سورة النساء | حـ 773 | 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 773 | 125 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

7 دقائق
  • الدين هو وضع إلهي يسوق أصحاب الفطر السليمة إلى خير الدنيا والآخرة، وينبغي تطبيقه بنية صادقة حتى يؤثر في النفس.
  • يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن جمع بين الصلاة والمعصية نطالبه بترك المعصية والاستمرار على الصلاة.
  • الخطأ الكبير أن يأمر البعض العاصي بترك الصلاة بحجة عدم نفعها مع المعصية.
  • الحسنات تذهب السيئات وليس العكس، فالصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.
  • على الدعاة تشجيع الناس على الاستمرار في الحسنات مع طلب المغفرة للسيئات، وليس تحبيط الناس بالقول بأن السيئات تحبط الحسنات.
  • الملائكة تنتظر ست ساعات بعد المعصية قبل تسجيلها، إتاحة للتوبة.
  • لا ينبغي التخطيط للمعصية والتوبة بعدها، فهذا تلاعب، والله يحول بين المرء وقلبه.
  • إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية من سورة النساء عن أحسن الدين

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَٰهِيمَ حَنِيفًا وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]

ومن أحسن دينًا؟ فلا بد علينا أن نفهم ما الدين؛ فقالوا: الدين هو وضعٌ إلهي يسوق أصحاب الفطر السليمة إلى ما فيه خير الدنيا والآخرة، فيسعد الإنسان عند سلامة فطرته بالدين.

الدين بين الظاهر والباطن وضرورة تصحيح النية والاستمرار على الطاعة

والدين إذا طبّقه الإنسان في ظاهره ولم يعلم حقيقته ونواياه ومراده، فإنه لا يؤثر فيه، ويكون بذلك ليس سائقًا له. ولكن بالرغم من ذلك إلا أنه يجب عليه أن يستمر وأن يصحح نيته.

ودائمًا أبدًا عندما نرى الناس يرتكبون المعاصي وهم على حال الإيمان، فإننا نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر، فنقول لهم: اتركوا المعصية واستمروا على الخير، ولا نأمرهم بالمنكر وننهاهم عن المعروف.

خطورة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف عند من يجمع بين الصلاة والمعصية

فإذا وجدنا المصلي يشرب الخمر قلنا له: أنت مُصَلٍّ بارك الله فيك، انتهِ عن شرب الخمر حتى تتسق مع حالك الإيماني. ولكن بعض الناس يعكسون فيأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.

ويقولون لمن جمع بين الصلاة والخمر: أنت لن تنفعك صلاة، لن تنفعك صلاة! ولذلك اترك الصلاة التي تصليها، أنت تسجد لربنا كيف وأنت سكران هكذا أم ستسكر بعدها؟!

هذه مصيبة كبرى؛ لأنه في النهاية أمر بالمنكر ونهى عن المعروف، فأمره أن يترك الصلاة من أجل المعصية، وهذا لا يقول به من عرف دينه.

وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن الحسنات تذهب السيئات لا العكس

بل لا بد لنا دائمًا أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونصبر على الطاعة، وندعو الناس إلى ترك المعاصي دائمًا وأبدًا.

ولكن هناك كثيرًا من الناس يُبطل الأعمال، فيُبطل الحسنات بفعل السيئات، في حين أن الله سبحانه وتعالى جعل:

﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]

وليس أن السيئات يُذهبن الحسنات. فـالحسنات هي التي تتسلط على السيئات فتُذهبها.

ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«الصدقة تُطفئ الخطيئة كما يُطفئ الماء النار»

فتبقى الخطيئة التي أذهبتها الصدقة، هي [أي الصدقة] التي أطفأت الخطيئة، الصدقة أطفأت الخطيئة. ولذلك فدائمًا تكون الطاعة هي التي تُطفئ السيئات وليس العكس.

خطأ بعض الوعاظ في تخويف الناس بأن السيئات تذهب الحسنات وأثره السلبي

كثير أو بعض ممن يتصدرون للوعظ بغير علم يذكرون للناس خلاف ذلك [أي خلاف أن الحسنات يُذهبن السيئات]؛ غرضهم أن يُخيفوا الناس حتى لا يقعوا في المعصية.

فتؤثر هذه الموعظة السيئة التي يذكرون فيها أن السيئات تذهب بالحسنات تأثيرًا سلبيًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بعباده، وعندما خاطبهم بالرحمة والرأفة وجعل الحسنات تُذهب السيئات، فيجب علينا أن نتخلق بأخلاق الله وأن ندعو الناس إلى أن يستمروا على حسناتهم، وأن سيئاتهم سوف يغفرها الله سبحانه وتعالى لهم.

إرشاد النبي ﷺ العصاة إلى فعل الخير والوضوء لمحو الذنوب

وعندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم كثيرٌ من العصاة يعترفون بذنوبهم أو يتحيرون فيما وقعوا فيه، فإنه صلى الله عليه وسلم أرشدهم إلى فعل الخير، فأرشد أحدهم إلى أن يقوم فيتوضأ؛ فإن الوضوء يُذهب المعصية ويُذهب الآثام.

حديث انتظار الملائكة ست ساعات قبل تسجيل المعصية رجاء التوبة

ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:

«إن لله ملائكة تسجل على ابن آدم ما يفعل، وإنها إذا رأت ابن آدم قد عصى الله فإنها تنتظر ست ساعات لعله أن يتوب أو يرجع، فإن تاب لا تسجل عليه المعصية، وإن لم يفعل سجلت عليه ذلك»

يبقى هنا كان النبي صلى الله عليه وسلم حثّنا ودفعنا وأرشدنا إلى المبادرة بالعودة والمغفرة والاستغفار والتوبة سريعًا قبل أن تمضي الست ساعات؛ تتذكر وتقول: أستغفر الله، فتعود مرة أخرى، وإذا بك لا تُسجَّل عليك هذه المعصية.

معنى اختفاء المعصية من السجلات يوم القيامة بفضل التوبة السريعة

يعني مثل ماذا؟ تختفي [المعصية من الصحيفة] فلا تكون مسجلة، حتى يوم القيامة يفتحون السجلات فلا يجدونها غير موجودة. فماذا حدث لها؟ في هذه المدة [أي] ست ساعات.

والحديث صحيح عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في انتظار ملائكة التسجيل ست ساعات بعد المعصية. هذا من كرم ربنا، هذا من حلاوة الدين، هذا من التبشير؛ نُبشّر الناس.

التحذير من التخطيط للمعصية اعتمادًا على مهلة الست ساعات وأن الأعمال بالنيات

ولكن هذا [الكرم الإلهي] يدعونا ونحن نتعامل مع رب كريم ألّا نفعل المعصية. التي [يقول قائلها]: ما هي على سبيل هذا، أنت تتعامل [مع الله]، لا تقول: إذن ماذا؟ طيب أنا سأعصي وسألحق [بالتوبة] قبل ست ساعات. لا يوفقك الله؛ الله لا يحب هذا اللعب.

أنت عندما تعصي وحدث أنك عصيت ارجع بسرعة، لكن أنت ستضع خطة لفعل معصية والتوبة وراءها على الفور قبل ست ساعات؟ لن ينفع.

واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه. من الذي قال لك إنك هل ستُمهَل الست ساعات أم ست دقائق؟! من الذي قال لك إنك لن تنسى؟ من الذي قال لك إنك ستتمكن من التوبة؟ هذا أحيانًا يا مسكين تحاول ولا تعرف وتشتغل [أي تنشغل عن التوبة].

وإذن:

قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» [رواه البخاري ومسلم]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.