سورة النساء | حـ 832 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 832 | 171 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • نهى الله تعالى عن الغلو في الدين والزيادة عليه أو التغيير أو التبديل، فمن يغير دينه كأنما نصب نفسه إلهاً.
  • أكرم الله الأمة بأمرين: الأول حفظ القرآن الكريم من التحريف والتبديل، فالمصحف واحد في جميع أنحاء العالم.
  • خطأ القارئ في تلاوة القرآن لا يغير من حقيقة النص المحفوظ، ويمكن لأي شخص تصحيح الخطأ بالرجوع إلى المصحف.
  • الأمر الثاني هو أن المسلمين لم يعبدوا النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه معجزة له ولأمته.
  • ظهرت فرق غالت في أشخاص آخرين كالسبئية التي عبدت علياً، وبعض من عبد الحاكم بأمر الله الفاطمي، وبهاء الله.
  • استجاب الله دعاء النبي: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد"، فحفظ كتابه وأبقى ذريته ومنع القلوب أن تعبده من دون الله.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

النهي عن الغلو في الدين والتحريف في كتاب الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿يَـٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَـٰبِ لَا تَغْلُوا فِى دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلْحَقَّ﴾ [النساء: 171]

فأمرنا ألا نزيد على كتابنا، وأن لا نغيّر، وأن لا نبدّل. والتغيير والتبديل والزيادة هو من الغلو في الدين.

وبعض أهل الكتاب غلا في دينه فغيّر دينه، والذي يغيّر دينه كأنه نصّب نفسه إلهًا؛ لأنه رفض ما أراده الله واستبدل به مراد نفسه.

﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: 23]

﴿أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]

لا فائدة بعد ذلك [من محاولة هدايته].

أنواع التحريف المنهي عنه بالزيادة والنقصان والإحلال والتقديم والتأخير

فقد نهانا ربنا عن التبديل والتحريف، والتبديل يكون بالزيادة أو النقصان، أو الإحلال [وهو وضع] شيء مكان شيء، أو بالتقديم والتأخير.

ولقد وفّق الله الأمة [الإسلامية] من غير حولٍ منها ولا قوة إلى أمرين، نجت فيهما بجملتها إكرامًا للنبي صلى الله عليه وسلم من نوع من الغلو.

الأمر الأول: هو حفظ الكتاب [القرآن الكريم]:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

فحفظه [الله تعالى].

المصحف واحد في كل بقاع الأرض والرد على دعاوى التحريف

هذا [المصحف] مطبوع في مطبعة الملك فهد رحمه الله، وهو مثله تمامًا الذي طُبع في أيام الملك فؤاد، وهو نفسه الذي طُبع في المغرب وفي المشرق وفي أفريقيا وفي باكستان وفي الهند. إنه مصحف واحد.

فيأتي أحدهم ليقول لك: إن هذا فيه مصاحف أخرى! نعم، أين هي؟ في أي منطقة؟ اسمها ماذا؟ يعني أين هي؟ لا، يعني يقولون: آه ما عليها. فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

هذا الكتاب، هذا يقولون في تحريف هنا؟ نعم، يقول: قل [أي يدّعون أن فيه تحريفًا].

ضبط القراءة القرآنية وتصحيح الأخطاء فورًا من أصغر المستمعين

ولكن الشيخ [القارئ] وهو يقرأ، لو فتح المكسور أو كسر المفتوح، قام الولد الصغير هكذا يردّ عليه. ما ليس فيها أسماء [أي ليس في المسألة اجتهاد]، هذا رأي؟ هكذا ما عندنا شيء اسمه رأي، هكذا يردّ عليه على الفور.

يقول له: يا مولانا، ليس «وأنّ»، هذه «وأنْ شاكرين»، هي موجودة في المصحف. ماذا؟ «وأنْ»، انتهى. يبقى «وأنْ» [هي القراءة الصحيحة].

يترك كلمة، تسقط منه كلمة، يقول [المستمع] بسرعة: سقطت منه [كلمة]. معروف أن في [القراءة] سقطت منه كلمة هنا، أم أن هذا يصبح قرآنًا جديدًا؟ لا! ألا يصبح [كذلك]، تسقط كما تريد [أي لا يُقبل ذلك].

قصة الشيخ عبد الرحمن تاج حين سقطت منه كلمة في الإذاعة

كان الشيخ عبد الرحمن تاج رحمه الله، شيخ الأزهر، يأخذ حديثًا في الإذاعة، فقال [آية] نعم، وسقطت [منه] كلمة. فقال له المذيع: نعيد الحلقة. قالوا: لا نعيدها، والله.

هذا القارئ حالب والسامع شارب؛ القارئ ماذا يحلب؟ يبذل مجهودًا، الله يكون في عونه. والسامع من الخارج هكذا يشرب اللبن بديلًا [أي بسهولة]. هكذا فهو يبذل جهدًا، هذا يخطئ.

فالقرآن هكذا، القرآن يعلو ولا يُعلى عليه، ليس هناك شيء اسمه يخطئ [القرآن] كما يخطئ [القارئ]؛ ما هو القرآن موجود ومحفوظ.

