سورة النساء | حـ 725 | 87-90 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 725 | 87-90 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يؤكد الله تعالى في سورة النساء حقيقة البعث يوم القيامة بعدة مؤكدات منها لام التأكيد والفعل المضارع ونون التوكيد.
  • الله وحده الصادق في وعده، فلا أحد أصدق منه في الحديث وهو القادر على جمع الناس يوم القيامة.
  • مهمة الداعية هي البلاغ والإرشاد فقط، أما خلق الإيمان في القلوب فهو من فعل الله وحده.
  • لا ينبغي للداعية أن ييأس إذا لم يستجب الناس لدعوته، فقد يؤثر كلامه بعد موته في أجيال لاحقة.
  • كلما تمادى الإنسان في المعاصي كلما اسود قلبه وبعد عن الهداية، وكلما كان سريعاً في التوبة كانت فرصة قبولها أقوى.
  • يجب على الداعية التسليم والرضا بأن الهداية بيد الله، فلا يصاب بالإحباط ولا ينسحب.
  • ينبغي احترام حرية الآخرين في اختيار طريقهم، مع الاستمرار في الدعوة إلى الحق.
  • الله لم يجعل للمسلمين سبيلاً على من لم يقاتلهم وألقى إليهم السلم.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آية التوحيد والبعث من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87]

تحليل التأكيدات البلاغية في آية الجمع يوم القيامة

﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾ قرّر [الله سبحانه وتعالى] حقيقةً هي بُنيت عليها الدنيا. ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ بعد تقرير الحقيقة [حقيقة التوحيد] جاء بلام التأكيد، وعبّر بالفعل المضارع، واستعمل نون التوكيد، ثم خاطب الجماعة؛ فتبقى كل هذه مؤكدات: ليجمعنّ.

انظر إلى التأكيد! من هذا الذي سيجمع؟ هل هو عاجز عن الجمع؟ حاشا لله! بل هو أهلٌ لذلك سبحانه وتعالى. فصدّر الحقيقة وذكّرك بها: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ﴾، هذه وحدها — ما هذا! اللهُ لا إله إلا هو — في جلالٍ وعظمة تهيّأت.

آه، مؤكدٌ أنه سيجمعكم يوم القيامة، ثلاثة تأكيدات: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعني لا شك فيه. ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ ما أحدٌ أصدق من الله سبحانه وتعالى. قال: صدق الله العظيم.

تفسير آية المنافقين وبيان أن الهداية بيد الله وحده

﴿فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَـٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 88]

أنتم ما لكم تريدون أن تهدوا الخلق وهذا ليس بأيديكم؟ ما عليكم إلا البلاغ، ما عليكم إلا الإرشاد والدلالة. أما خلقُ الإيمان في القلوب فهو من فعل الله [سبحانه وتعالى].

فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم، يعني خيّبهم، يعني أفشلهم. ربنا حكم عليهم بأن يفشلوا بسبب ما كسبوا؛ ما كسبوا من أعمال السوء وما كسبوا من فعل الشر.

أثر التمادي في المعصية على القلب وأهمية المبادرة بالتوبة

وكلما تجرّأ الإنسان على المعصية وتمادى فيها، كلما اسودّ قلبه وبَعُد عن الهداية، وكلما قلّت فرصة قبول التوبة والرجوع والإياب إلى الله.

وكلما كان الإنسان سريعًا في عودته، مبادرًا للتوبة، فارًّا إلى الله لا من الله، كلما كانت الفرصة له أجدر وأقوى أن يُتقبّل وأن يُقبَل من عند الله سبحانه وتعالى.

توجيه الدعاة إلى التسليم والرضا وعدم اليأس من عدم استجابة الناس

فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا، بسبب ما كسبوا.

﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 88]

هذا يجب على الداعية أن يواجه نفسه به. ما شأنك؟ أتريد أن الشخص الذي حكم الله عليه بالضلال أن تهديه؟ فما أنت تكون ضد الله هكذا، فما أنت لن تقدر، فما أنت ستعاند خلق الله، فاتركه لله إذن.

