سورة النساء | حـ 826 | 166 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 826 | 166 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

11 دقيقة
  • يوضح النص الفرق بين "لكن" و"لكنّ" في اللغة العربية، حيث "لكن" ليس لها عمل إعرابي بينما "لكنّ" تنصب الاسم.
  • تظهر الآية "لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا" استدراكاً مهماً.
  • الاستدراك يعني نفي ما قد يتوهم المتلقي إثباته، أو إثبات ما قد يتوهم نفيه.
  • تنفي الآية احتمالين: أن يكون النبي أتى بشيء من عنده، أو أنه أخطأ في تبليغ الوحي.
  • تؤكد الآية أن كل ما أنزل على الرسول هو من عند الله وبعلمه، وأن الملائكة يشهدون على ذلك.
  • الرسل معصومون عن الخطأ والمعصية والزيادة والنقصان في تبليغ الرسالة.
  • التعبير القرآني "وكفى بالله شهيدا" تعبير فريد لم يرد عن العرب.
  • اختلف المعربون في إعراب هذا التركيب، فبعضهم يرى أنه لا إعراب له لعلو مكانته، وآخرون يعربونه إعراباً تقليدياً.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية الشهادة من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]

الفرق بين لكنْ الساكنة ولكنَّ المشددة في اللغة العربية

«لكن» لدينا حرفان في اللغة العربية، أحدهما ساكن وواحد مشدد؛ يعني واحد مكون من أربعة حروف وواحد مكون من خمسة حروف.

«ولكن» لام ألف، بل الألف لا تُكتب مثل ذلك، وهذا لا نكتب الألف، ولكن الألف موجودة في النطق. إذن «ولكن» لام وألف وكاف ونون فتصبح أربعة حروف.

«ولكنَّ» هذه [المشددة] لا تؤثر شيئًا وليس لها أثر في الإعراب. «لكنَّ» [المشددة] لها أثر في الإعراب؛ «لكنَّ» تنصب الاسم تجعله مفتوحًا بعدها هكذا، «ولكنْ» [الساكنة] لا تنصب شيئًا.

حركة النون في لكنْ ولكنَّ والفرق بين عدد حروفهما

«لكنْ» النون عليها سكون، «لكنَّ» النون الأخيرة هكذا مفتوحة مشددة مُدغمة بين النون والنون فتكون مفتوحة.

فيكون في «لكنْ» أربعة حروف، وفي «ولكنَّ» خمسة حروف. هذه [لكنْ الخفيفة] غير هذه [لكنَّ المشددة]، انتبه.

التخلص من التقاء الساكنين عند نطق لكنِ الله في الآية

لفظ الجلالة «الله» البداية همزته همزة وصل، وهمزة الوصل معناها أنها تسقط في الوصل. وبذلك يجتمع ساكنان: النون واللام، والساكنان دائمًا نحن نتخلص منهما؛ لأنه صعب أن تنطق بهما، ليس مستحيلًا وإنما صعب.

«لكنِ الله»، «لكنِ الله»، أيضًا لا بد أن تنتظر قليلًا هكذا لكي تعرف كيف تنطق بهما؛ لأنك أنت عندما وقفت جئت بالهمزة الخاصة بلفظ الجلالة «لكنْ أَ، لكنْ أَ»، أنت أتيت بالهمزة، ولكن عندما تريد حذفها فهذا صعب جدًّا. «لكنْ لا، لكنْ لا، لكنْ لا، لكنْ لاهُ» أيضًا صعبة.

كيفية التخلص من التقاء الساكنين بكسر النون في لكنِ الله

حسنًا، تعال نتخلص منها. كيف؟ قال [العلماء]: نتخلص منها بكسر الأول.

غلامٌ اسمه يحيى، زيادة الحسنى، ما هي؟ نون ساكنة، أهي وجاءت بعدها همزة الوصل فكسرناها. زيادة الحسنى، غلامٌ اسمه يحيى.

«لكنِ الله»، «لكنِ» هذا حرف، ما الذي كسره؟ هو ما اتكسرش [أي لم يُكسر بعامل إعرابي]، جئنا بهذه [الكسرة] لكي نعرف ننطق الساكنين. اسمها التخلص من الساكنين.

لكنِ الخفيفة ليس لها عمل إعرابي ولذلك رُفع ما بعدها

«لكنِ الله» ليس «لكنَّ الله» [بالتشديد]. إذن لو كانت «لكنَّ» [المشددة] كنا سننصب على الفور، نقول: «لكنَّ اللهَ، لكنَّ اللهَ يشهد». إذن «لكنْ» [الخفيفة] ليس لها عمل، ليس لها عمل [إعرابي]، ولذلك رُفع اسمها [أي لفظ الجلالة] بعد ذلك.

معنى لكنْ الخفيفة وهو الاستدراك على ما يُتوهم نفيه أو إثباته

«لكنْ» [الخفيفة] لها معنى، لا تظن أن عدم وجود عمل [إعرابي] لها يعني أنه ليس لها معنى. لا، هي ليس لها عمل، لا تؤثر في [الكلمة] التي بعدها؛ يعني «لكنْ» لها معنى وهو الاستدراك.

