سورة النساء | حـ 732 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة
- •يقرر الله سبحانه الدية والكفارة في القتل الخطأ، ويبين أن الكفارة عند فقدان الرقبة المؤمنة هي صيام شهرين متتابعين.
- •كانت قيمة الرقاب في الزمن الماضي متفاوتة، فمنها ما يُشترى بعشرة دراهم (حوالي 75 جنيهاً مصرياً حالياً)، ومنها ما يصل لألف دينار (12000 درهم).
- •الدينار كان يعادل اثني عشر درهماً في العهد النبوي ثم ارتفع إلى أربعة عشر درهماً حتى القرن التاسع عشر.
- •ديّة القتل الخطأ كانت ألف دينار، وتعادل الآن 4.25 كيلوجرام من الذهب (425 ألف جنيه)، أو 36 كيلوجرام من الفضة (90 ألف جنيه).
- •اختلفت قيم الدية في عصرنا بين الإبل (800 ألف جنيه) والذهب (نصف مليون) والفضة (90 ألف).
- •استقر الرأي في مصر على اعتماد قيمة الفضة في تقدير الدية ليتمكن الناس من تطبيق شرع الله بيسر وسهولة.
مقدمة الدرس وبيان حكم الكفارة في القتل الخطأ من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يقرر الدية في شأن القتل الخطأ، ويقرر الكفارة. فيقول في شأنها عند فقدانها حسًّا أو شرعًا:
﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 92]
أي من لم يجد الرقبة [المؤمنة لتحريرها]؛ بأن لم تكن مؤمنة، أو لم تكن هناك رقبة أصلًا في عصرنا الحاضر بعد إلغاء الرق، أو كانت موجودة في عصور سابقة وليس معه ثمنها.
تفاوت أسعار الرقاب قديمًا بين عشرة دراهم وألف دينار
وكانت الرقاب تختلف اختلافًا بيِّنًا جدًّا؛ فكانت هناك رقاب بعشرة دراهم، تُشترى رقبة بعشرة دراهم. إنما هذه العشرة دراهم، الدرهم كم يزن؟ قال لك: اثنان جرام وتسعة من عشرة، ولكنه من الفضة.
يعني معنى ذلك حوالي ثلاثين جرامًا من الفضة. جرام الفضة اليوم بجنيهين ونصف، ثلاثون في اثنين ونصف بكم؟ بخمسة وسبعين جنيهًا مصريًّا من أيامنا التي نحن فيها هذه. تدفع خمسة وسبعين وتمتلك رقبة!
نعم، ممكن، ولكن هذه الرقبة قد تجدها لا تملك كفاءة أبدًا. هذا بني آدم هكذا وانتهى الأمر؛ يصلح أن تضعه أمام بعض الزراعة، أن تجعله يحرس شيئًا ما وهكذا. وتكلفة عليك: طعام، شراب، علاج، لبس، مبيت، كل شيء عليك، تزوِّجه وهو لا يصلح لشيء إلا أن يبقى ديدبان [حارسًا]، لا توجد كفاءة.
الرقاب الغالية التي بلغت ألف دينار وتفاوت قيمة الدينار عبر العصور
هؤلاء، ما هؤلاء؟ عبارة عن عشرة دراهم. لكن هناك [رقاب] وصل [ثمنها] إلى ألف دينار! ألف دينار، الدينار بكم كان؟ كان الدينار باثني عشر درهمًا.
كان على عهد النبي ﷺ بعشرة دراهم، فظل يرتفع حتى أصبح عند سيدنا عمر [بن الخطاب رضي الله عنه] في بداية الحكم اثني عشر [درهمًا]. لما فُتحت الفتوح وهكذا وازداد قليلًا بأربعة عشر بعد ذلك.
وظلت هذه النسبة — الدينار بأربعة عشر درهمًا — حتى القرن التاسع عشر، وبعدئذٍ اختل النظام وانخفضت الفضة جدًّا وارتفع الذهب جدًّا. ولكن في العصر النبوي كانت هذه الأشياء قريبة من بعضها البعض، هكذا هي الفضة مع الذهب.
الفرق الكبير بين ثمن الرقاب الرخيصة والغالية وأسباب ارتفاع الأسعار
يعني تدفع ألف دينار، يعني اثني عشر ألف درهم، وهنا أنت تدفع عشرة دراهم. أي اثني عشر ألفًا معناها ألف ومائتان مرة [ضعف الثمن الأدنى]!
