سورة النساء | حـ 800 | 141 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •الآية في سورة النساء تصف المنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين، فإن انتصر المسلمون ادعوا أنهم معهم، وإن كان للكافرين نصيب زعموا أنهم حموا المسلمين.
- •المنافق هو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر، ويتبع مصلحته الشخصية فقط، فهو ذو وجهين يصلي مع المسلمين لكن لا يُعرف نيته.
- •لا يحق للمسلم تكفير من يشهد الشهادتين أو يصلي، فالمنافق يُظهر الإسلام ليكون مع الغالب.
- •قوله تعالى "فالله يحكم بينكم يوم القيامة" يرجئ الحساب للآخرة وليس من شأن الدنيا، فلا يملك المسلم تفتيش قلوب الناس أو تصنيفهم.
- •معرفة المنافقين كانت خاصة بالنبي ﷺ بالوحي، وقد انتهت بوفاته.
- •الخطأ الكبير هو تطبيق آيات المشركين على المسلمين كما فعل الخوارج.
- •الله لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلاً إذا التزم المسلمون بمنهج الله ولم يُحدثوا فجوة بينهم.
تلاوة آية المنافقين الذين يتربصون بالمؤمنين من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوٓا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]
صفات المنافقين الذين لا يؤمنون إيمانًا حقيقيًا ويتبعون مصالحهم
هناك طائفة من الناس مردوا على النفاق، لا يؤمنون الإيمان الحقيقي بأن هناك إلهًا، وأن هناك وحيًا، وأن هناك نبوة، وأن هناك كتابًا، وأن هناك تكليفًا، وأن هناك تكليفًا يجب عليك أن تتبعه.
هو [المنافق] ليس له علاقة بكل هذا؛ هو يعيش حياته في المجتمع ليس له إلا مصلحته. أين مصلحتي؟ هي هذه، وإن خالفت التكليف، وإن خالفت الإيمان، وإن أضرت بالآخرين.
ودائمًا يمسك العصا من الوسط، فيكون له وجه هكذا ووجه هكذا، ذو وجهين، وهذا الذي نسميه المنافق.
حكم المسلم تجاه من يصلي ومن يشهد الشهادتين ولا يُكفَّر
فيأتي [المنافق] مع المسلمين ويصلي معهم، والله أعلم إذا كان يصلي من غير وضوء أو يصلي بوضوء، يعني هل يريد وجه الله أم لا يريد وجه الله؟ لا نعرف، ولكن الذي نعرفه أنه يصلي معنا، انتهى الأمر.
المسلم لا يُكفَّر؛ من رأى من يصلي، حتى الذي لا يصلي ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أيضًا لا نكفره، ونقول إنه فسق فسقًا شديدًا أنه ترك الصلاة، ونأمره بالصلاة.
موقف المنافق من المسلمين والكافرين وتربصه بالطرفين لمصلحته
فالمنافق هذا يأتي ليُظهر أمام المسلمين أنه منهم. لماذا؟ قال: ما أنا لا أعرف من سيغلب من؛ والله الذي سيغلب المسلمين فأنا مع المسلمين، الذي سيغلب الكافرين أنا مع الكافرين، أنا مصلحتي، أنا لا دخل لي بهذه الحكاية كلها.
﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: 141]، يعني ينتظرون، لا يريدون أن يندمجوا مع المسلمين في بناء أوطانهم وأحوالهم وحياتهم، ولا يريدون أن يحاربوهم ولا يُظهروا الضدية لهم؛ هم منتظرون يتربصون، هكذا هو قاعد متربص، يعني منتظر.
ادعاء المنافقين الولاء للمسلمين عند الفتح وللكافرين عند نصيبهم
﴿فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ [النساء: 141]، نعم، فما انظروا إلينا، ما دامت الدنيا قد حلت وأزهرت وأصبحت موجودة، نحن معكم ماضون، فليبقوا معكم.
﴿وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: 141] من الدنيا، وهذا قدر الله يعطي للكافر ويعطي للمؤمن، فهو كريم واسع. فالكافرون هم الذين ظهرت عندهم الثروة.
﴿قَالُوٓا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 141]، أتظنون أن المؤمنين يتركونكم؟ بل كانوا عازمين على ضربكم، ويثيرون فتنة بين المسلمين والكافرين، كانوا عازمين على إنهاء قوتكم لولا نحن.
كذب المنافقين في ادعاءاتهم ومعنى الاستحواذ في اللغة
ولكن الأمر ليس كذلك؛ هذا كذب في الواقع، كله كذب، هذا كذب وهذا كذب وهذا كذب. المهم أن يصل [المنافق] إلى مصلحته.
﴿نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 141]، ﴿ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ﴾ [المجادلة: 19]، ماذا يعني؟ أحاط بهم. وهو في الحوذة، يعني الحوذة بمعنى الإحاطة والملكية.
فنحن حميناكم من كل مكان. ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 141].
