سورة المائدة | حـ 854 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة المائدة

سورة المائدة | حـ 854 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعقود، والتي تشمل العقود بين البشر والعقد مع الله تعالى فيما أحل وحرم.
  • العقود الدولية قابلة للتفاوض وتغيير المصالح، لكن يجب الوفاء بها ما دامت سارية.
  • ينبغي أن تنزل الناس على شروطك وليس على شرط الله ورسوله حتى لا تخطئ فيه.
  • أظهر النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية نموذجاً للذكاء العسكري وفن التفاوض.
  • كان هدف النبي فك الحصار عن خيبر ومنع التحالف بين اليهود وقريش ضد المدينة.
  • تنازل النبي عن بعض الشروط في المعاهدة مثل تغيير "بسم الله الرحمن الرحيم" إلى "باسمك اللهم".
  • قبل النبي شرط رد المسلمين الفارين من قريش، وسلم أبا جندل لأبيه مقدماً المصلحة العامة.
  • علمنا النبي أن التخطيط الاستراتيجي يتقدم على المصالح الفردية والعواطف.
  • الوفاء بالعهود من سمات المؤمنين ومن تعاليم الإسلام الأساسية.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية الأمر بالوفاء بالعقود من سورة المائدة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة المائدة يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [المائدة: 1]

فأمرنا [الله سبحانه وتعالى] أن نوفي بالعقود، ثم يتلوها: أُحلت لكم بهيمة الأنعام.

المناسبة بين الأمر بالوفاء بالعقود وإحلال الأنعام والعقد مع الله

والمناسبة بين الأمرين — أوفوا بالعقود وأُحلت لكم — أن العقود لا تقف عند العقود المعلومة الظاهرة بين البشر، بل إن هناك عهدًا وعقدًا مع الله سبحانه وتعالى أحلّ لنا فيه الأنعام، وحرّم علينا فيه الخبائث، ومنعنا في هذا العقد من أن نصطاد ونحن مُحرِمون، وأباح لنا الصيد ونحن حلال.

هذا العقد [الذي بين العبد وربه] أولى بالوفاء؛ لأن الله جعل من علامات الإيمان وعنوان المؤمنين، جعل عنوان المؤمنين الوفاء بالعقود التي هي جارية بين البشر، فكأنه يقول: فما بالكم بالعقد الذي بينكم وبين الله؟

شمول الوفاء بالعقود للاتفاقات الدولية وإرشاد النبي في التفاوض

إذن، فالوفاء بالعقود، بكل العقود، فيدخل في كل العقود الاتفاقات الدولية.

والنبي صلى الله عليه وسلم يرشد المسلمين في الاتفاقات الدولية، وهي قابلة لتغير المصالح وقابلة للتفاوض مرة ثانية وثالثة كلما تغير الحال.

ألّا تُنزل [الطرف الآخر] على شرط الله ورسوله، وأنت حين تتفاوض معهم لا تقل: إن الذي بيني وبينكم هذا على شرط الله ورسوله؛ فلعلك تخطئ شرط الله ورسوله. أنزلهم على شرطك، وقل له: هذا الذي اتفقت أنا وأنت عليه.

التحذير من ادعاء تمثيل الإسلام في المفاوضات والتأكيد على الشرط الشخصي

لا تقل له: هذا ما اتفقت عليه بينك وبين الإسلام، فليس لك شأن بالإسلام؛ لأنك لست ممثلًا للإسلام، ولكنني مسلم وأنت مسلم، ويسعى بذمتهم أدناهم، صحيح.

إلا أنك قد تخطئ في شرط الله ورسوله، فأنزلهم على شرطك ولا تنزلهم على شرط الله ورسوله؛ فلعلك أن تخطئ في شرط الله ورسوله.

إذن في العقود الدولية والاتفاقات الدولية نتفق فيها حسب الحال، فنأخذ ما نقدر عليه ونجعلهم يقبلون شرطنا، فإذا تغير الحال، إذا تغير الحال، نغير الاتفاقات طبقًا لمصالحنا والاتفاق قائم بشروطه.

الوفاء بالعقد ونبذه عند إخلال الطرف الآخر كما في صلح الحديبية

فنوفي بالعقد:

﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَوْفُوا بِٱلْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]

لا نُخلّ بالعقد، إنما نعيد مرة أخرى العقد وننبذه عندما يُخلّون هم، ننبذ إليهم على سواء.

فها هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا في الحديبية كيف نوفي بالعقود. ذهب إلى الحديبية من أجل فك الحصار عن خيبر في الشمال على بعد مائة وستين كيلومترًا من المدينة، حيث يوجد اليهود. أما مكة فهي في الجنوب على بعد حوالي ثلاثمائة وخمسين [كيلومترًا].

مخطط الكماشة العسكري لتطويق المدينة من الشمال والجنوب

اتفقوا [اليهود والمشركون] معًا أن يهجموا في يوم واحد هجومًا واحدًا على المدينة؛ اليهود من الشمال والمشركون من الجنوب، فيُطبقون عليها بما يُسمى في العسكرية كمّاشة — كسّارة البندق — التي هي ذراع من فوق وذراع من تحت تضغط فتكسر.

