سورة النساء | حـ 663 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يعلمنا الله في سورة النساء الفكر المستقيم وكيفية الحوار مع الآخرين بإنصاف وعدل، ويحذرنا من مزالق التفكير والتعميم.
- •يرشد الله المؤمنين إلى المقارنة بين الخير والشر وعدم تحريف الكلم عن مواضعه كما فعل بعض أهل الكتاب.
- •يمر التلقي الصحيح للمعلومات بست مراحل: السمع أو الإدراك، الفهم، التصديق (الإيمان)، الحفظ، الاسترجاع، ثم الأداء.
- •يمكن أن يحدث الخلل في أي مرحلة من هذه المراحل، لذا يجب على المسلم التثبت والتأني فيما يسمع ويفهم.
- •نقل القرآن الكريم تم بمنهجية دقيقة عبر السماع المتكرر والحفظ والكتابة والتفسير لتجنب الأخطاء.
- •أهمية الاستجابة بـ "سمعنا وأطعنا" بدلاً من "سمعنا وعصينا" والاستماع للآخر بأدب.
- •ضرورة الحوار المحترم وتجنب التلبيس والإساءة عند الاختلاف، فالاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
- •الرفق في الاختلاف يزين الموقف، وعلى المسلم تجنب الإساءة للمخالف وحفظ لسانه.
مقدمة في تعليم القرآن الكريم للفكر المستقيم وأصول الحوار
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يعلمنا الفكر المستقيم والتفكير القويم، ويعلمنا كيف نتحاور مع العالمين، ويعلمنا الإنصاف والعدل، ويعلمنا سبحانه وتعالى بعض مزالق الحوار والتفكير؛ من التعميم أو من عدم الإنصاف أو من استعمال مصطلحات في غير ما وُضعت له، أو من فكرة الصدام لا الحوار وغير ذلك.
دراسة التاريخ والأمم السابقة والمقارنة بين الخير والشر في القرآن
يوضح لنا ربنا سبحانه وتعالى فكرة دراسة التاريخ ودراسة الأمم من قبلنا والاستفادة منها، ويأمرنا ألا نقع في [أخطائهم]، ويرشدنا إلى الصواب وكيف نقارن بين الخير والشر، وأن نضع هذا أمام ذاك حتى يتبين لنا الفرق بينهما.
يقول تعالى:
﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]
يعني [يحرفون] نصًّا أو تأويله.
﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النساء: 46]
يعني بدلًا من «سمعنا وعصينا» [لو قالوا] «سمعنا وأطعنا» لكان [ذلك خيرًا لهم]، وصلت الفكرة.
مراحل وصول الفكرة من السمع والإدراك إلى الفهم والتصديق
ووصول الفكرة أول الأمر [يكون] على مراحل:
أولها: أن تسمع أو ترى أو تشم أو تتذوق أو تلمس بيدك، فينتقل المعنى إلى عقلك فتكون بذلك قد أدركت. فالسمع هنا عبارة عن وسيلة الإدراك؛ أن صورة الشيء حصلت في الذهن.
بعد ذلك تفهم، فالفهم يلي التلقي.
ثالثًا: تصدّق، وهنا التصديق هو الإيمان، والإيمان هو [كما في قوله تعالى]:
﴿وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَـٰدِقِينَ﴾ [يوسف: 17]
يعني ما أنت بمصدّق لنا أن يوسف أكله الذئب. فيكون التصديق يأتي مباشرة؛ حالما صدّقت فإنك تكون قد آمنت بما سمعت وفهمت.
مراحل الحفظ والاسترجاع والأداء وإمكانية الخلل في كل مرحلة
النقطة الثالثة: الحفظ، تحفظ إذن ما [سمعته وصدّقته]، أنت لما صدّقت يأتي لك الدور الذي بعد ذلك أنك تحفظ الكلام.
النقطة الرابعة: [الاستيعاب].
النقطة خمسة: الاسترجاع، تأتي أنت إذن رأيت واحدًا آخر فتسترجع الكلام من عقلك، من الذاكرة تأتي به من الذاكرة مرة أخرى.
رقم ستة: الأداء، تؤديه إذن وتقول له: والله إن لدي فكرة تبدو هكذا بهذه الأمور في هذه الأمور.
الحقيقة أنه يمكن أن يحدث الخلل في كل مرحلة من المراحل الست.
خطأ السمع وتصحيح السيدة عائشة لرواية تعذيب الميت ببكاء أهله
[من أمثلة الخطأ في السمع ما روته السيدة عائشة رضي الله عنها حين قالت]:
«إنني لا أتهم أبا عبد الرحمن، ولكن السمع يخطئ، ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا قبر رجل يُعذَّب ببكاء أهله عليه»
قال تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]
إنما قال [رسول الله ﷺ]: «هذا قبر رجل يُعذَّب وأهله يبكون عليه». فالسيدة عائشة تصحح السمع، فيبقى السمع [معرّضًا للخطأ]؛ الواحد عندما يسمع ممكن أن يسمع شيئًا خاطئًا.
