سورة النساء | حـ 740 | 95 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 740 | 95 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • تتحدث الآية الكريمة عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، مع وعد الله الحسنى للجميع.
  • الدرجة في الآخرة نسبية كما الزمن، وقد حددها النبي ﷺ بمسيرة خمسمائة سنة، وتختلف هذه المسافة حسب السرعة.
  • المشاركة في المجتمع نوع من الجهاد، والذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أحب إلى الله ممن اعتزلهم.
  • الجهاد معنى أوسع من القتال، فهو يشمل القتال والمشاركة في بناء المجتمع والدفاع عن الأوطان.
  • الجهاد الأكبر هو جهاد النفس المستمر، بينما الجهاد الأصغر (القتال) محدود بزمن.
  • الآية تدفع المسلم للمشاركة ترغيباً وليس إلزاماً، وتسلي الدعاة عند ملاقاتهم الأذى.
  • الأجر العظيم للمجاهدين يرتبط بالنيات، فكلما كانت النية خالصة لله كان الأجر أعظم.
  • المسلم يبني لنفسه بيتاً في الجنة كل لحظة من خلال أعماله وصبره ومشاركته.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الحلقة وتلاوة آية الجهاد والقعود من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم اللقاء.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، وعند قوله سبحانه وتعالى:

﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95]

نسبية الدرجات عند الله تعالى ونسبية الزمن في القرآن الكريم

إذا تحدثنا في حلقة ماضية عن الدرجة [أي درجة التفضيل بين المجاهدين والقاعدين] وأنها ليست كشأن درجات الدنيا، وعلى الرغم من ذلك فإنها نسبية حتى عند ربنا سبحانه وتعالى.

فمرة يعبر ربنا أن اليوم عنده كألف سنة مما نحسب ونعد، ومرة يقول أنه يساوي خمسين ألف سنة:

﴿تَعْرُجُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ * فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: 4-5]

كيف يكون اليوم مرة بألف ومرة بخمسين ألف؟ لأن الزمن نسبي كما اكتشفوه أخيرًا مع أينشتاين في النسبية، ورأى أن الزمن نسبي.

اختلاف قياس الزمن باختلاف دوران الأفلاك والكواكب

وأن الزمن الذي قاسوه قديمًا بدوران الأفلاك فإن دورة الأفلاك تختلف من فلك إلى فلك ومن مكان إلى مكان؛ فدورة الأرض ليست كدورة المشتري، ودورة المشتري ليست كعطارد ولا الزهرة ولا غيرها من الكواكب التي هي قريبة منا نطوف جميعًا حول الشمس.

فالدرجة [بين المجاهدين والقاعدين] قد تكون واسعة وقد تكون أقل من ذلك. والنبي صلى الله عليه وسلم حددها بخمسمائة سنة، مسيرة خمسمائة سنة. وما خمسمائة سنة؟ يعني كم هي الخمسمائة سنة؟ أيضًا تختلف ما بين سائر على قدم أو سائر على آلة، أو أنه بسرعة الصوت أو الضوء، أو أنه بإذن الله يقطعها بسرعة هائلة لا يقيسها البشر في حياتهم ولا في خلق الله في كونه.

قدرة الله المطلقة في الخلق بكلمة كن فيكون وأثرها على الزمن

إنما بإذن الله وأمره، إنما يقول للشيء سبحانه وتعالى كن فيكون. والفاء هنا للتعقيب، والتعقيب هنا يأتي ملائمًا وموافقًا وتاليًا من غير زمن للمعقب [أي أن الأمر يتحقق فورًا دون فاصل زمني].

فضل المشاركة في المجتمع على القعود وحديث مخالطة الناس

إذن القاعدون عن المشاركة في المجتمع مع التزامهم بأمر الدين، إلا أنهم أقل درجة عند الله من أولئك الذين يعانون المشاركة [في خدمة المجتمع والدعوة]. إذن فالمشاركة نوع من أنواع الجهاد، والجهاد فيه بذل وفيه تضحية وفيه معاناة وفيه مكابدة.

ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم -بأبي هو وأمي- يقول:

«مَنْ خَالَطَ النَّاسَ وَصَبَرَ عَلَى أَذَاهُمْ أَحَبُّ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنِ اعْتَزَلَ النَّاسَ»

يبقى أنت أمامك أمران: إما أن تعتزل في بيتك وإما أن تشارك. فإذا اعتزلت فهذا جائز، هذا أنت كفيت خيرك شرك.

أفضلية من يشارك ويتحمل الأذى على من يقعد في بيته

حسنًا، وبعد ذلك من الذي أفضل منك يا عزيزي؟ الذي ينزل لكي يتحمل أذى هذا وبلاء هذا، مع الصبر الجميل، مع التبليغ الحسن، مع المشاركة الفعالة.