تستدرك على ماذا؟ إثبات ما يُتوهم نفيه، أو نفي ما يُتوهم إثباته. يعني لو لم تأتِ بالاستدراك هذا فإنك ستفهم عكس الذي أريد أن أُفهمه لك، فيلزم أن أقول لك «لكن».

مثال توضيحي على معنى الاستدراك في لكن بجملة سآتيك

انتبه، معناها هكذا، معنى «لكن» انتبه. فعندما أقول لك: سآتيك، لكن انتبه، ليس اليوم. افترض أنني لم أقل لك «ولكن انتبه ليس اليوم»، أنت ستفهم أنني سآتي إليك اليوم.

فيجب أن أُفهمك عكس الذي قد يخطر في بالك، عكس كلامي. سآتي إليك اليوم، حسنًا أنا سآتي إليك، سآتي إليك. إذن سآتي إليك اليوم، سآتي إليك ولكن ليس اليوم بل الأسبوع القادم. هذا [هو معنى] «لكن» [الاستدراكية].

الاستدراك في الآية على توهم أن الرسل أتوا بشيء من عندهم

وقد يخطر ببال المتلقي أن هؤلاء الناس، الرسل عليهم السلام، أتوا بشيء من عندهم، وأن الله وفقهم ثم أنشأوا أشياء من عندهم.

أم:

﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰٓ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْىٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ﴾ [النجم: 3-5]

سؤال: نعم، أنت ربنا أكرمك وكلمك وأعطاك شيئًا، وأنت أضفت عليها شيئين من عندك، ربما لأن الله أيضًا وفقك وكل شيء. ولكن أريد أن أسأل سؤالين:

  1. هل جئت بشيء من عندك أم كله من عند الله؟ هذا رقم واحد.
  2. رقم اثنين: ألا تكون قد أخطأت عندما تلقيت الوحي؟ فقال لك الله: اذهب يمينًا، فذهبت أنت وقلت: اذهب مستقيمًا؟ فهمت هذا خطأً وأنت بشر.

قال له [الله]: لا هذه ولا هذه، فجاء بـ«لكن» [للاستدراك].

دلالة الآية على أن كل ما نزل كان بعلم الله وشهادة الملائكة

﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]

فيبقى كل شيء نزل كان بعلم الله، وكان بشهادة الملائكة الكرام المعصومين، والملائكة يشهدون.

طيب، وهو بعد ربنا هل أحد قال: لا؟ هذا شيء مثل ماذا؟ ما هم الملائكة؟ هؤلاء مخلوقات وهم يشهدون بهذا ويشهدون بعلمهم، يعلمون هذا. فهذه حاجة كما تقول يعرفها الجن والإنس، أمر مُسلَّم به لا تردد فيه.

معنى وكفى بالله شهيدًا وأن القضية لا تحتاج شهادة أحد سوى الله

ولذلك قال:

﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]

فهذه القضية لا تحتاج لا ملائكة ولا جن ولا إنس ولا بشر؛ فربنا هو الذي فعل ذلك، هو أنزله وهو الذي أنزله بعلمه، سبحان الذي أحاط بكل شيء علمًا.

الاستدراك بلكن ينفي توهم أن النبي أتى بشيء من تلقاء نفسه أو أخطأ في التبليغ

ومن هنا استدرك [القرآن] على المتلقي أن يتصور أن الرسول أو أن يكون النبي قد أتى بشيء من تلقاء نفسه، بل الكل من عند الله.

واستدرك على السامع أن يعتقد أو يتصور أو يظن أن النبي أو أن الرسول -أيَّ رسول- قد أخطأ فيما بلَّغ، ففهم غير مراد الله سبحانه وتعالى؛ لأنه هو الذي أنزله وهو الذي أنزله بعلمه.

عصمة الرسل عن الخطأ والمعصية والزيادة والنقصان في التبليغ

ومن هنا انقطعت حجة من يفرق بين الله ورسله. الرسل معصومون عن الخطأ، ومعصومون عن المعصية، ومعصومون عن الزيادة والنقصان، ومعصومون عن الإخفاء، وأنهم يقصرون في تبليغ الدعوة.

وكل ذلك بقوله [تعالى]:

﴿لَّـٰكِنِ ٱللَّهُ يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]

تعبير وكفى بالله شهيدًا تركيب قرآني فريد لم يرد عن العرب

ذكرنا ونكرر للتذكرة أن هذا التعبير القرآني «وكفى بالله شهيدًا» و«وكفى بالله وكيلًا» وهكذا، تعبير فريد لم يرد عن العرب.

ولذلك قال بعض المُعرِبين لكتاب ربنا أنه لا إعراب له. «وكفى بالله شهيدًا» هذا شيء عالٍ جدًّا من الكلام بحيث أنه لا إعراب لها.

«وكفى بالله شهيدًا» المُعرِبون يقولون: «كفى» فعل ماضٍ، «بالله» فاعل منع من الرفع الباء التي فيه، «بالله شهيدًا» وهكذا. الآخر يقول: لا، هذا تركيب على بعضه هكذا، ما جاء إلا من عند ربنا.

﴿وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 166]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.