سورة النساء | حـ 751 | 106 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 751 | 106 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

8 دقائق
  • الاستغفار عبادة عظيمة حث عليها الله تعالى في قوله: "واستغفروا الله إن الله كان غفورا رحيما".
  • كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله مائة مرة يومياً رغم عصمته، ليعلمنا إظهار العبودية لله.
  • الاستغفار يكون عن ذنب أو تقصير أو حتى توهم تقصير.
  • فسر الحسن الشاذلي حديث "إنه ليغان على قلبي" بأنه غين أنوار لا غين أغيار، فقلب المؤمن له بابان: باب للخلق وباب للحق.
  • النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر ليفتح باب الخلق حين تغلقه الأنوار، بينما نحن نستغفر لفتح باب الحق حين تغلقه الأغيار.
  • للاستغفار آثار دنيوية كنزول المطر والرزق والذرية، كما في قوله تعالى: "استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا".
  • للاستغفار آثار أخروية كتكفير السيئات ورفع الدرجات.
  • ينبغي المحافظة على الاستغفار كورد يومي مائة مرة صباحاً ومساءً، مع الصلاة على النبي وذكر التوحيد.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

افتتاح الدرس بالصلاة على النبي وبيان موضوع سورة النساء

والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 106]

وأمرنا ربنا سبحانه وتعالى بالذكر، وأنزل لنا كلمات علّمنا إياها: سبحان الله، الحمد لله، لا إله إلا الله، الله أكبر، لا حول ولا قوة إلا بالله، استغفر الله، إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل، توكلت على الله.

اللهم صلِّ وسلم على سيدنا محمد.

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

سورة النساء تفصّل أحكام الأسرة والمجتمع والحرب والعلاقات الدولية

وفي آيات مستقلة في هذه السورة [سورة النساء] التي تبيّن لنا [أحكام الحياة] البشرية، وتأمرنا بأوامر وصلت إلى التفصيل في الأسرة، في السلم، في الحرب، في القتال، في المجتمع، في العلاقات الدولية.

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 106]

آية تأمر بالاستغفار وتحثّ الناس والمسلمين على أن يستغفروا ربًّا كريمًا، هو من صفاته أنه غفور، ومن صفاته أنه رحيم.

استغفار النبي ﷺ مائة مرة في اليوم وبيان حكمته رغم عصمته

الاستغفار كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، حتى إنه كان يستغفر الله في اليوم مائة مرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم؛ إلا أنه يعلّمنا أن الاستغفار فيه إظهار للعبودية لله.

طلب المغفرة من الله قد يكون عن ذنب وهذا في عموم الناس، وقد يكون عن تقصير، وقد يكون عن توهّم تقصير.

إشكال أبي الحسن الشاذلي حول حديث الغين وتفسيره في المنام

أشكل هذا [الحديث عن استغفار النبي ﷺ] على سيدنا أبي الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه، فقال: كيف يستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والحديث يقول:

قال رسول الله ﷺ: «إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في اليوم مائة مرة» رواه مسلم

الغَيْن مثل سحابة رقيقة. فتعجّب أبو الحسن [الشاذلي]: كيف تأتي سحابة على قلب سيد البشر صلى الله عليه وسلم؟

ونام فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم [في المنام]، وهو كأنه يرشده إلى معنى جديد في ذلك الحديث الذي رواه مسلم، وقال له: يا علي — أبو الحسن كان اسمه عليًّا — يا علي، غَيْنُ أنوارٍ لا غَيْنُ أغيار.

تفسير غين الأنوار وغين الأغيار والفرق بين قلب النبي وقلب المؤمن

قلب المؤمن كعبة له بابان: باب على الخلق وباب للحق سبحانه وتعالى. الأغيار [أي مشاغل الدنيا] تُغلق باب الحق، والأنوار عندما تأتي فتُغلق باب الخلق.

ولذلك تجدني — يعني — متضايقًا من الخلق، لا أريد أن أراهم، وإن كان باب الحق مفتوحًا، وأريد أن أسبح في ملكوته.

