سورة النساء | حـ 700| 66-69 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 700| 66-69 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تشير الآية الكريمة في سورة النساء إلى أن الالتزام بمنهج الله فيه خير في الدنيا، وتثبيت في المستقبل، وأجر عظيم يوم القيامة، وهداية إلى الصراط المستقيم.
  • النفوس البشرية تفرح بوعد الآخرة ثم تعود لتفضيل الدنيا العاجلة، متناسية أن السعادة الحقيقية في رضا الله.
  • الهداية إلى الصراط المستقيم نعمة عظيمة لا تقدر بأموال الدنيا، وهي من عند الله وحده "إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".
  • من آثار الهداية التوفيق في الاختيار الصحيح والعمل الصائب في الوقت المناسب.
  • قصة الأخ وأخته توضح الفرق بين من أخرج الدنيا من قلبه فهداه الله وبارك له، ومن تعلق بالدنيا وباع رحمه فلم يهتدِ.
  • التمسك بالقيم الإيمانية والأخلاقية كصلة الرحم والكرم سبب للهداية والتوفيق في الدنيا والآخرة.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

افتتاح الدرس وتلاوة آيات من سورة النساء عن ثمرات الالتزام بمنهج الله

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66-68]

بعد أن تحدثنا أن في التزامنا بمنهج الله سبحانه وتعالى المشتمل على التيسير خيرٌ حاضر، وتثبيتٌ للمستقبل، وأجرٌ في يوم القيامة.

طبيعة النفس البشرية في تفضيل الدنيا العاجلة على نعيم الآخرة

فإننا نرى نفوس الناس دائمًا تفرح بيوم القيامة وما يكون فيه من وعد، ثم ترجع إلى واقع الدنيا فتحب العاجلة على الآخرة.

أي أنه [الله سبحانه وتعالى] يقول لك: سأجعلك سعيدًا في الدنيا، فقلت له: نعم، أهم شيء هذه دنيا. قال: وسأعطيك أجرًا في الآخرة، قلت: يا للعجب! لي الدنيا ولي الآخرة؟ نعم.

ولكن في الدنيا يعني ماذا ستفعل يا الله؟ أنت عدت مرة أخرى [إلى التعلق بالدنيا]، البعيد عن العين بعيد عن القلب، عدت مرة أخرى إلى دنياك. ما أنا أقول لك الدنيا هكذا [أي: هذا حال الإنسان مع الدنيا].

قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف وتبجحه بإنكار الآخرة

وقال [صاحب الجنتين]:

﴿وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: 36]

يعني هو فرح بجنته في سورة الكهف ويقول: على فكرة ما هو [الأمر]، ليس هناك يوم آخر ولا شيء، ولكن على فكرة لو كان هناك [يوم آخر] أيضًا سأدخل الجنة؛ لأن لي حقًا عند الله مكتسبًا، كما أعطاني في الدنيا سيعطيني في الجنة.

تبجحًا يعني، وهو منكر الآخرة. ابن الذين [ينكرون البعث]، ولكن لو ذهبت إلى الآخرة، من غير المعقول إذن فسيعطيني أيضًا. ولكن على فكرة أنا معي الجنة هنا أيضًا، يرجع إلى الدنيا [دائمًا].

رأفة الله بعباده وهدايتهم إلى الصراط المستقيم في الدنيا والآخرة

طيب، نترك أنفسنا لذلك [التعلق بالدنيا] أم أن الله سبحانه وتعالى رؤوف بنا؟ قومٌ هو رؤوف بنا قومٌ.

يقول [الله تعالى]:

﴿وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَـٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 67]

ويرجع مرة أخرى لدنيانا:

﴿وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 68]

إذن الهداية إلى الصراط المستقيم وهي مسألة غير مادية، متعلقة بالمادة [لكنها]، مسألة لا تكون إلا من عند الله.

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: 56]

الهداية لا تُقدَّر بأموال الدنيا، سيهديها لك [الله تعالى].

