سورة النساء | حـ 793 | 133 : 135 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يتحدث النص عن آية "إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا" التي توضح قدرة الله المطلقة.
- •يبين أن الله قادر على إفناء الناس جميعاً وإيجاد خلق جديد، فالوجود بيده سبحانه.
- •يشرح كيف منح الله الإنسان مهلة للتوبة ومراجعة النفس سواء للأفراد أو المجتمعات أو الأمم.
- •يعرض مشكلة تعلق القلب بالدنيا وصعوبة التخلص من حبها رغم الإيمان والمعرفة بالجنة والنار.
- •يوضح أن الله خالق القلوب يعلم ميل الإنسان للدنيا، لذا لم يطلب التخلي عنها بل وجّه طالبها إليه.
- •يبين أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة معاً، فمن أراد أياً منهما أو كليهما فليتوجه إلى الله.
- •يختم بأن العاقل يكون خصم نفسه ويلجأ إلى الله سواء كان يطلب الدنيا أو الآخرة أو كليهما.
افتتاح الدرس وتلاوة آية قدرة الله على إذهاب الناس والإتيان بآخرين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: 133]
منهج السورة في الإجمال ثم التفصيل بعد تقرير الحقائق والدعوة إلى التقوى
بعد أن قرر الله سبحانه وتعالى الحقائق ودعا إلى التقوى، وحذّر من الكفر، وبشّر سبحانه وتعالى، وحذّر وأنذر، ثم رسم المنهج كيف نستعمله، وأمر بالتوكل حق التوكل على الله؛ بدأ في تفصيل هذه الحقائق التي أجملها.
نقول كلامًا هو فيه إجمال، ثم بعد ذلك نفصّل هذا الإجمال؛ فبدأ بالإجمال ثم ثنّى بالتفصيل.
قدرة الله على إهلاك الخلق والإتيان بآخرين لأنه مالك السماوات والأرض
إن كان من الحقائق أن الله له ما في السماوات وما في الأرض، فما الذي يستطيع أن يفعله الله سبحانه وتعالى؟ قال له: من الذي خلقكم؟ الله. فما رأيك أن ربنا يمكن أن يخسف بكم الأرض ويهلككم جميعًا ويأتي بآخرين؟ وما ذلك على الله بعزيز.
فتأمل إذن، تأمل هكذا الحالة: أننا جالسون في هذه الأرض وبعد ذلك وجدنا طوفانًا أو عاصفة طارت هكذا مثل فرخ الدجاج، وذهبت فقضت على الناس جميعًا.
قدرة الله المطلقة على إعادة الخلق بكلمة كن فيكون
والمؤمن يا عيني ومعه مؤمنة، وجدوهما روحيهما وحدهما هكذا مثل سيدنا آدم وسيدتنا حواء، أو حتى ليس هناك سيدنا آدم وسيدتنا حواء، الاثنان أيضًا هؤلاء ماتوا، وبعد ذلك ربنا أنزل آدم وحواء مرة أخرى.
أقادرٌ أم غير قادر؟ لماذا قادر؟
﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُٓ إِذَآ أَرَادَ شَيْـًٔا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]
وذهبوا فقالوا: إن أمره بين الكاف والنون، يعني لم تخرج النون بعد فتجد الشيء موجودًا أثناء هذه النون، وهذا أمر إلهي لا يتخلف، والله قادر سبحانه وتعالى.
فترات الإمهال الإلهي للتوبة والمراجعة قبل أخذ الله للعباد
فإذا كان شأن وجودك بيد الله فلن تستطيع أن تسيطر، وليست السيطرة معك، حتى لو ظننت أن هناك فترات إمهال؛ لأن الله لما خلقنا ترك لنا فترات إمهال لكي نتوب، لكي نرجع، لكي نراجع أنفسنا كأفراد، كمجتمعات، كجماعات، كأمم.
فعل فينا ذلك، أعطانا مهلة من الرحمة؛ فمن أراد أن يسير على الصراط المستقيم كان به، ومن أراد أن يتلاعب فليتذكر أن الله سبحانه على أن يُفني هذا العالم ويأتي بقوم آخرين.
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾ [النساء: 133]
الله مالك السماوات والأرض فماذا يريد العبد من ربه
طبعًا ما هو له ملك السماوات والأرض، ما هو ذكرنا بالخلق الأول، السماوات والأرض التي قبلنا التي خُلقت قبلنا.
طيب إذا كان الأمر كله هكذا بيد الله فماذا تريد؟ قال: والله إنني لا أخفي عليك أن قلبي متعلق بالدنيا ولا أعرف كيف أُخرج الدنيا منه.
