سورة النساء | حـ 728 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث النص عن قول الله تعالى في سورة النساء "وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً إلا خطأً".
- •الآية تقرر قاعدة أساسية بأنه لا يجوز للمؤمن أن يقتل مؤمناً بأي حال من الأحوال، ويستثنى من ذلك الخطأ.
- •القتل الخطأ هو الحادث غير المقصود الذي يقع دون نية أو إرادة، مثل حوادث السيارات، وهو من القضاء والقدر.
- •الخطأ لا مؤاخذة عليه لأنه بغير قصد أو إرادة، فالمؤاخذة تكون على القصد والإرادة.
- •أكد النبي عليه الصلاة والسلام حرمة دم المسلم بقوله "ما أشد حرمتك عند الله ولدم امرئ مسلم أشد عند الله حرمة منك".
- •من استهان بدماء المسلمين وقتلهم بالعشرات والمئات، فقد ارتكب جرماً عظيماً، وكأنه هدم الكعبة في كل مرة.
- •قتل المسلم يترتب عليه أوزار كثيرة وعظيمة، سواء كان القاتل مسلماً أو غير مسلم.
مقدمة الحلقة وسياق الآيات السابقة عن المسلم في ديار غير المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى بعدما قرّر أن المسلم في أوطان غير المسلمين إذا ما أخطأ وعيّن نفسه أو رشّح نفسه أو قَبِل أن يكون في الجيش المتوجّه منهم لقتال المسلمين، وأن الله سبحانه وتعالى أجاز لنا قتل هذا [المسلم الذي انضمّ لجيش الكفار]، وأنه قد جعل لنا سلطانًا مبينًا على هذه الفئة.
التحذير من جريمة القتل والفرق بين القتل والقتال في سورة النساء
بعدها مباشرة يقول [الله سبحانه وتعالى] وهو يحذّر المؤمنين من ارتكاب جريمة القتل، وهناك فرق بين القتل وبين القتال. يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 92]
بعدها مباشرة، مما يدل على أن أولئك الذين جعل الله لنا عليهم سلطانًا مبينًا من أقوام وأوطان غير أوطان المسلمين كانوا من المسلمين، وأن هذا السلطان المبين الذي جعل الله لنا على أولئك إنما هو استثناء من القاعدة الأصلية أنه:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 92]
شرح القاعدة القرآنية في تحريم قتل المؤمن والاستثناء الذي يؤكدها
أتوقف أنا هكذا على "مؤمنًا"، هو الذي بعدها ماذا؟ "إلا خطأً". لا، أنا لست أريد بعد "إلا خطأً"، ما هي "إلا خطأً"؟ ما هذا؟ انتظر، لكن ما القاعدة هنا؟ القاعدة:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 92]
نعم، هكذا هو خاص بهذا. "إلا خطأً" هذا يؤكد أن المؤمن لا يقتل مؤمنًا.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 92]
فعندما يأتي يقول لك: ما هذا؟ هذا استثناء يؤكد القاعدة. يقولون هكذا في الحواشي: هذا الاستثناء هو الذي يؤكد القاعدة، يعني لا يصح أبدًا أن يقتل مؤمنٌ مؤمنًا.
معنى الخطأ في القرآن وتوضيحه بمفهوم الحادث والقدر
فما هو الخطأ؟ الخطأ قدر، حادثة. يعني ما هو خطأ؟ يعني حادث، يعني ماذا؟ يعني نزل علينا حادر [أي شيء نازل من أعلى]، يعني ماذا؟ حادر يعني من فوق هكذا مثل المنحدر، شيء يعني ماذا؟ شيء قادم.
إذن وقادم ونزل على واحد يمشي في الشارع، فذهب وسكب عليه دلو ماء، دلو يعني ماذا؟ جردل ماء. فينظر إلى الأعلى هكذا ويقول: والله هذا نازل علينا شيء! كيف؟ هذا في اللهجة المصرية هكذا: "نازل علينا شيء"، يعني نازل علينا تغيير الترتيب، من غير إرادة، من غير رغبة.