أرادوا أن يكسروا المدينة، فهؤلاء يأتون من فوق وهؤلاء يأتون من تحت، ويصنعون كسّارة البندق أو كمّاشة، ويقضوا على هذه المسألة بأكملها وينتهوا. فيكون هناك كسّارة للبندق أو كمّاشة، يكون فيها ذراعان، واحد من فوق وآخر من تحت.

تعليم النبي الذكاء العسكري وفن التفاوض والتخطيط المستقبلي

فسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا الذكاء العسكري، ويعلمنا فن التفاوض، ويعلمنا كيف نترك مساحة من أجل أن نحصل على مساحة أخرى، ويعلمنا التخطيط المستقبلي.

لا [يتصرف] من غباوة وظلام الشرك، [بل قالوا له:] لا تقم بأداء عمرة. فمنعوه من حقه في البيت الحرام، الذي ليس ملكًا لهم وهم لم يمنعوا منه أحدًا، وهو ابن مكة وابن قريش عليه الصلاة والسلام.

[قالوا:] لا تدخل لئلا يقول العرب دخلت غصبًا عنا. أيُّ عقلٍ هذا!

قبول النبي عقد معاهدة الحديبية رغم اعتراض الصحابة

ماذا يريدون؟ قال [النبي ﷺ]: يريدون أن نصنع معاهدة. تعالوا السنة القادمة إن شاء الله وعليك خير. حسنًا، لنعقد معاهدة.

الصحابة لم يرضوا حينها: لم نقبل الدنية في ديننا! [فقال لهم:] اصبر قليلًا. أيضًا هناك أناس غير راضين الآن وقالوا: لماذا لا نذهب ونضرب؟ [فقال:] انتظر فقط، الأمر يحتاج إلى ترتيب.

حسنًا، نفعل هكذا، نعقد معهم معاهدة.

مفاوضات كتابة صلح الحديبية وحذف البسملة ولفظ رسول الله

فجاءه سهيل بن عمرو [مفاوضًا عن قريش]، ها، جلس عمرو وقال [النبي ﷺ للكاتب]: بسم الله الرحمن الرحيم. فقالوا له: لا، اكتب: باسمك اللهم. فقال [النبي ﷺ]: احذف يا علي واكتب باسمك اللهم.

إذن المفاوض ينبغي عليه أن يرى ما يريده [من الهدف الأكبر]. أما قصة باسمك اللهم، فهذا ما عاهد عليه محمد بن عبد الله رسول الله. فقال [سهيل]: لا، ليس رسول الله.

قال [النبي ﷺ]: والله [إني لرسول الله]. قال له [علي رضي الله عنه]: احذف رسول الله؟ لا أحذفها أبدًا يا رسول الله! [فقال النبي ﷺ:] ينبغي ألا تعطيهم كل شيء هكذا في المفاوضات، افعل ذلك أيضًا وخذ منهم واحدًا [أي تنازلًا مقابلًا].

فأمسك رسول الله الكتاب ومحاها هو بيده بريقه الشريف. إذن هناك غرض أبعد من ذلك [وراء هذه التنازلات].

شروط معاهدة الحديبية في رد المسلمين وقبول المرتدين

وانتهت المعاهدة على أن أي واحد من المشركين يأتي مسلمًا إلى النبي ﷺ يردّه، وأي واحد من المسلمين يرتد عن الإسلام إلى مكة يتركه.

قال له [النبي ﷺ]: حسنًا، وهو كذلك.

قصة أبي جندل وتقديم مصلحة الأمة على مصلحة الأفراد

فجاء أبو جندل ابن سهيل بن عمرو قبل أن يوقعوا [المعاهدة]، مسلمًا. قال له [سهيل]: يا محمد، هذا ابني ونحن اتفقنا. قال له [النبي ﷺ]: لم نتفق، فهذا للتوّ ولم نوقع بعد.

قال له [سهيل]: والله لن أنساها لك يا محمد أبدًا. انظر، هذا [النبي ﷺ] يفكر تفكيرًا استراتيجيًا، وذاك [سهيل] يفكر في ابنه فقط.

قال له [النبي ﷺ]: خذه؛ فمصلحة الأمة تتقدم على مصلحة الأفراد.

أتُرَدُّ المسلمَ يا رسول الله للمشركين؟ نعم، الآن اصبر. لماذا لا تصبر؟ لماذا؟ ردّه ليس بالعواطف بل بالخطط [المحكمة].

وفاء النبي بالعهد وكسر ذراعي الكماشة بفتح خيبر ثم مكة

أوفوا بالعهود، فقد وفى [النبي ﷺ] بالعهود، وقّعوا ورحلوا. ولم يستطع المشركون أن يكملوا [خطتهم]، فضربوا واحدًا [من ذراعي الكماشة فقط].

والنبي عليه الصلاة والسلام، خلاص، بعدما ضربوه هكذا، ذهب إلى فوق ففتح خيبر، فكسر بها الذراع الأعلى للكماشة، ثم نزل ففتح مكة، وبهذا كسر الطرف الآخر من الكماشة.

فاللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد الذي أوفى بعقوده وعلّمنا الوفاء.

ختام الدرس والتوديع بالسلام

فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.