إذن أنت جالس وهو مجاهد، هذه هي القضية.

اتساع معنى الجهاد ليشمل القتال وبناء المجتمع في السلم

إذا اتسع إذن معنى الآية، فهل يؤثر هذا الاتساع على المعنى المتبادر بالبطلان؟ عندما وسعنا المعنى أصبح ليس من أفراده القتال في سبيل الله أبدًا [أي لم يُلغَ القتال]؛ فما هو القتال إلا مشاركة في الدفاع عن الأوطان، أو في رفع الطغيان، أو في صد العدوان. وفي السلم أيضًا بناء المجتمع مشاركة.

إذا صورة القتال التي لم يُنص عليها [في الآية صراحةً] إنما تبادرت إلى أذهاننا من ربطنا الشديد بكلمة الجهاد في سبيل الله والقتال دائمًا في أذهاننا، في ربط ما بين الجهاد وما بين القتال. ولكن الجهاد معنى أوسع من القتال؛ يشمل القتال ويشمل أيضًا غير القتال.

الفرق بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر وسبب التسمية

رجعنا من الجهاد الأصغر [وهو القتال] إلى الجهاد الأكبر [وهو جهاد النفس]. نعم، يبقى القتال هذا نوع من أنواع الجهاد وليس كل الجهاد، إلا وهو جهاد النفس.

سُمي [القتال] أصغر لا لتافهته أو لقلته، بل لأنه يمضي مدة قليلة شهرًا أو شهرين وتنتهي الحرب. وسُمي [جهاد النفس] أكبر لأنه هو الذي يصاحب كل الناس كل الوقت ويبقى في الزمن.

لكن أهمية القتال مهمة، والدفاع وصون الحرمات وصون حوزة البلاد والعباد مهم. لكن الجهاد الأكبر هو أن تجاهد في الله حق جهاده:

﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]

وعد الله الحسنى للقاعدين والمجاهدين وترغيبه في المشاركة

وهنا بعد أن قرر [الله تعالى] أن للقاعدين وللمجاهدين الحسنى:

﴿وَكُلًّا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [النساء: 95]

إذا هو [القاعد] لا يفعل منكرًا، إنما هو نزع يده من المشاركة. إذا يريد الله سبحانه وتعالى أن يدفعه دفعًا عن طريق الترغيب للمشاركة، وهذا الدفع ليس إلزامًا بقدر ما هو بيان للأفضل دنيا ودينًا.

تسلية الدعاة إلى الله عند تعرضهم للأذى وترغيبهم في الصبر

وهذا يُسلّي الدعاة إلى الله؛ لأن الدعاة إلى الله عندما يلقون الأذى من خلق الله فإنهم قد يملّون، وتحدثهم أنفسهم أن يذهبوا إلى أراضيهم أو بقرهم أو دورهم أو بيوتهم، وأن يمكثوا فيها متمتعين بحلاوة الحياة الدنيا وبزهرة شبابهم وبأهليهم وأولادهم.

ما هذا البلاء ولماذا ولمصلحة من؟ لمصلحتك أنت، لمصلحتك أنت، الذي تبني لنفسك بيتًا في الجنة.

الحكمة في بناء الآخرة والعمل لحياة أبقى وأعلى وأحسن

وهنا تأتي المسألة أنك لا تبحث عن دنيا تصيبها ولا عن راحة تتمتع بها، ولكنك تبحث عن تأسيس في جسرك هذا [أي الحياة الدنيا] الذي تعبر به إلى الآخرة، لحياة أخرى هي الأبقى والأعلى والأحسن.

فمن الحكمة -والعاقل خصم نفسه- أن تبني لنفسك بيتًا في الجنة كل حين أو كل يوم أو كل لحظة.

تفضيل الله المجاهدين أجرًا عظيمًا وارتباط عظمة الأجر بالنيات

وهنا يقول ربنا:

﴿وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 95]

وفتحها أجرًا عظيمًا. وما مقداره؟ مقداره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالنيات:

قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى»

فالنيات في خلوصها ووضوحها في قلب المسلم تختلف؛ فهناك نية خالصة تامة لله وهذا فيها أجر عظيم وفضل عميم، وهناك نية يشوبها شيء من التردد أو من الخوف أو من الكسل أو من شيء من هذا أو من الدنيا، وحينئذ تقل درجة العظمة ويقل هذا الأجر.

وإن كان عظيمًا في نفسه إلا أن العظمة تختلف باختلاف النيات، وإنما الأعمال بالنيات. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.