قصة نسيان كلمة ليلا في خطبة الجمعة وتصحيحها فورًا

أتذكر أنني كنت أخطب مرة، وبعدها:

﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]

ونسيت كلمة «ليلًا»، «بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله». الخطبة لها مهابة، قال [النبي ﷺ]:

«شيّبتني هذه المنابر»

الفصحاء من العرب والمحاريب. يعني نقصت من القرآن؟ كما هو هكذا، أخطأ الشيخ وانتهى الأمر، أخطأ فليصلح.

وبعد ذلك في وسط الأمر، ولا انتبهت إلى أنها «ليلًا»، لم تقل [لي]، وانتبه كيف! ولكن في الوسط:

﴿سُبْحَـٰنَ ٱلَّذِىٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ﴾ [الإسراء: 1]

نعم، لا بأس عليه.

القرآن أكبر من الجميع وأصغر مستمع يستطيع تصحيح الخطأ

ولكن أنت سقطت منك [كلمة]، تسقط منك، تقول: ستوفّي [أي ستعيدها]، تصحّحه؛ لأن القرآن أكبر من المسلمين، وأكبر من المشايخ، وأكبر من كل شيء.

عندما تسقط منه كلمة، قم! من الذي يردّ؟ أصغر واحد يستطيع أن يقول له: لا، «ليلًا» غير موجودة [أي أنك أسقطتها]. فسيفتح المصحف ويذهب إلى سورة الإسراء فيجد «ليلًا» موجودة. إنها بسيطة هكذا، هذه الآية وهذا الحفظ [الإلهي للقرآن].

معجزة الأمة المحمدية أن أحدًا لم يعبد النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم

الأمر الثاني الذي أكرمنا الله فيه غاية الكرم، والأمة لم تخطئ فيه، وهذه معجزة للنبي [صلى الله عليه وسلم]: أن أحدًا من المسلمين لم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم.

لا يوجد أحد يا إخواننا يجنّ في عقله ومن حبه في النبي يعبده. أي لم تحدث [هذه الظاهرة]. ميزة من مزايا الأمة المحمدية أن أحدًا لم يعبد محمدًا.

فربما المسلمون تطوّروا ولا يعبدون أحدًا أبدًا؟ هذا [ليس صحيحًا]؛ منهم من عبد عليًّا [رضي الله عنه]، فرقة تسمى السبئية، وذهبت في الهلاك.

قصة حرق سيدنا علي للسبئية الذين ادعوا ألوهيته ونسبتها لابن سبأ

حتى قال سيدنا علي [رضي الله عنه]: «أجّجتُ ناري ودعوتُ قنبرًا»، قنبرًا هذا فتاه [خادمه]. قال له: اصنع الأخدود، أنا سأحرق هؤلاء الأولاد، سيشعل فيهم النار.

هذا سيدنا علي، ونُسبوا [أي هذه الفرقة] إلى عبد الله بن سبأ. وبعضهم قالوا: والله إن هذه الحكاية محل شك في التاريخ. شكٌّ أم لا شك، المهم أنه حدث أن واحدًا جُنّ وعبد سيدنا عليًّا وذهب [أي هلك].

وخرج أناس آخرون، وكان لدينا هنا الفاطميون الذين حكموا مصر مدة مائتي سنة، فكان منهم واحد يُدعى الحاكم بأمر الله الفاطمي، فعبدوه.

عبادة الحاكم بأمر الله الفاطمي وبهاء الله ومع ذلك لم يُعبد النبي

أما أنتم فحقًّا شيء غريب! أي أن تعبدوا الحاكم [بأمر الله الفاطمي]، وهو واحد من الأمراء لا يساوي شيئًا عند الله، فلماذا لا تعبدون النبي؟ مثلًا، يعني أبدًا [لم يحدث]. أليست [هذه] معجزة يا إخواننا؟

جاءت أيام وذهبت أيام وما إلى ذلك، وبعد ذلك ظهر واحد قال لهم: على فكرة أنا ربكم! يا سبحان الله، بهاء الله، أنت ربنا؟ قال: نعم أنا ربكم، وسآتيكم كل ألف سنة، كل ألف سنة سآتيكم لأني بهاء الله.

حسنًا، حدث هكذا؛ فإن الله سبحانه وتعالى له في خلقه شؤون. وكان هذا الرجل يخفي وجهه، فقال: أحسن أن نوري يقضي عليكم. حسنًا، لن ندخل نحن في جدالات، ولكن أريد أن أرى [الحقيقة].

حفظ الله للقرآن ومنع القلوب من عبادة النبي لأنه نبي التوحيد

فقد عبد أناسٌ سيدنا عليًّا، وعبد أناسٌ الحاكم بأمر الله الفاطمي، وعبد أناسٌ بهاء الله، [ومع ذلك] لا يوجد أناس يعبدون سيدنا محمدًا [صلى الله عليه وسلم]؛ لأنه قال:

«اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد»

فاستجاب الله له.

حفظ [الله] كتابه [القرآن الكريم]، وأبقى ذريته ﷺ وكثّرها، ومنع القلوب أن تعبده من دون الله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم نبي التوحيد.

فهذا جانب من الغلو برّأنا الله منه. وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.