يقول لك: نعم، كان هذا. ما هو؟ تجد مثلًا الجارية التي ستشتريها بألف دينار جميلة ومغنية وطبَّاخة ولا أدري ما، وأديبة وهكذا؛ يرتفع السعر.
كذلك، فالحمد لله الذي عافانا من كل ذلك وحرَّر البشر، الحمد لله. لأنه هكذا أنت فعلت ماذا؟ جعلت البشر سلعة تُباع وتُشترى، وجعلت الكفاءات مرتبطة بأمور ليست هي إياها.
رأي الفقهاء في تقييم الجارية وتحريم الثمن الزائد عن قيمتها الحقيقية
ولذلك الفقهاء تكلموا عن هذه الفتاة [الجارية]، من غير الغنى والمسخرة [أي بدون المبالغة]، تساوي كم؟ قالوا: لا تساوي مائتي دينار. قال: فتكون هي مائتي دينار والثمانمائة حرام.
قالوا هكذا؛ إنه عندما يكون لها الألف، وهذه الألف آتية من كون الحاجة [الجارية] ستعمل راقصة أمام الناس، يأتي بها الأغنياء لكي ترقص لهم. فقال: إذن الثمانمائة هذه حرام.
حساب مقدار الدية بالذهب والفضة في العصر الحاضر بالجنيه المصري
إذن عرفنا أن الدينار — ألف دينار — هذه التي هي الدية، واثنا عشر ألف درهم التي هي الدية أيضًا. فلنأتِ الآن لنحسب هذه الدية بعصرنا، كم تساوي؟
أولًا: الذهب: ألف دينار في أربعة جرامات وربع تساوي أربعة كيلوجرامات وربعًا من الذهب عيار واحد وعشرين. جرام الذهب أصبح بمائة جنيه، عيار واحد وعشرين بمائة جنيه، مائة. هذا يساوي أربعمائة وخمسة وعشرين ألف جنيه، أربعمائة وخمسة وعشرين ألف جنيه، أي أننا نقترب من نصف مليون جنيه. ضع ذلك على جنب.
ثانيًا: الفضة: حسنًا، والفضة اثنا عشر ألفًا، اثنا عشر ألف [درهم] في اثنين وتسعة من عشرة تخرج ستة وثلاثين ألفًا [جرامًا]، ستة وثلاثين كيلو فضة. وتقول لي الفضة باثنين ونصف الجرام، إذن فتخرج: اثنان ونصف في ستة وثلاثين فيكون بتسعين؛ ستة وثلاثون وستة وثلاثون اثنان وسبعون وثمانية عشر فيكون تسعين. فيكون هؤلاء تسعين ألفًا.
مقدار الدية بالإبل والمقارنة بين التقديرات الثلاثة واختيار الفتوى في مصر
حسنًا، والإبل قلنا مائة إبل، لا، هذه الإبل الآن تصل قيمتها إلى ثمانمائة ألف جنيه.
حسنًا، نأخذ بأيهم؟ بالاعتبار الآن، مع الأخذ في الاعتبار أنه كان كل هذا متساويًا أيام النبي صلى الله عليه وسلم. نحن نأخذ إذن في عصرنا بماذا؟ لو أخذنا بالأصل [الإبل] فيكون ثمانمائة ألف وما بعدها [الذهب] فيكون نصف مليون، بالتي بعدها [الفضة] يصبح تسعين ألفًا.
فاجتمعنا هكذا وفكرنا وقلنا: سنأخذ بالتسعين ألف. لماذا؟ لكي يصبح الناس قادرين على تنفيذ أحكام الله؛ لأنك أنت عندما تقول له ادفع ثمانمائة [ألف] يقول لك ليس معي، عندما تقول له ادفع نصف مليون ليس معي، تسعين [ألفًا] يعرف أن يجمعها فتصبح مقدورة ونكون نفَّذنا كلام الله.
الفتوى السائرة في مصر باعتماد الفضة في تقدير الدية تيسيرًا على الناس
لكن هذا ما حدث؛ أنه فرَّق السلعة [الإبل] عن الذهب عن الفضة. والاختيار الآن في مصر والفتوى سائرة على الفضة.
والسبب في ذلك أن يستطيع الناس تطبيق شرع الله بسهولة ويسر. في وجهات نظر أخرى مقبول [كالأخذ بالذهب أو الإبل]، لكن هذا [الأخذ بالفضة] هو المعتمد.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
