سورة النساء | حـ 819 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 819 | 162 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

12 دقيقة
  • تفسير الآية "لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون" يوضح العلاقة الوثيقة بين العلم الحقيقي والإيمان.
  • العلم الراسخ يصل إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها الإيمان المطمئن، فكلاهما طريقان يؤديان إلى الحقيقة ذاتها.
  • الراسخ في العلم تنكشف له الحقائق، وأعظمها حقيقة وجود الله، فالعلم الحقيقي يدفع صاحبه إلى الإيمان.
  • العلم المفكك الذي لا يوصل صاحبه إلى الإيمان لا يستحق أن يسمى علماً، بل هو معلومات مجزأة.
  • المؤمن وصل إلى التصديق عبر تجاربه الروحية، فيجد قلبه مطمئناً بذكر الله وطاعته، وهذه حقيقة علمية.
  • الفطرة السليمة ترى آيات الله في خلقه، كالأعرابي الذي قال: "الأثر يدل على المسير والبعرة تدل على البعير".
  • العلم الحقيقي لا بد أن يوصل إلى الله، فالعلماء هم الذين يخشون الله كما قال تعالى: "إنما يخشى الله من عباده العلماء".
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الراسخين في العلم من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَٱلْمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلْمُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلْمُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ أُولَـٰٓئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 162]

سياق الآية في الحديث عن تجربة بني إسرائيل وقاعدة قرآنية معجزة

يتحدث ربنا سبحانه وتعالى عن تجربة الأمم السابقة وعن بني إسرائيل وما كان منهم مع موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.

ويقرر ربنا قاعدة مهمة بالغة الأهمية، وهي من معجزات القرآن؛ لأنها تتحدث عن شيء لا يُدرَك إلا بمضي الوقت، ولا يعرفه الإنسان إلا بمرور الزمان.

طريقان للوصول إلى الحقيقة: الرسوخ في العلم والإيمان بالتسليم

﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ هذه طائفة، ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وكأن هناك طريقان:

  • طريق فيه الرسوخ في العلم.
  • وطريق فيه الإيمان والاطمئنان والتسليم والتصديق الذي لا يشوبه التردد ولا الشك ولا الريب.

وأن العلم في رسوخه يصل إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها الإيمان في اطمئنانه.

دائرة العلم قد تنال بعض غير المتدينين إذا أخلصوا في البحث

هذا الكلام وهو كلام يثبت أن دائرة العلم قد تنال بعض غير المتدينين، لكن إذا أخلص [الإنسان] في علمه وجعله علمًا منيرًا مستنيرًا لا يتعصب فيه لرأيه، وإذا قرأ الحقائق التي توصّل إليها بطريقة صحيحة وربط بين هذه المعلومات بمنهج سليم، فإنه يصل إلى درجة أن يكون راسخًا في العلم لا يخفى عليه شيء مما ينكشف له [من] الحقائق.

الراسخ في العلم تنكشف له الحقائق، وأجلى حقيقة في هذا الكون هي الله؛ فالله هو الظاهر وهو الباطن، وهو الأول وهو الآخر، وهو المقدم وهو المؤخر، وهو بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير.

الرسوخ في العلم يدعو إلى الإيمان والعلم المفكك قد يدفع إلى الإلحاد

ولذلك فإن الرسوخ في العلم يدعو إلى الإيمان، ولذلك فإن العلم في لغة القرآن مرتبط بأنه يدفع صاحبه في طريق الإيمان.

ولو أن العلم بمعلوماته المفككة الجزئية لم يدفع صاحبه إلى الإيمان، ولعله في بعض الأحيان يدفع صاحبه بتجزئة العلم وتفككه إلى الإلحاد، ففي حقيقته أنه ليس بعلم؛ أي لا يستحق أن يُقال إنه علم، وإنما هو مجموعة من التصديقات والمعلومات المفككة التي لم يصل بها إلى شيء.

لكن الراسخ في العلم هو الذي يصنع من هذه المعلومات نسقًا ويدرك بعمق العلاقة بين جزئياتها ومعلوماتها، فيرى الله سبحانه وتعالى وراء هذا [كله].

شهادة العلماء الذين ألفوا كتبًا تدعو إلى الإيمان من خلال العلم

هو الذي شاهده من ألّف كتاب "العلم يدعو إلى الإيمان"؛ الحقائق المجردة دعته ودفعته إلى الإيمان. والمجموعة التي ألّفت كتاب "الله يتجلى في عصر العلم" هو نفس المفهوم.

وعندما ألّف كارل [كتاب] "الإنسان ذلك المجهول" دفعه [علمه] إلى هذا [الإيمان]. الذي نحن فيه [أن] مجموعة من العلماء جعلوهم في منتجع وقالوا لهم: أنتم وصلتم من إدراك المعلومات إلى مدى بعيد، فقولوا لنا ما هذه الدنيا ومن أين أتت وإلى أين هي ذاهبة؟ فألّف بعضهم مؤلفات مالت إلى الإلحاد، وألّف بعضهم مؤلفات مالت إلى العلم [والإيمان].

الهداية من الله وحده وعمى البصيرة هو العمى الحقيقي

والهداية ما هي إلا من ربنا؛ إذا أراد أن يهدي إنسانًا هداه، يُنوّر بصيرته. وإذا لم يُنوّر بصيرته يبقى قد أُغلق عليه.