حال من يحب الدنيا ولا تنفعه المواعظ في إخراجها من قلبه
إلى هذه الدرجة، قال: إلى هذه الدرجة إنني أسمع وعظًا كثيرًا، وعندما أخرج من المسجد أتفقد غنماتي، فعندما أجدها قد نقصت واحدة يصبح قلبي كأنك تقطع لحمي، سأموت على الماعز التي ذهبت هذه.
والثاني يموت من أجل قليل من المال الذي ينقصه، أي شيء بسيط كهذا في البنك. والثالث كل واحد لديه شيء يخاف عليه، ولا موعظة تنفعني ولا شيء.
فأنا لا أخفي عليك أنني أحب الدنيا. قلت له: حسنًا، وأنتم تقولون اكرهوا الدنيا؟ قلنا: ما قلناها كذلك. أنت تحبها كثيرًا، أي كثيرًا.
إيمان العبد بالجنة والنار مع بقاء حب الدنيا في قلبه
قال: نعم، يوجد جنة. قال: ما أنا أعرف، انظر انتبه، أعرف أن هناك جنة وأعرف أن هناك نارًا وأعرف كل شيء ومؤمن وأرتعش هكذا، ولكنني أحب الدنيا يا أخي.
نعم ماذا تفعل إذن؟ قام ربنا الذي خلق فقال له: يا عبدي أنا الذي خلقتك وخلقت قلبك وخلقت الدنيا، وخلقتك وأنت تحب الدنيا، وخلقتك أنت وأنت لا تعرف كيف تُخرج الدنيا من قلبك؛ فأنا الذي خلقتك، ولكن فلتكن عاقلًا.
من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة معًا
أنت تحب الدنيا كثيرًا، قال له: نعم. لا تريد أن تتركها؟ قال له: لا أريد أن أتركها. قال له: لا.
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا﴾ [النساء: 134]
الله! إذا أحببت الدنيا التي تحبها تمامًا، فاذهب إلى ربك. لماذا؟ لأنه يمكن أن يأخذها منك قسرًا عنك بما لا حول لك فيه ولا قوة وأنت تحبها؛ فاعدل مع ربك.
حكمة الله في عدم تخيير العبد بين الدنيا والآخرة بل جمعهما عنده
فما قال له [الله سبحانه وتعالى]: سآخذها منك؛ لأنه لو قال له أنا سآخذها منك وأدخلك الجنة، فسيقول له: لا، أنا لا أريد، لا شيء في الدنيا، أنا أحب الدنيا.
قال له: دع الدنيا معك، ولكن لكي تحافظ على الدنيا التي معك يا ذكي، اذهب إلى ربنا. وخذ بقية الآية، هذا أنا توقفت عند هذا عمدًا.
يقول:
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 134]
ولكن أنا الذي وقفت على الدنيا لكي أعقد لك المقارنة.
العاقل يذهب إلى الله سواء أراد الدنيا أو الآخرة أو كليهما
أنت الآن تحب الدنيا، قال له، وهو قال له: حسنًا إذن عليك بربنا مباشرة ليبقيك مع ربنا. إذا كنت تحب الدنيا فلماذا؟ قال له: إن ربنا عنده ثواب الدنيا والآخرة أيضًا، أفتذهب إليه أم لا تذهب إليه؟
ربنا ليس عنده ثواب الآخرة فحسب والدنيا ما عنده، لا! إذا كنت تريد الدنيا فاذهب إلى ربك، إذا كنت تريد الآخرة فاذهب إلى ربك، إذا كنت تريد الدنيا والآخرة فاذهب إلى ربك.
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 134]
العاقل خصيم نفسه ومن أراد شيئًا فليذهب إلى الله السميع البصير
ولذلك فالعاقل خصيم نفسه، والذي يحب الدنيا كثيرًا ولا يريد أن يفقد سنة واحدة، يعني شيئًا صغيرًا هكذا، فليذهب إلى ربنا. والذي يريد الآخرة فليذهب إلى ربنا، والذي يريد الدنيا والآخرة فليذهب إلى ربنا، عنده ذلك.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 134]
الانتقال إلى آية القيام بالقسط والشهادة لله بعد بناء الحقائق السابقة
ثم قال:
﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: 135]
هو كان قبل وإن يتكلم:
﴿وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَٱلصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]
هذا هناك من يعني من عدة آيات، فلما بنى هذا البناء الذي قرأناه بصورة واسعة، قرأنا كل آية وحدها لأن كل آية تعبر عن حقيقة.
دخل فقال: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين ليس قائمين، قوّامين. ولذلك هذه الحكاية ستحتاج إلى شرح نؤجله إلى الحلقة القادمة.
والسلام عليكم ورحمة الله.