ولذلك قال [رسول الله ﷺ]:
«كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع»
يجب على الإنسان أن يتأنى ويتثبت وينظر هل الذي سمعه صحيح أم لا.
منهج المسلمين في نقل القرآن الكريم وحفظه من الخطأ في التلقي
وهذا ما منّ الله به على المسلمين في نقل القرآن الكريم؛ فإنهم يسمعونه مرة بعد مرة بعد مرات على المشايخ، جيلًا بعد جيل، ويتأكدون منه ويكتبونه ويحفظونه ويدرسونه ويفسرونه؛ حتى لا يكون هناك خطأ في التلقي.
وبعد ذلك الفهم، وسيدنا علي [رضي الله عنه] يقول:
«إلا هذا القرآن وفهمًا يؤتاه أحدنا في القرآن»
الفهم إذن، وهذا الفهم لا بد أن يكون فهمًا صحيحًا.
التفريق بين الخطأ الناتج عن التقصير والخطأ الناتج عن الاجتهاد
وإن فهمت خطأ فالخطأ هذا [يكون على نوعين]:
- •ناتج عن تقصير وقصور: ستؤاخذ على هذا الخطأ.
- •ناتج عن اجتهاد: ستؤجر عليه.
فإذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجره، وإن أصاب فله أجره.
وبعد ذلك التصديق، هو الذي يجعلك تقول «سمعنا وأطعنا». المرحلة الثالثة [من مراحل الاستجابة] هي قول «سمعنا وأطعنا».
انتشار الإيمان من شخص لآخر وقصة أتباع النجاشي مع النبي
إذا كان الأمر كذلك قطعت وحدك [المراحل السابقة]، فإننا نقف عند الثالثة [وهي التصديق]؛ حفظت واسترجعت وأديت صحيحًا، فإننا أطعنا جماعة الآن.
ما هو [الأمر]؟ شخص إلى شخص إلى شخص إلى شخص حتى يؤمن أتباعه. النجاشي ما هم أتباع النجاشي؟ أتوا للنبي ﷺ مؤمنين، فلما كانوا أكثر من ثمانين أو سبعين شخصًا جاءوا مؤمنين.
لماذا آمنوا؟ لماذا؟ سمعوا ففهموا فصدّقوا فاستوعبوا فانتشر الكلام فيما بينهم، وقالوا:
﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ﴾ [البقرة: 285]
تجنب الاصطدام في الحوار وضرورة الاستماع وحل المشكلات
حسنًا:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ﴾ [النساء: 46]
من فضلك، غير مُسمَع، هذه من فضلك تجنّب الاصطدام. «واسمع» يجب أن يكون هناك حوار؛ عندنا مشاكل، عندنا وضع نريدك أن تحله، عندنا حالة نريدك أن تدرسها، ماذا سنفعل في كذا وماذا سنفعل في كذا؟
آه، قم تكلم معهم وقل لهم وانصحهم وأعطهم. يجب أن يكون حوار، يسمع الله [دعاءنا].
تجنب التلبيس والتدليس في المصطلحات وأدب الاختلاف مع الآخر
إذن هذا نزاع وليس حوارًا.
﴿ٱنظُرْنَا﴾ [البقرة: 104]
كيف نُخلّي المصطلحات من السيئات، فلنتجنب التلبيس والتدليس.
«راعنا» فيها هذا الكلام [المحتمل للإساءة]. هكذا كان يأتي بعضهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: «السام عليك يا محمد، السام عليك»، يعني الهلاك عليك. فتغضب السيدة عائشة وينهاها النبي ﷺ عن الغضب ويقول لها:
قال رسول الله ﷺ: «يا عائشة، إن الرفق ما دخل في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه»
وفي هذا المقام يقول ﷺ: لا، يعني «وعليكم» وانتهى الأمر، وتبقى الكلمة رُدّت لهم.
أدب الاختلاف في الرأي وضرورة الكلمة الحسنة في الاجتماع البشري
«راعنا» أحسنوا الأدب، أدب الاختلاف يبقى [مطلوبًا]؛ عندما أختلف مع الآخر لا أسيء إليه. هكذا:
﴿وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ [النساء: 46]
البشري، ما هذه إلا صورة الاجتماع البشري عندما نكون مختلفين في الرأي. ألا تشتمني؟ قل لي الكلمة الحسنة وأقول لك الكلمة الحسنة، والاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.
لا، هذا الاختلاف في الرأي لا يجب أن نمسك بسببه السكين ونطيل ألسنتنا على بعضنا البعض. لا، خطأ، ليس هكذا.
﴿وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 46]
يا رب سلّم، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