فكان صلى الله عليه وسلم يحدث له هذا الأمر: تأتيه غَيْنُ الأنوار فيُغلق باب الخلق، ولكنه مكلّف بأن يُبلّغ هذا الخلق عن الله؛ ولذلك فهو يستغفر الله من غَيْن الأنوار حتى يفتح باب الخلق مرة أخرى.

الفرق بين استغفار النبي ﷺ لفتح باب الخلق واستغفارنا لفتح باب الحق

لكن باب الحق عند رسول الله [صلى الله عليه وسلم] لم يُغلق من قبل. أما عندنا [نحن المسلمين] فيأتي الأغيار ومشاغل الدنيا فتُغلق باب الحق؛ حينئذٍ نستغفر حتى يُفتح باب الحق.

لكن رسول الله [صلى الله عليه وسلم] كان يستغفر حتى يُفتح باب الخلق.

﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 106]

غَيْنُ أنوارٍ لا غَيْنُ أغيار. إذن الاستغفار مهم للغاية؛ لأنه إن كانت هناك ذنوب فإن الله يعفو عن هذه الذنوب، وإن لم يكن فهو إظهار للعبودية ورفع للدرجات: تكفير للسيئات أو رفع للدرجات.

آثار الاستغفار في الدنيا من الرزق والولد والمطر بشهادة القرآن

الاستغفار له آثار في الدنيا وله آثار في الآخرة. ويُحكى أن أحدهم جاء إلى شيخ يسأله عن عدم رزقه بالولد، فقال له: استغفر الله. وآخر قال: إن المطر لم ينزل على أرضنا وأصبحت جافة، فقال: استغفروا الله. وآخر آذاه أبناؤه بشيء، قال: استغفر الله.

قالوا: الاستغفار دواء لكل داء! تلا عليهم قوله تعالى:

﴿فَقُلْتُ ٱسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَٰلٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّـٰتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَـٰرًا * مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 10-13]

إذن فالاستغفار له آثار دنيوية، وله آثار إيمانية، وله أيضًا آثار أخرى.

آثار الاستغفار في الآخرة وأنه سبب لنور القلب واستجابة الدعاء

أما في الآخرة فانظر وقد عفا الله سبحانه وتعالى عنك، وأتت الحسنات وذهبت السيئات:

﴿إِنَّ ٱلْحَسَنَـٰتِ يُذْهِبْنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ﴾ [هود: 114]

وكنت في رحمة الله سبحانه وتعالى وفي بحبوحة غفرانه.

ومن هنا كان الاستغفار من أسباب نور القلب، وكان الاستغفار من أسباب استجابة الدعاء، وكان الاستغفار من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يفارقه أبدًا.

الورد اليومي من الاستغفار والصلاة على النبي والتهليل مائة مرة صباحًا ومساءً

ولذلك ترى أهل الله وهم يرشدوننا إلى الورد اليومي بأنه لا بدّ أن يبدأ بالاستغفار: نستغفر مائة مرة كل يوم في الصباح وفي المساء.

ثم بعد ذلك نصلّي على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ثم بعد ذلك نذكر بخير القول، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال رسول الله ﷺ: «خير ما قلتُ وقال النبيّون من قبلي: لا إله إلا الله»

هذه الثلاثة — كل ذكر مائة مرة — يحافظ الإنسان عليها في الصباح ويحافظ عليها في الليل، والليل يبدأ من المغرب، كل يوم هنا مرة وهنا مرة؛ فهي تيسّر الأمور وتجعل الإنسان أكثر شفافية وأكثر قربًا من الله سبحانه وتعالى.

الخطاب بالاستغفار موجه للنبي وللأمة جميعًا والختام

﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 106]

هذا الخطاب كان موجّهًا للنبي صلى الله عليه وسلم، لكنه بتوجيه لرسول الله فهو موجّه للأمة وأفرادها من بعده. تخيّل أن الله سبحانه وتعالى يخاطبك ويقول: استغفر الله.

﴿وَٱسْتَغْفِرِ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 106]

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.