سورة النساء | حـ 739 | 95 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 739 | 95 | تفسير القرآن الكريم | أ.د. علي جمعة

10 دقائق
  • في سورة النساء أسس الله لقواعد الاجتماع البشري الذي يبدأ بالعلاقة بين الرجل والمرأة مكونين الأسرة ثم المجتمع بعلاقاته المختلفة.
  • أراد الله أن يكون لقاء الرجل والمرأة على كلمة الله وسنته، وتُستمد الدلالات من القرآن بطريقتين: سياقية تراعي ما قبل الآية وما بعدها، واستقلالية تعبر بها كل جملة لأنها من عند الله.
  • القرآن معجزة باقية عبر الزمان وكأنه نبي مقيم بعد ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم.
  • في قوله تعالى: "لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله" يتضح أن المجاهدين يشمل المشاركين في القتال وفي بناء المجتمع.
  • القاعدون عن المشاركة من غير عذر لهم درجة وثواب، لكن المجاهدين بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله.
  • الدرجة عند الله ليست كدرجات الدنيا، بل المسافة بين أولها وآخرها كخمسمائة عام.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

افتتاح الدرس والتعريف بسورة النساء وأسس الاجتماع البشري

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه واتبع هداه إلى يوم نلقاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، وفي هذه السورة أسّس الله سبحانه وتعالى لقواعد الاجتماع البشري وفصّلها تفصيلًا، وبيّن أنها في منتهاها مبنية على العلاقة بين الرجل والمرأة، وهما يكوّنان الأسرة.

ثم بعد ذلك يتكوّن المجتمع بكل علاقاته، ويتّسع حتى يشمل العلاقات الدولية وشؤون الحرب والسلام. وكل ذلك من الاجتماع البشري الأول الذي بدأ بين الرجل والمرأة، والذي أراده الله سبحانه وتعالى كونًا وشرعًا أساسًا للمجتمع.

لقاء الرجل والمرأة على كلمة الله وتأسيس المجتمع على سنة الله ورسوله

ولذلك أراد [الله سبحانه وتعالى] أن يكون لقاء الرجل مع المرأة على كلمة الله وباسم الله وعلى سنة الله ورسوله، كما نقول عندما نعقد عقود الزواج.

والله سبحانه وتعالى وهو يؤسّس لنا الأسس التي تُبنى عليها المجتمعات يتحدث بالتفصيل في جوانب كثيرة، ولكن القرآن قد تجاوز الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

الدلالة السياقية والاستقلالية للقرآن الكريم وحفظ الله له

ولكن القرآن وإن أخذنا العبرة منه في سياقه وسباقه ولحاقه وما قبل الآية وما بعدها وفي دلالات ألفاظه، إلا أننا نأخذ أيضًا العبرة في الدلالة الاستقلالية التي تعبّر بها كل جملة؛ لأنها أولًا من عند الله، وثانيًا هي محفوظة بحفظ الله لها:

﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا ٱلذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَـٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

وثالثًا لأنها مصوغة بطريقة دقيقة لم يتدخل البشر فيها، بلغة هي موضوعة من الله سبحانه وتعالى:

﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَـٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]

فاللغة من عند الله:

﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ﴾ [البقرة: 31]

الاستفادة من القرآن في دلالته السياقية والاستقلالية لأنه معجز في ذاته

فإذا كانت هذه اللغة من عند الله، وهذا هو كلام الله، وهذا هو تنزيل الله، وهذا هو حفظ الله، من هنا فإننا نستفيد من القرآن في دلالته السياقية والسباقية واللاحقة، ونستفيد أيضًا في دلالته الاستقلالية؛ لأنه معجز في ذاته.

لأنه تجاوز بإعجازه معجزة الرسول [صلى الله عليه وسلم] التي رآها قومه وآمن كثير منهم بمثلها، وآمن كثير من البشر بمثلها على أيدي أنبيائهم، ولكن هذا القرآن كانت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم الموجودة فيه هي أنه معجزة رسالة تبقى عبر الزمان، وكأنه نبيٌّ مقيم.

ختم النبوة بمحمد ﷺ ودور القرآن في بيان مراد الله للبشرية

لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء، وما دام قد خُتمت به النبوة والرسالة، فإن ذلك يشقّ علينا: من أين نعلم مراد الله؟ ومن أين نكون في رضا الله؟

وهنا يأتي القرآن الكريم ليقوم بهذا [الدور في هداية البشرية بعد ختم النبوة].

