؛ لأن الوفاء بالعقود دليل الصدق والشهامة.

الوفاء بالعقود دليل أن الدنيا ليست متملكة لقلوبنا، بل هي في أيدينا. الوفاء بالعقود دليل على أن الشرف فوق المصالح الضيقة.

وهذه المعاني بها استقامة الاجتماع البشري، فالوفاء بالعقود فيه أمن وأمان واطمئنان، وهذا هو حقيقة البركة.

شهادة واقعية على بركة الوفاء بالعهد ومباركة الله في القليل

شاهدنا الذي يوفي بعهده وبعقده قولٌ [يلتزم به]، ربنا يُبارك له في القليل. شاهدناها بأعيننا، ونضرب لذلك أمثلة.

رجل اتصل بالهاتف وسأل عن سلعة: نريد أن نشتري طن قمح. قال له: ما المشكلة؟ عندي طن قمح. تبيعه بكم؟ بكذا. اتفقوا على سعره، قال له: حسنًا، البيع انعقد.

حكم انعقاد البيع عبر الهاتف وصحة مجلس العقد مع تباعد المسافة

السؤال: هل الهاتف يصلح [لانعقاد البيع]؟ والإجابة: نعم يصلح.

لكن أنا أسكن في القاهرة والذي أتصل به ساكن في قليوب، هل يصلح ذلك؟ أنا ما زلت سأركب السيارة، وحتى أصل إليه سيستغرق الأمر ساعة أو ساعتين.

هل يصلح؟ هل حدث هذا العقد في مجلس واحد أم في مجلسين مختلفين؟ قالوا: في مجلس واحد، فالهاتف معي هنا والهاتف معه هناك، ففي مجلس واحد وإن تباعدت الشِّقَّة والمسافة، لكنْ هو مجلسٌ واحدٌ. قال له: طيّبٌ.

نقض البائع للعقد بعد ارتفاع السعر وادعاؤه أنه مال يتامى

فلمّا ذَهَبَ إليه قالوا: لا والله، لقد اتَّضَحَ أنَّ الطُّنَّ غَلا مائةَ جنيهٍ بعدَما اتُّفِقَ والعقدُ انعقَدَ. وخلالَ الساعةِ التي وصلَ فيها إليه ليُسَلِّمَ ويستلمَ، وكان ذاهبًا معه بالسيارةِ ليَحمِلَ الطُّنَّ، رَجَعَ في كلامِهِ.

فقال له: لكننا اتفقنا! قال له: أبدًا، لا تسلم، هذا مال يتامى. الكذب أصبح مال يتامى! هو ليس لديه لا يتامى ولا لديه أي شيء ولا لديه أولاد أصلًا، لكنه يقول لك: هذا مال اليتامى، وأنا هذا أنا أصلًا لا أستطيع أن أتصرف في مال اليتامى.

انصراف المشتري بعد نقض العقد وبيع البائع الطن بزيادة مائة جنيه

حسنًا، إنا لله وإنا إليه راجعون. وأخذ الرجل [المشتري] بعضه ومشى، [فباع البائع الطن] لغيره بعد أن انعقد العقد بالمائة جنيه [زيادة].

هذه الزيادة - يا إخواننا - قد شاهدناها في الحياة الدنيا، ونقول إنها بهذا الشكل تسبب ألمًا في القلب؛ يحدث عند الناس لا يوجد أحد مستعد أن يحترم كلمته.

موقف المشتري المظلوم وتفويض أمره لله دون شماتة أو دعاء

نحن لا نشمت في أحد، وإنما نرى فعل الله [سبحانه وتعالى في خلقه]. الرجل [المشتري] أخذ أغراضه ومضى، لكنه لا دعا عليه ولا قال له لا ولا أوه، بل قال: خلاص أمرنا لله ومضى.

عقوبة الله للبائع الناقض بحريق في مخزنه بقدر ما أخذ من حرام

وهذا الرجل [البائع] أخذ المائة جنيه، وعندما أخذ المائة جنيه وباع الطن بزيادة مائة جنيه، ذهب إلى بيته ولم تمضِ نصف ساعة أو ساعة حتى احترق ربع المخزن.

حسنًا، ومن عند من جاء هذا؟ وماذا سنفعل؟ ربنا يحب هذا الرجل أيضًا لكي يلفته ويلفت نظره أن يكون وفيًّا بعقوده؛ لم يتركه هكذا مستمرًّا في غيّه، إلا إذا كان هو غير منتبه.

فلما ذهب وجد عجبًا، يعني أن الله يربّيه، وإنما يربّينا نحن أيضًا.

رحمة الله في العقوبة إذ أحرق بقدر المائة جنيه الحرام فقط

وجد عجبًا، هم طبعًا أطفأوا الحريق، وبعدما جاء وجد أن الذي احترق ما يساوي مائة جنيه.

