سورة النساء | حـ 641 | 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •كل حقيقة إيمانية لابد أن يقابلها عمل، فالإيمان دون عمل يقود إلى متاهات الفكر وتمييع السلوك.
- •الله تعالى قرن بين عبادته وبر الوالدين في قوله: "واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا".
- •بر الوالدين هو المكافئ العملي للإيمان، والله قرن بين الشرك وعقوق الوالدين في السبع الموبقات.
- •بر الوالدين عظيم في الطاعة، وعقوقهما عظيم في المعصية، ولذا يرجح في الميزان.
- •إدخال السرور على الوالدين قد يكون أعظم من بعض الطاعات كصلاة الجماعة إذا كان البر سبباً لسعادتهما.
- •لا تجوز طاعة الوالدين في معصية الله كترك الصلاة أو الشرك، لكن تجب مصاحبتهما بالمعروف.
- •نهى الله عن التأفف من الوالدين وهو أدنى مراتب العقوق.
- •الأولويات في الدين واضحة، فبر الوالدين مقدم على أمور مختلف فيها كإطلاق اللحية.
- •الإحسان للوالدين يتجاوز أداء الواجبات إلى إدخال السرور عليهما وبرهما بكل وجه.
مقدمة الدرس وبيان أن الآية تعلمنا أسس الاجتماع البشري
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، وفي آية يعلمنا الله فيها أسس الاجتماع البشري، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
كل حقيقة إيمانية لها مكافئ عملي والاقتصار على الإيمان دون العمل ضلال
كل حقيقة إيمانية لها مكافئ عملي، والنبي صلى الله عليه وسلم ينبهنا إلى أن الاقتصار على الإيمان دون العمل يؤدي بنا إلى متاهات الفكر وإلى تمييع في السلوك وفي الحياة.
فيقول [النبي ﷺ]:
«إن أناسًا قد غرّهم بالله الغرور» - الذي هو الشيطان -
يقولون: نحن نحسن الظن بالله. لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل.
الإيمان لا بد أن يظهر في صورة التزام عملي بالتكليف
إذن ليس هناك شيء اسمه أنا مؤمن، ما هذا [الإيمان بلا عمل]؟ أأنت مؤمن؟ هذا أمر مصدّق بقلبي هكذا وانتهى الأمر؟ فأين إذن الترجمة الصحيحة والمكافئ العملي لهذا الإيمان؟ لا بد أن يظهر في صورة التزام، في صورة التزام بالتكليف.
فتجد الإنسان يصلي، حتى قال [النبي ﷺ]:
«إذا رأيتم الرجل يرتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان»
أي علامة من العلامات [على إيمان المرء] أنه محافظ على صلاته. طيب.
بر الوالدين هو المكافئ العملي للإيمان بالله وتوحيده
العبادة إذن، عبادة الله حتى لا تكون في نطاق التصديق دون العمل، ما المكافئ الذي يجعلها قد انتقلت إلى العمل؟
﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
يبقى بر الوالدين مكافئًا للإيمان، وهذا أكد عليه القرآن وأكدت عليه السنة:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوٓا إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [الإسراء: 23]
ما هذا [الاقتران]؟ هذا اقتران بين الإيمان بالله وتوحيده وعدم الإشراك به وبين بر الوالدين.
اقتران الشرك بالعقوق يؤكد أن بر الوالدين مكافئ عملي للإيمان
فإن بر الوالدين أمر عظيم جدًا. [قال النبي ﷺ]:
«اتقوا السبع الموبقات: الشرك بالله، وعقوق الوالدين...»
فالله سبحانه وتعالى قرن أيضًا بين الشرك وبين العقوق؛ فيمكننا أن نقول ونحن مطمئنون أن بر الوالدين هو المكافئ العملي للإيمان بالله.
نقول ذلك لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى ولأن رسوله نطق، فوحّد بينهما في نسق واحد، وجعل هذه [الطاعة] هي الترجمة العملية لهذه [العقيدة]. يبقى بر الوالدين شيئًا عظيمًا في الطاعة، وعقوق الوالدين شيئًا عظيمًا في المعصية.
بر الوالدين يرجح في الميزان على كثير من الطاعات الأخرى
حسنًا، وعلى ذلك فيا أيها المسلم عندما تمسك بالميزان لتزن بر الوالدين مع أعمال أخرى من الطاعات، فاعلم أن بر الوالدين سيرجح، هو الذي سيطيب كذلك في الميزان من رجحانه وثقله في الميزان عند الله. هذا مكافئ للإيمان.
إدخال السرور على قلب الأم مقدم على صلاة الجماعة عند طلبها
فلما يأتي أحد يقول لي: أمي تقول لي لا تنزل إلى المسجد وصلِّ هنا في البيت، أبرّها أولى أم أنزل للجماعة أولى؟ لا، برّها أولى.