تفسير آية عدم استواء القاعدين والمجاهدين في سبيل الله

يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَـٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَـٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ﴾ [النساء: 95]

وظاهر الآية في سياقها وسباقها يتحدث عن أولئك الذين يجاهدون في سبيل الله جهاد قتال، يدفعون عن الأمة أخطار العدوان والطغيان، وبين أولئك الذين لم يشاركوا في هذا الجهاد.

شمول كلمة المجاهدين للقتال والعمل في السلم من أجل عمارة الأرض

ولكن الله سبحانه وتعالى وإن كان هذا هو المقصود الأول الذي لا يُنكر، والذي نستفيده من هذه الآيات، أن الله تعالى عبّر هنا بكلمة المجاهدين، فهو يقول مجاهدون والمجاهدون.

فكلمة المجاهدين كلمة تشمل القتال في سبيل الله، وتشمل أيضًا العمل في السلم من أجل الله سبحانه وتعالى، ومن أجل عمارة الأرض بعبادة الله وبتزكية النفس.

وهنا وبهذا يتضح لنا معنى آخر للآية لا يناقض المعنى الأول بل يُضاف إليه.

الفرق بين من يعتزل المجتمع ومن يشارك في بنائه مع حديث المؤمن القوي

ويكون أن هناك من البشر من لا يساهم في بناء المجتمعات ولا في الحراك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ويختار لنفسه لغناه ماديًّا أو لعدم رغبته نفسيًّا، يختار لنفسه العزلة لا المشاركة، وهو مؤمن وطيب القلب ومنير الصدر وهو ذاكر لله.

ولكن قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ من المؤمنِ الضعيفِ، وفي كلٍّ خيرٌ، احرِصْ على ما ينفعُك واستعِنْ بالله» رواه مسلم

ولذلك فإن القاعدين لهم درجة وثواب عند الله، ولكن المجاهدين في سبيل الله المشاركين في بناء المجتمع بكل الوسائل هم أعظم درجة عند الله.

تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين في حال القتال والسلام

وهذا [التفاضل بين القاعدين والمجاهدين] في حال القتال وحالة السلام. فيقول [الله سبحانه وتعالى] إن هذا القعود عن المشاركة إن كان من غير عذر من مرض وضرر، فإن المجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أو أنفسهم [فقط] أفضل عند الله.

يعني هناك من جاهد بنفسه، وهناك من جاهد بماله، وهناك من جاهد بماله ونفسه معًا.

﴿فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَـٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَـٰعِدِينَ دَرَجَةً﴾ [النساء: 95]

بيان عظمة الدرجة عند الله وأنها ليست كدرجات الدنيا المعهودة

والنبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا عن هذه الدرجة ويبيّن أن الدرجة عند الله ليست كدرجة المنبر، وليست كالدرجة التي بين موظف ومن هو أعلى منه أو أدنى منه في درجات التوظيف، وليست هي درجة من الدرجات الاجتماعية التي تكون بين الفقراء أو المتوسطين أو الأغنياء أو الأثرياء.

لكنها درجة مسيرة ما بين أولها وآخرها خمسمائة عام! تبقى درجة واسعة قليلًا، درجة عظيمة جدًّا. يعني لا بدّ عليك أن تفهم أن الدرجة عند الله ليست هي درجة سُلّم، ولا درجة وظيفة، ولا درجة اجتماعية، ولا درجة هكذا يعني بسيطة، بل إن المسيرة بين أولها وآخرها خمسمائة عام.

نسبية الدرجات عند الله وتفاوتها بحسب السرعة والمعراج النبوي

وحتى هذه الخمسمائة عام أيضًا نسبية، فإن المسافة التي بين أولها وآخرها خمسمائة عام سير على الأقدام غير التي وأنت تركب فرسًا، الفرس أسرع. أما لو ركبت سيارة فيكون أسرع وأسرع، فأما إن سافرت بخمسمائة عام طيرانًا فسيكون أسرع وتكون أوسع.

لكن لو كنت في سرعة الضوء فتبقى أوسع بكثير من الطائرة. فماذا لو كنت بسرعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعرج في معراجه إلى سدرة المنتهى؟ فيجتاز السماوات السبع في دقائق معدودة، دقائق شيء خارق للطبيعة.

فالله قال كن فيكون، وهذا لا علاقة له بالقوانين الحاكمة التي أرادها الله أن تحكم هذا العالم.

خاتمة الدرس وبيان أن الدرجات نسبية ومرجعها إلى النيات

إذن فالدرجات أيضًا حتى هنا نسبية، وكل ذلك يرجع إلى النيات.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.