وهذا هو الجزء الذي فيه تربية وفيه رحمة من ربنا؛ فالله سبحانه رحيم، وهو لا يُخطئ، لكنه يُعلِّمه عسى أن يتعلم. الله عاقبه بمئة جنيه فقط، وذلك لكي يُضيِّعها عليه؛ لأنها جاءت من طرق غير مشروعة، فذهبت في أمور تافهة.

المال الحرام يذهب بلا حول ولا قوة مهما ظن صاحبه من شهامة

ما معنى نهابر ونهاوش؟ أي هكذا من نوع من أنواع الشهامة، ويعني من نوع من أنواع الحول والقوة في ظنه، وهي ذهبت بلا حول ولا قوة إلا بالله.

قصة سليم بك أبو العلى تاجر القطن الذي رفض نقض عقده مع المشتري

كان في الزمان الماضي وأدركناهم والحمد لله أناس مختلفون، أناس كانت تنتبه إلى فعل الله في الكون وتتعلم منه الأدب.

فرجل يبيع القطن كان اسمه سليم بك أبو العلى رحمه الله. وسليم بك جاءه الرجل الذي يشتري القطن، واتفقوا على سعر القنطار بمبلغ معين، وأعطاه عربونًا وتم البيع.

وعندما ذهب [المشتري]، جاء الخواجة [التاجر الأجنبي] بعده وعرض مائة جنيه - كلام مهم - فمائة جنيه كانت تساوي شيئًا كبيرًا جدًّا، زيادة في الصفقة كلها.

رفض سليم بك عرض الخواجة تمسكًا بكلمته وعربون المشتري الأول

قال له [سليم بك]: لا. فقال له [الخواجة]: ما الأمر معك؟ أنت سلَّمت أم بعت؟ ولم يقل له [سليم بك]: أعطيت كلمة، أعطيت كلمة وأخذت أيضًا عربونًا، كيف أتراجع عن كلامي؟

قال له [الخواجة]: هذه مائة جنيه! مائة جنيه في ذلك الوقت كانت تشتري بيتًا وكانت تشتري سيارة، وكانت المائة جنيه هذه شيئًا ذا قيمة، يعني مائة جنيه [مبلغ كبير جدًّا].

قال له [سليم بك]: أبدًا، لا مائة ولا ألف.

احتجاج الخواجة على سليم بك واستشهاد سليم بك بآية الوفاء بالعقود

اشتكى التاجر الأجنبي غاضبًا جدًّا وقال له: هذا ليس كلامًا مقبولًا، أنا زبونك، اشتريت منك العام الماضي والعام الذي قبله والعام الذي قبله.

فرد عليه [سليم بك] قائلًا: والله يا سيدي، انظر إلى الأمر، يقول الله تعالى:

﴿أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

وأنا لا أستطيع إلا أن أفي بالعقود، فلا تؤاخذني، لن أتراجع.

رد سليم بك على اتهام الخواجة بالخداع وتأكيده أن الزيادة رزق المشتري

قال له [الخواجة]: المصلحة والمال، هذا [المشتري الأول] خدعك وضحك عليك.

قال له [سليم بك]: لا، لم يخدعني ولم يضحك عليّ، كان سعر القطن هكذا، ونحن نتفق ثم اليوم زاد السعر، أنا لا شأن لي بذلك، هذا رزقه هو.

قال له [الخواجة]: حسنًا، خذ بعضه [من القطن] ومضى.

تسليم القطن للمشتري الأول وذهاب سليم بك للخواجة ليبين له فضل الوفاء

وجاء الرجل [المشتري الأول] في اليوم الثاني الذي اشترى، وحمل القطن ومضى.

المائة جنيه الزيادة التي عرضها الخواجة على سليم بك أبو العلى لم يخسر بسببها شيئًا، لكنه لم يسكت، بل ذهب إلى الخواجة وقال له:

ما رأيك يا خواجة، أدِيننا أفضل أم الدين الذي أنت عليه أفضل؟ لو كنت قد قبلت وأخذت منك، كم كنت ستخسر؟ فقال له: كان بيتي سيخرب.

بركة الوفاء بالعقود تعود على الطرفين وفضل الدين الذي يأمر بالوفاء

الوفاء فعل شيئًا ليس لي أنا فقط، بل إن البركة وصلت إليك أنت أيضًا. يعني أنت جئت وتريد أن تكسب، وإذا بك كنت ستخسر الجلد وسقط كما يقولون، وكنت ستخسر المائة جنيه، وكنت ستذهب في هذا.

فيكون ديني الذي يأمرني أفضل. قال له [الخواجة]: دينك أفضل.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.