ما هذا يعني يا مولانا؟ أنت تقول لا تذهب إلى الجماعة؟ لا، هذا كذب، هذا الكلام [ليس مقصودي]. هذه الجماعة شيء عظيم جدًا، هذه الجماعة فيها خمس وعشرون درجة بينها وبين صلاة الفذّ [المنفرد]، هذه الجماعة شيء مهم جدًا.
والله ما أنت قلت إذن ما يذهب؟ لا، أنا قلت له: أنت تريد الثواب الثقيل الكبير، فيكون إدخال السرور على قلب أمك أكثر من هذا العظيم المتعاظم الذي هو صلاة الجماعة.
تصحيح الفهم في تقديم بر الأم وعدم الانتقاص من صلاة الجماعة
يبقى نحن الآن يعني انتقصنا من صلاة الجماعة؟ لا، بل نحن صحّحنا فكرك؛ لأن الولد يقول: ماذا؟ لماذا [أبقى]؟ في المسجد [خير]، اهرب منها وتعال. فيغلق غرفته وينزل.
فالمرأة [الأم] تفتح، تُغمى عليها: يا الله! الولد كان هنا، خطفوه أم مات أم ذهب؟ ولا أين؟ ما الحكاية؟ وهو يظن أن إدخال هذا [الحزن] على قلب أمه أو أبيه طبعًا يعني سهل، وأنه هو الآن عمل الأفضل.
لا، مع الحالة هذه وفي هذا الوضع الذي تقول عليه العجيب الغريب هذا، يبقى إدخال السرور على أمك أعظم من صلاة الجماعة. صلِّ في البيت، نعم، لا بأس عليه.
حدود طاعة الوالدين وعدم طاعتهما في معصية الله مع حسن المصاحبة
لو قالت الأم: لا تصلِّ، لا في البيت ولا في الحقل، لا تريدك أن تصلي. لا، شاكرين [لكن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق].
﴿وَإِن جَـٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِى ٱلدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]
احذر أن تذهب إلى الناحية الأخرى وتمسكها لتضربها أو أي شيء، لا!
﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]
أبدًا. "أفّ" هذه كلمة فقط ألف وفاء، يعني شيء بسيط هكذا يقولها الإنسان وهو حتى متضايق ليس له قصد، لكن ولا هذه أيضًا [تجوز]. إذا كانت هذه مسألة كبيرة جدًا؛ عقوق الوالدين في المعصية، ومسألة كبيرة جدًا بر الوالدين في الطاعة.
بر الوالدين أصل من أصول الدين وليس مسألة خلافية كإطلاق اللحية
وهكذا مسألة مختلف فيها مثل إطلاق اللحية: نطلق لحانا أم نحلق لحانا؟ قيل وقيل، قيل إنها فرض وقيل إنه مكروه، مختلف فيه. يعني طيب، وعقوق الوالدين وبر الوالدين مختلف فيه؟ هذا أمر كبير جدًا!
أبوك قال لك: احلق لحيتك، احلق لحيتك. قم، الآخر في المسجد يقول له ماذا؟ يقول له: لا، هؤلاء مشايخ ضلالة، الذي يقول لك هذا لأنه أمرك ضد السنة.
لا، أنا أمرتك بأصل الدين. هذا أصل الدين أن تبرّ أباك وأمك وتدخل عليهما السرور، وليس أصل الدين الانحراف أن تكون منحرفًا. أهذا أصل الدين؟ أنا أعلمك كيف تفكر.
القرآن لم يأمر بإطلاق اللحية لكنه أمر ببر الوالدين صراحة
ولذلك تجد ربنا من أولها [أي سورة النساء] إلى آخرها لم يتكلم عن اللحى، لم يقل في القرآن: يا أيها الذين آمنوا أطلقوا لحاكم، لم يهتم بهذه الحكاية. القرآن الكريم قال:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
ما هذا يا إخواننا؟ نريد أن نفيق من هذا الدجل [أي الخلط في ترتيب الأولويات].
هل إطلاق اللحية دجل؟ أنا قلت ذلك؟ لم أقل. إطلاق اللحية سنة، وهي فرض عند مالك وعند أحمد وعند أبي حنيفة، وليست فرضًا عند الشافعي.
الدعوة إلى فهم أصل الحكاية وأن الإحسان للوالدين ليس مجرد أداء واجب
يعني أنت تدعو الناس والعياذ بالله إلى أن يطلقوا لحاهم؟ ما قلت هكذا. فلنبقَ، ماذا نفهم؟ لنجلس نفهم ونفهم ما هو أصل الحكاية. تريد تفهيمًا، والله سبحانه وتعالى يلقي علينا الصبر كما أنزل البلاء.
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ﴾ [النساء: 36]
انظر الاهتمام، انظر الاهتمام:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
ليس بالوالدين أن تؤدي واجباتهم فحسب، بل أن تحسن إليهما وتبرّهما، وهذا أمر عظيم جدًا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
