سورة النساء | حـ 715 | 81 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص آية من سورة النساء تتناول المنافقين وصفاتهم: "ويقولون طاعة فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول".
- •النفاق ظاهرة موجودة في كل زمان ومكان بأشكال متعددة: اجتماعي، وظيفي، ديني، وسياسي.
- •ذكر القرآن للمنافقين يكشف عوارهم ويسلي قلب المؤمن ويحذره من الوقوع في صفة النفاق.
- •المنافقون يظهرون الطاعة والموافقة أمام الناس ويقولون "طاعة" بصيغة الإثبات والتأكيد، لكنهم يبيتون غير ما يقولون.
- •كلمة "برزوا" تدل على مخالفة الأصل، فالبروز يعني الخروج عن المألوف والظهور بشكل مخالف.
- •يجب التحلي بالإنصاف في تحليل الواقع ومعرفة أن الناس ليسوا جميعًا سيئين أو طيبين.
- •تحليل المضمون يتطلب عدم وضع الجميع في سلة واحدة، فمن الناس من يثبت على قوله ومنهم من يخالف ومنهم من يتردد.
- •يجب فهم نفسية المنافقين ودرجاتهم وكيفية التعامل معهم.
مقدمة تلاوة آية سورة النساء عن المنافقين وصفاتهم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81]
طائفة النفاق موجودة في كل زمان ومكان وبأشكال متعددة
طائفة [النفاق] موجودة في كل زمان ومكان؛ النفاق طائفة النفاق: نفاق اجتماعي، نفاق وظيفي، نفاق ديني، نفاق سياسي، نفاق في كل [مجال]. طائفة [النفاق] موجودة في كل مكان وزمان، فأنزل الله فيها القرآن.
حكمة نزول القرآن في المنافقين كشف وتسلية وتحذير للمؤمنين
نزول القرآن في هذه الطائفة [طائفة المنافقين] يحقق عدة أهداف:
أولًا: يكشف عوارها [أي يفضح حقيقتها].
ثانيًا: يسلّي قلبك [أيها المؤمن]؛ ليس غريبًا [وجود هذا الصنف]، فلا تملّ ولا تُحبَط لوجود هذا الصنف، فلا تُصدَم بأنه موجود. أمعقول أن يوجد في البشر هكذا؟
النقطة الثالثة: إياك والنفاق! فعندما يُنبِّه [القرآن] على هذه النقطة فكأنه يأمرك ألا تكون مثله [أي مثل المنافق]، فتبقى أنت واعيًا ومتنبهًا لنفسك ألا تقع في هذه الصفة الذميمة القبيحة.
إذن ربنا عندما يحذرنا ليس فقط ليكشف [عوار المنافقين] أو يسلّي [قلوب المؤمنين]، بل أيضًا يحذر من أن تقع أيها المؤمن فيه [أي في النفاق].
تحليل معنى ويقولون طاعة بين الإثبات والتسويف في اللغة
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ [النساء: 81]
يعني هذه طاعة. ما هي [دلالة قولهم: ويقولون طاعة]؟ يعني سنفعل طاعة. إنما يقولون هذه طاعة، قوم الشيخ هنا يقول: ماذا أمرُنا؟ طاعة. أمرُنا يعني ماذا؟ الأمر في اللغة هو الشأن، يعني شأننا طاعة، يعني هذه طاعة، الحالة التي نحن فيها هذه طاعة.
هل انتبهت؟ طيب، هذه طاعة، يبقى مبتدأ وخبر، وكأنهم يُثبتون ويُثبتون أنفسهم في الطاعة؛ ليس بعد ذلك شيء. لو قالوا: «سنفعل طاعة» يعني ماذا؟ أجّلوها [أي أجّلوا الطاعة] يعني لغدٍ، لكن هم ما أجّلوها.
