سورة النساء | حـ 734 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 734 | 92 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

6 دقائق
  • عظّم الله شأن القتل ونبّه على خطورته حتى لو كان خطأً، مؤكداً أن حرمة المؤمن أعظم عند الله من حرمة الكعبة المشرفة.
  • جعل الله الدية والكفارة جزاء القتل الخطأ، وهي تحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة لأهل القتيل إلا أن يتصدقوا ويتنازلوا عنها.
  • إن كان المقتول من قوم عدو وهو مؤمن فتجب تحرير رقبة مؤمنة، وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية لأهله وتحرير رقبة.
  • من لم يجد رقبة مؤمنة فعليه صيام شهرين متتابعين توبة من الله.
  • الكفارات تكفر الذنوب فعلاً إذا وفّق الله العبد لأدائها، وإلا وقع في إثم حقيقي متعلق بإرادته.
  • عندما يحدث القتل الخطأ قد تأتي ثورة الغضب وإرادة الانتقام من البعض، لكن يجب الوقوف عند حدود الله.
  • الله عليم بحال القاتل والمقتول وأهلهما، حكيم في شرعه وتدبيره، والصبر واجب عند المصيبة.
محتويات الفيديو(7 أقسام)

تعظيم الله سبحانه وتعالى لحرمة القتل حتى لو كان خطأً

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يعظم شأن القتل والقتلة وينبه على مدى جرم هذه الجريمة النكراء، حتى ولو تمت على سبيل الحادث والقضاء والقدر والخطأ.

فتعظيمًا لشأنها في قلوب الناس وإدراكًا لمعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتكلم عن أقدس مكان وهو الكعبة المشرفة:

«ما أشدّ حرمتك عند الله، ولدمُ امرئٍ مسلمٍ أشدُّ عند الله حرمةً منك»

فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل الدية والكفارة جزاء القتل الخطأ.

تفصيل أحكام الدية والكفارة في القتل الخطأ من سورة النساء

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًٔا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]

ومن هنا أخذ العلماء أن الصدقة قد تكون للغني؛ لأن القاتل قد يكون غنيًا، إلا أن أهل القتيل لو تنازلوا عن الدية لكان ذلك بمثابة الصدقة التي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار.

﴿فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَـٰقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]

فمن لم يجد هذه الرقبة المؤمنة حسًّا أو شرعًا:

﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 92]

معنى التوبة في القتل الخطأ ووجوب الاستغفار والرجوع إلى الله

وهنا معنى هذا [قوله تعالى: توبةً من الله] أن الله لما قدّر عليّ هذا الحادث، فإنه يجب عليّ أن أستغفر الله سبحانه وتعالى، وأن الله ما وضعني في هذا [الابتلاء] إلا من أجل الاختبار، وإما من أجل أن أتحرك وأن أرجع إليه وأن أتوب وأن أنيب إليه سبحانه وتعالى.

فمعنى هذا أن التوبة هنا ولو كنتُ لم أقصد، ولو كنتُ قد صدر مني هذا خطأً، إلا أن التوبة واردة ولا بد علينا أن نتبرأ من هذا الفعل الفظيع.

فما بالكم بمن يقتل المؤمنين عمدًا ويخرج على أمة النبي المصطفى، بل على البشرية كلها، لا يفرق بين مؤمن وكافر ولا بين تقي وفاجر، بل يقتل الجميع في فوضى لا مثيل لها في تاريخ البشرية.

الكفارات طريق التوبة من الله وأثرها في تكفير الذنوب

توبةً من الله، إذن هذه الأمور [الدية والكفارة والصيام] جعلها الله طريق التوبة. ومن هنا ذهب كثير من العلماء إلى أن الكفارات تكفّر الذنوب فعلًا، وما دام قد وفقك الله إليها وأديت ما عليك فإن الله يتوب عليك.

وإذا لم تفعل ذلك [أداء الكفارة] فقد خالفت حكمة [الله]، وإذا خالفت حكمة [الله] فقد وقعت في إثم حقيقي متعلق بإرادتك ومتعلق بوضعك.

ومن هنا كانت هذه الكلمة التي تصف الكفارة وتصف الدية المسلمة إلى أهله: «توبةً من الله»، يعني هذا هو طريق التوبة.

معنى وصف الله بالعليم الحكيم في سياق أحكام القتل الخطأ

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 92]

كان الله عليمًا بحال القاتل، وكان الله عليمًا بحال المقتول، وكان الله عليمًا بعصبة القاتل وعاقلته وعائلته وأحوالهم المادية، وكان الله عليمًا بأهل المقتول وبأبنائه.

هل يحتاجون أم لا يحتاجون؟ أأغنياء أم يتكففون الناس؟ ما مدى حاجتهم وما مدى تسلية قلوبهم بهذه الدية المسلمة.

الله عليم:

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]

وهو حكيم، فالله سبحانه وتعالى يدبر كونه كما يشاء، والله هو الذي قدّر هذا الحادث وهو الذي جعل أطرافه هؤلاء الناس، إلا أنه رسم لنا تسلية للقلوب وإرشادًا للخلق هذا الطريق المبارك.

خطورة رفض الدية في القتل الخطأ والمطالبة بالانتقام بدلاً من الوقوف عند حدود الله

ولذلك فإنه عندما يحدث القتل الخطأ وتأتي ثورة الغضب وثورة الانتقام عند بعضهم، فإنهم يقولون: لا، نحن لا نقبل الدية ونريد القصاص.

فلمّا نفهّمهم أن في هذه الحالة، ولأن القاتل لم يقتل عمدًا، حتى ولو كان قد ارتكب خطأً، حتى لو كان قد ارتكب تقصيرًا، إلا أنه لم يقصد هذا القتل، فإنهم يرفضون هذا ويريدون محض الانتقام.

هؤلاء إنما سيطر عليهم الغضب والحادث، ولم يكونوا ولم يستطيعوا أن يخرجوا منه وأن يقفوا عند حدود الله، واقفون تحت أمر الله سبحانه وتعالى، يقفون عند توجيهه وأمره ونهيه، لا يفعلون هذا [الانتقام المحرّم].

التحلي بالحكمة والصبر عند الصدمة الأولى كما أوصى النبي صلى الله عليه وسلم

﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 92]

يذكرنا [الله تعالى] بصفة العلم ويذكرنا بصفة الحكمة التي يهبها لعباده والتي ينبغي أن نتحلى بها.

الصبر عند الصدمة الأولى؛ وجد النبي [صلى الله عليه وسلم] امرأة تبكي وتنوح على ميت، فنصحها فلم تقبل نصيحته، ثم عرفت أنه النبي [صلى الله عليه وسلم] فقالت: اصبر يا رسول الله. فقال [صلى الله عليه وسلم]:

«إنما الصبر عند الصدمة الأولى»

وكان الله عليمًا حكيمًا.

وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.