سورة النساء | حـ 679 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 679 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • آتى الله آل إبراهيم -ومنهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم- الكتاب والحكمة والملك العظيم.
  • الكتاب هو النص الإلهي، والحكمة هي القدرة على تطبيق النص في الواقع بشكل صحيح.
  • ثلاثة أهداف للنص: الإيمان به، التسليم له، وتنفيذه في الحياة.
  • الصلاة على النبي حقيقتها القولية والفعلية، وهي الرضا بحكم الله ورسوله.
  • العالم الذي يحفظ النصوص دون فهم الواقع قد يفسد أكثر مما يصلح عند التطبيق.
  • أشار القرافي في كتابه إلى خطورة تطبيق النصوص دون فهم الواقع المتغير.
  • قصة سيدنا عيسى مع المرأة التي أرادوا رجمها توضح الحكمة في تطبيق النص.
  • اشترط عيسى على الراجمين أن يكونوا بلا خطيئة، فأحجم الناس جميعاً.
  • عمر بن الخطاب أوقف الحدود في عام الرمادة لعدم توفر شروطها.
  • الحكمة ضرورية لفهم مقاصد الشريعة وتطبيقها بما يصلح الواقع لا يفسده.
محتويات الفيديو(9 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية الحسد من سورة النساء وبيان فضل الله على آل إبراهيم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَـٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 54]

إذا رزق الله سبحانه وتعالى آل إبراهيم وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو من آل إبراهيم، رزقهم الكتاب مرة بالإنزال كما أنزل التوراة والزبور والإنجيل والقرآن، ومرة بالفهم وإدراك الأسرار والحكم والأحكام كما كان شأن الأنبياء.

الفرق بين الكتاب والحكمة وأهمية تطبيق النص على الواقع

والحكمة يبقى رقم واحد الكتاب ورقم اثنان الحكمة. الكتاب هو النص، وهذا النص يأمرنا الله سبحانه وتعالى أن يكون في واقعنا.

والحكمة هي أن يكون لدينا القدرة على كيفية تطبيق ذلك النص على الواقع. قال الله تعالى:

﴿يُؤْتِى ٱلْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ وَمَن يُؤْتَ ٱلْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: 269]

يبقى إذن في نص وهذا النص معنا، أول هدف فيه أن نؤمن به، وثاني هدف أن نسلم له، وثالث هدف أن ننفذه وأن نطبقه في حياتنا.

حقيقة التسليم لحكم الله ورسوله وعلاقته بالصلاة على النبي

حسنًا، آمنا به وصدقنا وسلمنا له، فلم نجد في قلوبنا حرجًا مما يقضي علينا وسلمنا تسليمًا. قال الله تعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

يرفعون أيديهم هكذا: سلمنا، نحن راضون. حتى قال بعض العلماء إن هذا حقيقة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. قال تعالى:

﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَـٰٓئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]

وهنا:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

تبقى الآيتان فلما نأتي لنقارن بينهما، تبقى الصلاة على النبي معناها في الواقع إن ترضى بما حكم الله ورسوله فيك.

الحقيقة القولية والفعلية للصلاة على النبي وضرورة توافق القول مع العمل

فإن الصلاة لها حقيقة قولية ولها حقيقة فعلية. قال الله تعالى:

﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3]

فإنه لا بد أن يتوافق القول مع حقيقة العمل.

إذن فالحكمة هي كيف تطبق ما آمنت به من الكتاب.

خطورة تطبيق النص دون حكمة وفهم للواقع ومقاصد الشريعة

ما نطبقه وانتهينا؟ قال [العلماء] إنك إذا طبقته وانتهى تذهب مقاصده ويختل الأمر، ونصل إلى عكس مقصود الله ومراده من خلقه.

فهل تكون هذه حكمة؟ فلو أنك قد أوتيت الكتاب دون الحكمة لم تكن صالحًا للتطبيق.

وهذه قد نجدها في بعض العلماء الذين حبسوا أنفسهم بين كتبهم وحفظوها وفهموها وأدركوا معانيها، إلا أنهم لم يدركوا الواقع وابتعدوا عنه تمامًا. لما نأتي به ونخرجه من صومعته ومن برجه العاجي الذي عزل نفسه عن الناس فيه، وأراد أن يمسك بيده التطبيق، فإنه يفسد أكثر مما يصلح؛ سيطبق ما في الكتاب في حين أن الواقع ليس كما هو في الكتاب.

ضرورة الجمع بين العلم والحكمة وفهم الواقع وتنبيه الإمام القرافي

فتبقى إذن هذه كبرى وبلية عظمى نعيشها في عصرنا الحاضر، أن من قرأ وفهم يجب أن يضيف إلى ذلك قضية الحكمة التي تؤتى بالخير كله وبالخير الكثير، وذلك بأن يفهم الواقع ومقاصده.

فإذا لم يفعل فإنه يضل أكثر مما يهدي ويفسد أكثر مما يصلح.

وينتبه إلى هذا الإمام القرافي فيذكر في القاعدة السادسة والثلاثين من كتابه [الإحكام] أو في الفائدة في تمييز الفتاوى عن الأحكام، يذكر هذا وينبه العلماء إلى أنهم لا يجب عليهم إلا أن يذهبوا إلى الكتب ثم يطبقونها في واقع مختلف، ويعتبر أن هذا من الضلال المبين.

قصة سيدنا عيسى مع حد الرجم وبيان الحكمة في تطبيق الحدود

ونرى سيدنا عيسى جاء فوجد الرجم في التوراة. الرجم من شريعة الله بإزاء الزنا، إذا يجب أن نسلم له.

هذا التسليم فما فائدته؟ فائدته أن هذه كبيرة من الكبائر، هذه مصيبة من المصائب، هذه قاذورات يجب القضاء عليها، ولكنها تقع. نعم هي تقع، ولكن يجب علينا أن ننكر بشدة.

عندما نقول إن الذي يزني وهو محصن له الرجم، أي إذا كانت هذه تحدث في النفس كبيرة وإنها خطيرة، ولا تحدث استهانة، وماذا يعني؟ لا يحدث شيء! إذا كانت هذه مهمة أن تقول هذه فيها الرجم.

حكمة سيدنا عيسى في اشتراط الطهارة من الخطيئة على الراجمين

طيب، فأتوا بامرأة يريدون أن يرجموها طبقًا للكتاب، لا يوجد خطأ [في النص]، ولكن سيدنا عيسى الذي يعلمنا والذي يوضح لنا هذا الكلام أنه قد أوتي الحكمة، يقول:

«من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر»

يعني إذا كان هناك شروط للراجمين أن يكون نقيًا من الخطيئة. ما هذا الشرط الصعب؟ نحن نريد أن نرجم ونرى دمًا! لا، هذا هو [المقصود]؛ الله فعل ذلك لأنه أراد أن يعرف الناس أن هذه كبيرة وأنها تغضب الله، ليس من أجل أن يعني الدم. هذا الله رؤوف، ابتعدوا عن الفساد.

إيقاف عمر بن الخطاب للحدود عام الرمادة لعدم توفر شروطها

ألا نطبقها؟ بل ليكن فيكم أناس بلا خطيئة، وعندما تصلون إلى هذه الدرجة أحضروا هذه المرأة وارجموها بالحجارة. فأحجم الناس جميعهم لأنه ذكّرهم بالشرط.

هكذا فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما أوقف الحدود في عام الرمادة لعدم توفر شروطها، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.