سورة النساء | حـ 807 | 147 - 148 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يشرح الخطيب تفسير الآية الكريمة "ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم" من سورة النساء، موضحاً أن الله غني عن تعذيب عباده.
- •دعاء "اللهم إنا في حاجة إلى رحمتك ولسنا في حاجة إلى عذابك" يُظهر ضعف الإنسان وحاجته لرحمة الله، فالإنسان ضعيف وكل ابن آدم خطاء.
- •ينتقد الخطيب من يقول "اللهم عاملني بعدلك لا برحمتك"، مؤكداً أن هذا جهل بحقيقة الله وحقيقة الإنسان.
- •من عرف نفسه بالضعف والافتقار عرف ربه بالقوة والغنى، فالإنسان له بداية ونهاية بينما الله ليس كذلك.
- •العذاب وضعه الله ليستقيم الناس وليس للانتقام، كقانون العقوبات الذي يُوضع لتقليل الجرائم.
- •الإيمان إذا خالط القلب يزداد ولا ينقص، وتلك علامة الدين الصحيح.
- •الله يشكر عباده على طاعتهم مع أنها واجبة عليهم، فهو شاكر عليم.
افتتاح الدرس مع آية تطمين المؤمنين من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله سبحانه وتعالى، وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وهو يطمئن الناس ويطمئن المؤمنين:
﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: 147]
وهذا الذي ندعو به ونقول: اللهم إنا في حاجة إلى رحمتك ولسنا في حاجة إلى عذابك، فاغفر لنا.
الاعتراف بالخطأ والتضرع إلى الله بطلب المغفرة والرحمة
ها نحن قد ركب الخطأ علينا من فوقنا إلى تحتنا، فسامحنا على ما كان من عمل.
جهل من يطلب من الله أن يعامله بالعدل لا بالرحمة
واحد كاتب يا رب لا تعاملني برحمتك، عاملني بعدلك. هذا جاهل مسكين؛ جاهل بالله، جاهل بالإنسان، لا يفهم القصة كلها.
لا، إنني أقول: يا رب رحمتك سبقت. أما بالعدل فتعال نتحاسب: ألم أعطك عينين؟ فيقول له: نعم. انتهى الأمر بكل ما فعلته، هيا الآن ماذا فعلت من المعاصي؟ ويجلس يحاسبنا.
ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«من نُوقِشَ الحسابَ عُذِّب» رواه البخاري ومسلم
نعم عُذِّب.
حديث فضل الصبر على فقدان البصر ونعمة العينين العظيمة
ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم:
«من ابتلاه الله في حبيبتيه» — اللتين هما عيناه — «أدخله الله الجنة»
انظروا إلى النعمة كم هي عظيمة، نعمة العينين، النعمة التي لا ننتبه إليها.
موقف طريف مع المصلين وإعادة الدرس من البداية
هكذا يعرفها الناس، ها هم جميعًا صلاتهم قد بطلت، فالتفت إليهم الإمام وقال لهم: حسنًا، ما دمتم جميعًا هكذا خارجين عن الصلاة بهذا الشكل، استحيوا.
فنحن ما زلنا نقول للناس لا تتكلموا، فأخونا يقول لهم أيضًا لا تتكلموا، مثل الرجل صاحب الصلاة.
إذن تعال قل لي يا أستاذ: أبدأنا أم ما زلنا من البداية؟ أم هي من البداية تمامًا؟ نعم، يعني من أول الآية. الله يسامحكم، الله يسامحكم.
إعادة تلاوة آية سورة النساء والدعاء بطلب الرحمة والمغفرة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يطمئن الناس أجمعين:
﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: 147]
وهذا الذي أخذناه في الدعاء فقلنا: اللهم إننا في حاجة إلى رحمتك ولسنا في حاجة إلى عذابنا، فاغفر لنا ما كان من عمل.
معنى الدعاء بإظهار الضعف والافتقار أمام الله تعالى
هذا الدعاء معناه أننا نُظهر الضعف أمام الله ونشعر بالقصور والتقصير في حقه تعالى.
﴿وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]
وهذا الضعف يستوجب الالتجاء إلى رب العباد سبحانه وتعالى، وكل ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون.
الرد على من يطلب معاملة الله بالعدل دون الرحمة وجهله بصفات الله والعبد
كان هناك أحد الكتّاب يكتب فيقول: اللهم عاملني بعدلك لا برحمتك. أو هذا لا يفهم شيئًا البتة؛ لا صفات الله ومن هو الرب سبحانه وتعالى، ولا صفات العبد وأنه ضعيف وأنه مخطئ وأنه يريد رضا الله سبحانه وتعالى. لا يفهم هذا ولا يفهم ذاك.
ولذلك قديمًا قالوا: من عرف نفسه فقد عرف ربه. انظر إلى الكلام الحكيم: من عرف نفسه بالضعف، بالافتقار، بالاحتياج — محتاج أنا لغيري — وربنا يحتاج إلى أحد؟ الله قوي.
فمن عرف نفسه وعرف من هو، هذا الإنسان عرف ربه بعكس الصفات: الإنسان له بداية، الله ما له بداية، الإنسان له نهاية، الله ما له نهاية. إذن من عرف نفسه عرف ربه.
فالذي يقول: يا رب بعدلك لا برحمتك، هذا لا عرف نفسه ولا عرف ربه.
الحكمة من وجود العذاب في تشريع الله لاستقامة الأمور
﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ﴾ [النساء: 147]
شيئًا عبثًا، فإذا كان العذاب فقد وضعه الله من أجل المعيشة والرزق والرفاهية. العذاب وضعه الله من أجل أن تستقيم الأمور، مثل قانون العقوبات الذي وُضع لكي تقلّ الجرائم وتنتهي.