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى ٱلْأَبْصَـٰرُ وَلَـٰكِن تَعْمَى ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِى فِى ٱلصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]

هي [القلوب] التي تعمى حقيقة، وهم مفتّحون [الأعين] وكل شيء [ظاهر] لا شك، لا، ليست هذه هي القضية. هل أنار الله قلبك أم لم يُنِر؟

كتب العلم والإيمان تدفع القارئ للتساؤل عن عظمة الخالق

إذا قرأت "الإنسان ذلك المجهول" أو "العلم يدعو للإيمان" أو "الله يتجلى في عصر العلم"، ستجد ماذا يقول لك؟ أهذا يُعقل؟ إنها واضحة! من هذا؟ من الذي يفعل هذا؟ هل هذا عبث أو فوضى؟ الله!

هذا [هو طريق] الراسخ في العلم [الذي يصل إلى الإيمان بالله].

المؤمن البسيط الذي يصل إلى الإيمان بالتجربة الروحية والتصديق القلبي

[وهناك] وضع آخر: [إنسان] لا يعلم طبيعة ولا كيمياء ولا طبّ ولا فلك ولا شيء، لا يعلم كل ذلك - يعني ليس لازمًا [أن يكون عالمًا] - إنما مؤمن جاءه التصديق القوي.

من أين [جاءه هذا التصديق]؟ من أنه مدّ يده إلى السماء: يا ربّ! فاستجاب له. وهو كذلك وجد حقائق؛ سمع وقرأ في القرآن:

﴿أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]

فذكر ربه، فأحضر له سُبحة مئة حبة وذكر ربه، فوجد قلبه قد اطمأن. وهل [هذا] علم؟ ليس معلومات، هذه تجربة! وجد قلبه مطمئنًا.

ازدياد إيمان المؤمن بالعبادة وثباته أمام الشبهات والتشكيك

كل حين يجد روحه مرتاحة هكذا، يصلي فيرتاح أكثر، فهو يرتاح ويرتاح. هكذا ما الذي يحدث؟ يزداد إيمانه.

ثم يأتي خاطر في باله هكذا: يُشكّكوا في ربنا! فتجده يضحك ضحكة صفراء هكذا، ويقول: نعم، إنه الله!

فيأتي أحد ليقنعه فيقول له: إن لديّ أدلة على عدم وجود الله. فيقول له: كيف يعني؟ ويضحك هكذا، يعني ما قصدك؟ ماذا تعني؟ قصدك أنه ما يوجد ربّ؟! يقول له: نعم. يقول: لا إله إلا الله! طيب، وهو لا إله إلا الله.

المؤمن يرى آيات الله في كل شيء حوله ولا يحتاج إلى أدلة فلسفية

ردّ بالأدلة على واحد يقول لك: أنا لديّ دليل [على عدم وجود الله]. ما هو؟ الآخر في الأصل غير راضٍ أن يسمع له دليل. ما هو؟ إذا كنت تنكر المحسوس! قال: هل الله محسوس؟ قال: شيء له آية تدل على أنه واحد.

كلما ينظر يمينًا وينظر شمالًا يرى عصفورًا يغرّد، ويرى - لا أدري - ديكًا يؤذّن، فيقول: سبحان الله! فمن أين جاء هذا؟ لأنه يرى الله [في كل شيء]. ماذا نفعل! إنه يرى الله [بقلبه].

استدلال الأعرابي البسيط بالفطرة السليمة على وجود الله تعالى

الفطرة السليمة البسيطة: الأعرابي الذي يقول: الأثر يدل على المسير، والبَعرة تدل على البعير.

عندما ترى بَعرة يكون قد كان هنا جمل، وعندما ترى قدمين تمشيان في الرمل فلا بدّ أن يكون أحد قد مشى.

فنهارٌ ساجٍ، وليلٌ داجٍ، وبحارٌ ذات أمواج، وسُبُلٌ ذات فِجاج، أفلا تدل على اللطيف الخبير؟

ما هذا؟ هل هذا عالم كبير؟ هذا رجل أعرابي! قد يكون الأمر كذلك، ولكنني أرى القضية برمّتها، أراها ببساطة هكذا، دون أن ندخل لا في فلسفة ولا في غيرها.

خلاصة الآية: طريقان إلى الله بالعلم الراسخ أو بالإيمان القلبي

ولكن ﴿الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي هذه الكلمة ماذا صنعت لك؟ صنعت لك طريقين:

  1. طريقًا فيه علم ومنهج وحقائق وانكشافات وتكشّوفات وهكذا إلى آخره، بشرط أن يوصل إلى الله، وإلا لا يُسمّى علمًا.

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

هم الذين يخشون الله. علمٌ لا يوصل إلى الله ليس بعلم؛ هذا يكون علمًا في الظاهر هكذا.

  1. وطريقًا فيه الإيمان والتصديق القلبي.

تشبيه العلم الذي لا يوصل إلى الله بالحديث الموضوع والقراءة الشاذة

كما لو أن أحدًا يقول لك: ما هو الحديث الموضوع، أفهو حديث؟ عندما تقول "موضوع"، فإن الحديث الموضوع ليس بحديث ولا شيء.

ربما يقول لك: القراءة الشاذة [هل هي قرآن]؟ القراءة الشاذة تعني ليست قرآنًا؛ هذا القرآن هو القراءات المتواترة هذه، والقراءة الشاذة هذه فلماذا سمّوها قراءة؟ لأنه يعني تجوّزًا هكذا.

ولذلك هاتان الكلمتان فقط نقف عندهما هذه المرة، والمرة القادمة إن شاء الله نكمل بقية الآية:

﴿لَّـٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِى ٱلْعِلْمِ مِنْهُمْ وَٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [النساء: 162]

فقط يكفي هكذا، فلنقف الآن ونتدبر. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.