المنافقون يظهرون المسارعة في الطاعة ثم يخونون بعد الخروج
أحلام سيادتك أوامر! يا سلام، ما تريده، الذي يجري في دماغك هو الذي سيكون الآن، سيكون الآن. كيف هذا؟ لقد كان وانتهى! هذا والله هذه حاجة تُطمئن؛ قوة مسارعة في الخير، يعني انتهى الأمر، أصبح مضمونًا وهو معي، ها هو.
وبعد ذلك يخرج ويقول كلامًا آخر، فيكون هناك خيانة. فيكون فيها ماذا؟ خيانة. ما هي الخيانة ومن أين جاءت؟ جاءت من أنك أنت عندما وجدت التأييد القوي هذا وأنت بشر فستركن إليه وستعتمد عليه، أي أنك ستحسب حسابه معك، فأنت واثق منه تمامًا، فماذا بعد ذلك؟
الإنصاف في الحكم على الناس وعدم وضع الجميع في سلة واحدة
فهذا الرجل [المنافق] يحلف ويُقسم على أنه معك، ويقولون إنه تابع لك.
﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ﴾ [النساء: 81]
فما هذا التعبير؟ ماذا يفعل [القرآن هنا]؟ إنه يحقق الإنصاف ويعلّمك التحليل السياسي، تحليل المضمون. وفي تحليل المضمون يقول لك: احذر أن تضع الجميع في سلة واحدة؛ فإن الذين قالوا طاعة أنواع:
- •منهم نوع سيُبيِّت غير الذي قيل لك.
- •ومنهم نوع سينفّذ.
- •ومنهم نوع آخر سيتردد ويُسوِّف ويرسم خططًا بعيدة المدى، هذا قريبة المدى بالمخالفة وهذا بعيدة المدى، ويفعل شيئًا ويدع أشياء ويخلط بين الحق والباطل والخير والشر.
خاصية الإنصاف في إدراك الواقع والتحذير من تداعي الأفكار
يجب وأنت تدرك الواقع أن تفهم أن أصابعك ليست متشابهة، وتفهم أن الناس ليسوا جميعًا سيئين ولا جميعًا طيبين، وهذا يسمونه الإنصاف.
يجب أن تكون لديك خاصية الإنصاف هذه؛ لأنها تجعلك تدرك الواقع. هناك أناس ليس لديهم خاصية الإنصاف، لديهم خاصية تداعي الأفكار: هذا كان معه وهذا وحش، إذن هذا وحش، وإذا كان هذا وحشًا فهو الذي قال الكلمة الفلانية، وإذا قال الكلمة الفلانية فيستحق العقوبة، فلماذا لا تعاقبونه؟! لينزل به العقاب وهو لم يفعل ولم يقل ولم يعمل؛ لأنه لا يوجد إنصاف.
دلالة كلمة برزوا في الآية على المخالفة الداخلية للمنافقين
﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: 81]
لقد قال: «برزوا من عندك». ما دلالة البروز لديك؟ دلالته أنه مخالف للأصل. عندما نكون سائرين في شارع هكذا ونبني عمائر وعمائر ثم توجد عمارة برزت، يُقال لك: هذا فيه بروز، وأهل الحي يُعاقَبوا على هذا البروز بأنه بروز مخالف؛ لأنها برزت.
فالبروز معناه أيضًا أن هناك شيئًا مخالفًا للأصل، أي أن هناك حاجة مستقيمة وهذه برزت.
اختيار لفظ برزوا دون غيره يكشف نية المخالفة في قلوب المنافقين
﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِندِكَ﴾ [النساء: 81]
لمّا برزوا من عندك، ليس «خرجوا من عندك»، ليس «استقلّوا»، ليس «بانوا»، ليس! لا، بل برزوا من عندك؛ فكأن القلب من داخله يريد أن يخالف.
﴿بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ﴾ [النساء: 81]
سنقعد إذن مع هذه الآية كلمة كلمة؛ لكي نرى النفسية الخاصة بالمنافقين ودرجاتهم وضررهم وكيف نتعامل معهم.
فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