توضيح مفهوم الحادث بمثال سكب الماء دون قصد وتوافق الأقدار
لا أريد أن تُرمى عليّ مياه الغسيل، فهو يمشي هكذا، هو رُميت عليه مياه الغسيل، فهذا آتٍ نازل. ما هذا؟ حادث.
يعني ما معنى حادث؟ الذي رمى المياه هذا من فوق، يعني قصد سكب الماء عليه؟ لا، لم يقصد عليه حتى ينزل عليه، هو رماها هكذا وأثناء نزولها توافق ماذا؟ في النقطة نفسها أنه آتٍ فيها، فيبقى نازلًا حادث.
معناها خطأ، حادث. حوادث السيارات ما أحدٌ يعني ينوي على أنه يضرب هذا بالسيارة هذا فيبقى قتلًا عمدًا، لكن الحادث هذا خطأ جاء هكذا يعني.
الخطأ قضاء وقدر والإيمان بالقدر من أركان الإيمان الستة
ماذا جاء هكذا يعني؟ قضاء وقدر. في لغة المؤمنين يقولون: ما هو قضاء وقدر، قضاء وقدر يعني بأمر الله، لا يحدث في كونه إلا ما أراد، قدّر الله عليه هذا الحادث.
الآن انتهى، قضاء وقدر، ويجب أن نؤمن بالقدر خيره وشره من أركان الإيمان الستة.
يبقى إذن لا يجوز أن المؤمن يقتل مؤمنًا. فما هو الذي يحدث؟ أن أكون راكبًا السيارة فأصدم شخصًا فيتضح أنه رجل مؤمن، فما هذا إذن؟ هذا حادث، وليس هذا القتل الذي نقول عنه:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: 92]
أي لا يمكن أن ندبّر قتل المؤمن.
حرمة دم المسلم أشد عند الله من حرمة الكعبة المشرفة
والنبي ﷺ ينظر إلى الكعبة ويقول:
قال رسول الله ﷺ: «ما أشدّ حرمتك عند الله، ولدمُ امرئٍ مسلمٍ أشدُّ عند الله حرمةً منك»
فالذين استهانوا بدماء المسلمين يا ويلهم من الله! تخيّل أن يقتلوا المسلمين بالعشرات وبالمئات وكأن دمهم دم الدجاج، بل هو أهون عندهم.
كأنه في كل مرة قتل مسلمًا كأنه هدم الكعبة، لا، أشدّ من هدم الكعبة! ما أشدّ حرمتك عند الله، ولدمُ امرئٍ مسلمٍ أشدُّ عند الله حرمةً منك.
يبقى كمن قتل مسلمًا فله يعني عليه هذه الأوزار الكثيرة الفظيعة العظيمة التي لا نعرف كيف سيفعل بها مع الله، سواء كان هذا القاتل مسلمًا أو غير مسلم فإنه يا ويله من الله في الدنيا وفي الآخرة.
القتل الخطأ استثناء من الأصل ولا مؤاخذة بدون قصد وإرادة
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا﴾ [النساء: 92]
إذن بعد أن تحدّث [الله سبحانه وتعالى] عن عدوان المعتدين وطغيان الطغاة، أغلق الموضوع علينا: لا تظن أن هذا هو الأصل أبدًا، هذا هو الاستثناء.
ومن قتل مؤمنًا خطأً، فالخطأ لا شيء عليه؛ لأنه ليس هناك قصد، ليست هناك إرادة. فكيف تؤاخذني على عدم قصدي وعدم إرادتي؟ فالمؤاخذة تكون على القصد والإرادة، وأنا لا قصد لي ولا إرادة، فكيف يكون ذلك؟
هذه [المسألة] تحتاج إلى شرح، ولذلك نتناولها في الحلقة القادمة إن شاء الله. فإلى لقاء قريب، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