تأجيل الحكم على المنافقين إلى يوم القيامة وعدم التفتيش في القلوب
﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [النساء: 141]، لما ربنا يقول: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ رحل الحساب والعقاب إلى الآخرة، يبقى هذا ليس من شأن الدنيا، يبقى هذا تربية فردية.
هذا خطاب للإنسان أن احذر أن تكون منافقًا بينك وبين ربك؛ لأنه لا قدرة لي أن أطلع على ما في قلب من أمامي، ولا قدرة لي أن أتشكك في كل من حولي. ليس من الممكن أن يكون كل من حولي منافقين؛ هذا وارد عقلًا وهذا وارد، فهل يعقل هذا؟
أنا مأمور أن أبتسم في وجه أخي، وأن أتعاون معه، وأن أحيا معه، ولذلك لن أفكر قط في أنه منافق؛ العملية معقدة.
النهي عن تصنيف الناس والتفتيش في قلوبهم وتأجيل ذلك إلى الآخرة
إذن، ماذا سنفعل في الدنيا؟ لا تفعل شيئًا؛ فقد أُرجئت [هذه المسألة] إلى الآخرة.
وهنا نقطة مهمة يفهمها كثير من الناس على غير وجهها الصحيح؛ يفهم أن له سلطانًا على أخيه يفتش عما في قلبه، ويقوّمه ويصنفه، ويجعله من المنافقين أو من الملتزمين أو من المسلمين أو من الكافرين، ويبدأ في تصنيف الناس، وبناءً عليه يبدأ في التعامل الخاطئ معه.
هذه الآية تمنع وتؤجل هذه الحالة إلى يوم القيامة؛ ليس لنا شأن في الدنيا بهذه القضية.
معرفة المنافقين كانت خصيصة للنبي بالوحي وانتهت بوفاته
ولذلك ورد في بعض الآثار أن معرفة المنافقين إنما كان خصيصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقط. أما وقد انتهت الرسالة وانتهى الوحي ولحق النبي المصطفى بالرفيق الأعلى، فقد انتهى الأمر، لا نعرف.
كان الصحابة يقولون هكذا: لا نعرف، كنا نعرف المنافقين أيام النبي بالوحي؛ الله يوحي إليه أن هذا منافق، لكن غير ذلك لا نعرف.
فإلى أين نذهب وماذا نفعل في الدنيا؟ فوّض أمرك إلى الله واتركها إلى الآخرة، وإلا وجدت نفسك في العصيان؛ تشك في المسلمين وتصنف المسلمين، وهكذا إلى آخره.
تحذير ابن عمر من تطبيق آيات المشركين على المسلمين كما فعل الخوارج
ولذلك سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فيما أخرجه البخاري، يتحدث عن الخوارج فيقول: ذهبوا إلى آيات أنزلها الله في المشركين فجعلوها في المسلمين.
فيبقى إذن هذا الخروج عن الإسلام الذي وصفه سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خطأ؛ لأن هذا الأمر وهو التصنيف إنما هو مؤجل إلى يوم القيامة، حيث يعلمه الله الذي لا تخفى عليه خافية.
فيقول: ﴿فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [النساء: 141]، ارفع يدك إذن، انتهى.
وعد الله بعدم تسليط الكافرين على المؤمنين إذا التزموا بمنهجه
﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، إذا اتخذنا هذا المنهج [بعدم تصنيف المسلمين وتفويض الأمر لله]، فإن الله يتدخل ولا يجعل أبدًا للكافرين على المؤمنين سبيلًا.
وإذا تخلينا عنه وبدأنا نقسم في المسلمين، نُحدث فجوة في الأمة ونجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا. ما هو ربنا اشترط أننا لن يجعل لنا [الكافرين] سبيلًا؛ اعملوا هكذا، رحّلوها إلى الآخرة.
الفرق بين التعبير بالفتح للمؤمنين والنصيب للكافرين في الآية
﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَـٰفِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: 141]، انظر إلى الكلام: هنا فتح وهنا نصيب؛ هو دنيا، ولكن لما كانت للمؤمنين عبّر عنها بـفتح؛ لأن المؤمن يستعمل ما رزقه الله في عمارة الأرض.
وفي تلك الأخرى قال: النصيب، نصيب للكافرين يفعلونها لغير وجه الله.
﴿قَالُوٓا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ﴾ [النساء: 141]؛ لأنه خدعني، يعني غشني وجعلني أتعامل معه وهو ليس أهلًا لهذا التعامل.
معنى السبيل ودعاء النبي بعدم إبادة الأمة وبقاء الفتن الداخلية
ثم إن الوعد عندما نلتزم به: ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَـٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141]، والسبيل معناه أن الله سبحانه وتعالى لا يسلط الكافرين على المؤمنين.
ولذلك دعا النبي صلى الله عليه وسلم ألا تُباد أمة المسلمين من الكافرين، فاستجاب الله له. ودعا ألا يجعل بأس المسلمين بينهم شديدًا فيما بينهم، فلم يستجب الله له، وأخبرنا رسول الله بهذا.
ولذلك نجد كثيرًا من الفتن والمحن والإحن التي نعيش فيها في داخل المجتمع الإسلامي.
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