معنى الهداية الإلهية وأثرها في التوفيق واتخاذ القرارات الصحيحة

هذه الهداية التي لا تُقدَّر بأموال الدنيا، الهداية ماذا تفعل؟ تصبح موفقًا؛ تختار الاختيار الصحيح، تعمل صحيحًا في الوقت الصحيح، فتأتي النتائج صحيحة. يعني هذه هي الهداية من الله هكذا.

واحد يقول لك: أنا لماذا لا يحالفني الحظ؟ كلما دخلت في مشروع فشل، كلما جئت أعمل شيئًا لا ينجح! نعم، إن ربنا لم يهده إلى الصراط المستقيم، هذا ابتلاه لكي يمتحنه، لكي يختبره.

نقول له: فلماذا [تيأس]؟ نقول له: لا تيأس، حاول مرة وثانية وثالثة حتى يرضى الله عنك ويهديك الصراط المستقيم.

قصة الموفق الذي يضع يده في التراب فيصبح ذهبًا وعلم الغيب

والآخر سبحان الله يقول لك: هذا فلان، هذا يضع يده في التراب فيصبح ذهبًا! يشتري قطعة أرض، يُفتح بجانبها الطريق السريع، اشتراها بخمسين قرشًا تبقى بخمسة آلاف، يبيعها بالخمسة آلاف، الطريق السريع يتحول إلى الناحية الأخرى.

يعني:

﴿قُلْ لَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [الأعراف: 188]

وكأنه [هذا الموفق] يعرف شيئًا يعني، وهو لا يعرف شيئًا [بل هي هداية الله وتوفيقه].

قصة الأخ وأخته في تقسيم الميراث بين الأرض البور والفدادين

كان واحد من إخواننا رحمه الله تعالى، مات أبوه وترك له هو وأخته ثمان فدادين، وترك لهم قطعة أرض بور [غير صالحة للزراعة] فدانًا واحدًا.

فقال لها: يا أختي، أنتِ تأخذين قطعة الأرض البور؛ لأن لديكِ طفلين وما إلى ذلك، أما أنا فلديّ ستة وأنا الولد ومصاريفي كثيرة. قالت له: حسنًا، وما المانع يا أخي؟ أنت أخي أيضًا، أنا آخذ قطعة الأرض البور التي لا تساوي شيئًا هذه، وأنت خذ الثمان فدادين هذه.

وهذه ليست قسمة العدل [لكنها رضيت بذلك].

تحول الأرض البور إلى ملايين وندم الأخ على ظلمه لأخته

بعد ثلاث، أربع، خمس، ست سنوات، فُتح الطريق بجانب الأرض البور وأصبحت أرض مبانٍ، وأصبح الفدان بأربعة ملايين! والثمانية فدادين لا تزال كما هي بمائة وستين ألفًا ولا شيء.

قال: لا يا أختي، ما هو طبعًا هذا ظلم، هذا ظلم! أنا آخذ قطعة الأرض البور لأنها بور، وأنتِ خذي الثمانية فدادين، أو نقسم بالعدل: أنا الأرض البور ومعها ثلاثة فدادين ونصف، وأنتِ تأخذين الأربعة فدادين والنصف الباقية؛ لأنهم تسعة.

قال: لا، أنا أيضًا لي الضعف [كونه ذكرًا في الميراث]. قالت له: انظر، هذه أرض أولادي، حسنًا أنا أعطيتها لأولادي، فماذا أفعل؟ ها قد أعطيتك وهكذا.

الهداية الإلهية في قصة الأخت التي أخرجت الدنيا من قلبها ووصلت رحمها

فأين الهداية؟ الهداية أن هذه المرأة أخرجت الدنيا من قلبها ووصلت رحمها وكانت كريمة وكذا، فالله هداها الصراط المستقيم، وفي النهاية أخذت الأربعة ملايين.

وهو [أخوها] تعلق بالدنيا وأدخلها قلبه ولم يُخرجها، وباع رحمه وترك الرعاية والعناية بأخته، لا، بل على الفور اجتذب منها وما إلى ذلك، فبقي كما هو أو تدهور.

نعم:

﴿وَلَهَدَيْنَـٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 68]

وهكذا حال الأمم. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.