قال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَـٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]
فيكون سبب وجود العذاب ليس أنّ الله يريد أن يعذبك، بل إنه يريدك أن تستقيم حتى لا تتعذب.
تقديم الشكر على الإيمان في الآية ولفتة عجيبة في ترتيبها
﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ [النساء: 147]
وهنا لفتة عجيبة غريبة: لم يقل "إن آمنتم وشكرتم"، لا، هو يقول "إن شكرتم وآمنتم".
إذن الكافر الذي سيقول الحمد لله، أتنتبه؟ فكيف إذن الكافر؟ هذه مناقضة! فهو يقول الحمد لله على ما نشأ عليه هكذا. يسمع الناس جميعًا تحمد ربنا، فجاءته حاجة هكذا فقال: الحمد لله. وهذا الذي يحدث للكافر وقت الأزمة والضيق؛ عندما يكون في ضيق يقول: يا رب، الله! أي ما عرفت ربنا إلا الآن يا رب، وبحرقة هكذا.
الشكر طريق إلى الإيمان وخصائص الإيمان إذا خالط القلوب
إذا شكر قومٌ يوفقه الله إلى الإيمان. إذا كان لديه أي توجه حتى ولو كان قد أخذه من الآخرين، فإن الله يوفقه لأن يصبح مؤمنًا ويجعله يزداد في الإيمان.
للإيمان خاصية أنه إذا دخل قلبك ووجد قلبك حلاوة الإيمان فإنك لا تكفر أبدًا. ثانيًا: يزداد الإيمان يومًا بعد اليوم. الثالث: يزداد التزامك بشرع الله، وهذا هو بركة الإيمان.
حديث هرقل مع أبي سفيان وأسئلته عن النبي صلى الله عليه وسلم
ولذلك هرقل عندما دخل عليه الصحابة — ولكنهم لم يكونوا صحابة في ذلك الوقت — هذا حديث أبي سفيان الذي لم يكن صحابيًا بعد، فسألهم قائلًا:
النبي الجديد الذي ظهر فيكم، من حوله الفقراء أم الأغنياء؟ قالوا: بل الفقراء. قالوا: يدعوكم إلى الخير أم يدعوكم إلى الشر؟ فيدعونا إلى الخير.
قال له: حسنًا، أيوفي بوعوده أم يخلف الوعود؟ قال له: إنه يوفي بالوعود، ولكن بيننا وبينه — يعني في عهد — الله أعلم ماذا سيفعل فيه. قال [أبو سفيان]: ولم أجد غيرها. لماذا يرميها؟ يعني يقدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى الآن لم يفعل شيئًا، حسنًا يعني لم يفعل شيئًا، ولكن ما هذا الكفر هكذا؟
استنتاج هرقل أن الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب يزداد أهله
قال له: حسنًا، اتبعوا هؤلاء أيزيدون أم ينقصون؟ قال له: بل يزيدون. فجلس يفصّل له بعد ذلك.
هرقل سأله هذه الأسئلة لماذا؟ توقف عند حكاية "يزيدون" وقال: وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فقلت بل يزيدون. وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فإن الناس يزدادون.
الدين الصحيح يزيد الإيمان والدين المبلغ بطريقة خاطئة يسبب الاكتئاب والنفاق
والدين الصحيح يا إخواننا هو الدين الذي كلما اطلعت عليه كلما قلت: هذا ما كان عليه الله والصحابة، وكان كذلك.
أحيانًا الناس يبلّغون الدين خطأً، والدين الخاطئ تجد أن أحدهم قد أصابه الاكتئاب منه، وآخر اضطربت حياته منه، وآخر تركه، وواحد لا يزال عليه، وواحد منافق فيه كذلك.
ولذلك تبليغ الدين على غير وجهه بطريقة غير صحيحة مصيبة. هات الدين الصحيح الذي نزل على المصطفى صلى الله عليه وسلم، والله ما أحد يعرف الدين الصحيح هذا إلا ويزداد كل يوم فيه إيمانًا وحبًّا، ويريد أن يكون كل الناس مؤمنين، جميع الخلق لكي يكونوا مؤمنين. وهكذا الدين صحيح، هكذا من علاماته هكذا.
طريق الابتعاد عن العذاب بالإيمان والشكر وأن الله يخلق الهداية في القلوب
﴿مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ﴾ [النساء: 147]
يعني الطريق أمامكم واضح للابتعاد عن العذاب وغضب الله، وهو الإيمان والشكر. بل إن الشكر لو صدر من غير مؤمن لوفّقه الله إلى الإيمان.
ومن مثل هذه الآيات أخذ العلماء في علم الكلام أن الله هو الذي يخلق الكفر ويخلق الإيمان في قلوب الناس:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]
يهدي من يشاء ويضل من يشاء، بيده سبحانه وتعالى الأمر كله. فالذي يخلق الإيمان هو الله.
معنى أن الله شاكر عليم وأنه يشكر من أطاعه ويثيبه
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 147]
ربنا يشكر قومًا لا تشكرون! ربنا يشكر ويثيب ويعطي لأي شخص أطاعه، وطاعته فرض عليك. يعني أنت تعمل الواجب الذي عليك، فإذا كنت تأخذ شكرًا إضافيًا، فلماذا لا تتقي الله في نفسك وتكون من الشاكرين؟
ختام الدرس بآية النهي عن الجهر بالسوء وتأجيل شرحها
﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: 148]
هذه آية كبيرة جدًا، ولذلك نؤجلها إلى لقاء آخر.
فإلى أن نلتقي نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