وهذا يعلّم الدعاة ماذا؟ التسليم والرضا. وعندما يرى [الداعية] أن هذا الشخص غير راضٍ بأن يؤمن أبدًا ولا يهمه، فلا تذهب نفسه عليه حسرات ولا يهتم، فلا يأتيه إحباط ولا تأتيه محاولة لليأس.

لأنه لا فائدة؛ فقد يأتي النبي يوم القيامة وليس معه أحد. فلماذا لم ييأس؟ لأنه يجب أن يبلّغ عن ربه ما أمر بتبليغه.

وجوب عدم يأس الداعية وتسليم الأمر كله لله سبحانه وتعالى

ولذلك يجب على الداعية أن لا ييأس، يجب على الداعية أن يقبل بالتسليم والرضا؛ وذلك لأن الأمر كله بيد الله.

﴿أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ [النساء: 88]

ليس له طريقة، انتهى الأمر. يهدي من يشاء ويضل من يشاء.

وهذا لماذا؟ لكي نتهرب من الأعمال ونلقي اللوم على الله جل جلاله؟ لا، لكي لا نيأس من الدعوة، حتى لا نُصاب بالإحباط من أنه لا فائدة فيما نفعل وندعو. وندعو لكن يوجد فائدة!

ثمرة الدعوة المستمرة وأثر الكلمة الطيبة بعد موت صاحبها

فأنت قد تدعو فلا يستجيب لك أحد، وبعد أن تموت كلامك يؤثر فيمن بعدك. ما هو هذا؟ أنت تدّخره ليوم القيامة! أنت لا تعرفها هذه ولا يمكن أن تعرفها؛ لأن هذا بعد أن تموت، وكلامك بعد أجيال طويلة يؤثر في أحفادك وأحفاد أحفادك، فهذا في ميزان حسناتك هذا يوم القيامة.

ولذلك لا يأس، لا سكوت، لا يوجد إحباط ولا يوجد انسحاب. اعمل ولا توجد نتيجة [ظاهرة]، لا شأن لك بذلك؛ فأنت ستنال ثواب ذلك عند الله.

رغبة المنافقين في كفر المؤمنين والرد عليهم بحرية الاختيار

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَآءً﴾ [النساء: 89]

هذا شعورٌ بأن الذي ليس معنا فهو علينا، وأنتم لستم معنا فتكونون علينا.

نقول لهم: لا يا إخواننا، هناك حرية، هناك طريقٌ يؤدي إلى النار لا مانع أن تسلكوه. هل نحن منعناكم؟ ادخلوا النار براحتكم بمزاجكم! لكن نحن لا نريد أن ندخل النار، نحن نريد أن ندخل الجنة.

لماذا تفرضون علينا طريق النار؟ يا أخي، كما أنني تركتك تسلك طريق النار وتذهب هكذا في طريقٍ سالكة إلى نهايتها، اتركني أنا أيضًا أذهب بالسلامة إلى الجنة. هذا عدلٌ، أو أليس هذا من العدل؟ أنا تركتك ولا تتركني!

حكم من اعتزل القتال وألقى السلم من المنافقين وأحكام المواطنة

هم منهم واسلموا، حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم. لا هم راضون [أن] يقاتلوكم كمسلمين؛ لأنهم يشعرون أنهم منكم، وليسوا قادرين أيضًا أن يتركوا الوطنية الخاصة بهم، هم من بلادهم.

﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَـٰتَلُوكُمْ﴾ [النساء: 90]

فإن اعتزلوكم — اعتذروا، هناك من الجيش وقالوا: نحن لن نشارك في الذهاب، نحن جالسون هنا، نحن وطنيون وكل شيء، ولكن لن نذهب لنقتل الناس.

﴿فَإِن لَّمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 90]

تستطيع إذن أن تأخذ المواطنة وأحكامها وأوضاعها من هذه الآية. وإلى لقاءٍ آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة [الله وبركاته].