سورة النساء | حـ 658 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 658 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يعلمنا الله في سورة النساء الإنصاف والعدل في التعامل مع الآخرين، والتمييز بين الأشخاص وأفعالهم.
  • ينبغي إنكار الشر أينما وُجد بغض النظر عن مصدره، سواء كان من المسلمين أو غيرهم.
  • يحذر القرآن من التعميم بقوله "من الذين هادوا" وليس "اليهود"، مما يؤكد أن النقد موجه لفعل محدد وليس لفئة بأكملها.
  • تحريف الكلم خطأ مرفوض من أي شخص، والقرآن ينكر على المحرفين وليس على اليهود كجماعة.
  • الإسلام يمدح الخير حيثما وُجد، كما فعل النبي مع ابنة حاتم الطائي عندما أكرمها لكرم أبيها.
  • مسألة الجنة والنار بيد الله وحده، وليس للبشر سلطة الحكم عليها.
  • ينبغي الحذر من الوقوع في تحريف الكلم واتباع نهج الإنصاف والدقة في نقل النصوص وتأويلها.
  • العدل يقتضي عدم اختلاط الأمور والتمييز بين النقد الموجه للأفعال والنقد الموجه للأشخاص.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في تعليم الإنصاف والعدل في التعامل مع الخلق من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى وهو يعلمنا الإنصاف، وهو يعلمنا كيف نتعامل مع الخلق، وأن الأمر بيننا وبينهم قضايا لا يتعلق بذواتهم ولا بمعتقداتهم ولا بأحوالهم، بقدر ما يتعلق بإرادتهم الخير أو الشر.

فننكر على الشرير شره، ونؤيد الحق حيثما كان، سواء أصدر ممن اتبع ملتنا أو خالفها.

تعليم الله للإنصاف والعدل كمكون أساسي في العقل المسلم

يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا الإنصاف والعدل، ويجعله مكونًا أساسيًا من العقل المسلم وهو يتعامل مع الأشياء والأشخاص والأحداث والأفكار.

يقول [الله تعالى]:

﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: 46]

يعني لم يقل إن اليهود [جميعهم كذلك]، وهكذا يجب عليك أن تكون واعيًا أن الله سبحانه وتعالى إنما أنكر على الشر حيثما كان، ومن أي فريق صدر. و"مِن" للتبعيض، يعني بعضهم.

قواعد الفكر المستقيم وخطورة التعميم في الحكم على الناس

إذن الله سبحانه وتعالى يبني لنا قواعد الفكر المستقيم، وأن التعميم خطأ. فلا بد لك عند دراسة الواقع ألا تنزلق في مزالق التعميم؛ بأن جميع الناس سيئون، خطأ. كل الناس طيبة، خطأ. هذا خطأ وذاك خطأ.

﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: 46]

ما يأتي أحد فيقول إن القرآن ضد السامية! لماذا؟ لأنه تحدث عن طائفة، تحدث عن موضوع، تحدث عن شيء ناقص مرفوض يجب على كل العقلاء وعلى أصحاب الفكر المستقيم أن ينكروه.

تحريف الكلم عن مواضعه وموقف القرآن من المحرفين لا من اليهود جميعًا

﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]

بحث تاريخي أنثروبولوجي: من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه. فهو ضد الحق، ضد الشفافية، ضد الصدق.

الله سبحانه وتعالى يقول: اتجه يمينًا، وهو يحرفها فيقول: اتجه شمالًا، فذلك خطأ. يحرفون الكلم.

فهل هو ينعى هنا على اليهود أم ينعى على المحرفين؟ إنه ينعى على المحرفين: من اليهود، من النصارى، من البوذيين، من المسلمين، من أي أحد. التحريف خطأ، الكذب خطأ.

الإسلام ينكر الكذب على الكاذبين لا على المسلمين أو غيرهم

قال رسول الله ﷺ حين سُئل: «أيكذب المؤمن يا رسول الله؟ قال: لا»

إذن هل هذا شتم للمسلمين؟ لا، هذا شتم للكاذبين. ليس في المسلمين أحد يكذب؟ يوجد، لكنه يكون كذابًا، لكن الإسلام لم يأمره بالكذب. الإسلام قال له: إياك أن تكذب، الكذب حرام.

إذن نُعين هنا على المسلمين ولا نُعين على الكاذبين؟ نُعين على الكاذبين. انتبه لئلا يستدرج بعضهم هنا فيقول إنكم شتمتم غير المسلمين. لا، لم نشتم غير المسلمين، بل نحن جالسون نمدح العالم كله إذا أقام الحق.

إكرام النبي ﷺ لابنة حاتم الطائي تقديرًا لمكارم أخلاق أبيها

فرسول الله صلى الله عليه وسلم خلع عباءته الشريفة ووضعها لابنة حاتم [الطائي]، وقال لها:

«إن أباكِ كان يحب مكارم الأخلاق»

وحاتم [كان قد] مات. فطمعت الفتاة وقالت له:

يا رسول الله، أهو في الجنة؟ لماذا تمدحه هكذا وتكرمني هكذا؟ قال: هو في النار. هذه حكاية أخرى، وهي أنه كان يفعل ذلك لسمعة يتسمعها.

وما شأني أنا إذن بالنار وفي الجنة؟ هذه التي هي لله وليست لي. لا أُدخل الجنة ولا أُدخل النار. أنا الذي أعرفه أن حاتمًا رجل كريم كان يحب مكارم الأخلاق، وحبه لمكارم الأخلاق محل تقدير يصل إلى أن يخلع العباءة ويستقبل ابنته أحسن استقبال من أجل والدها.

حكاية الجنة والنار تتعلق بالعقيدة والنية وليست بيد البشر

حكاية الجنة والنار هذه تصبح حكاية تتعلق بالعقيدة، بالنية، تتعلق بأمر آخر بينه وبين ربه.

بعض الكتّاب يقولون لكم: أنتم تدخلونهم النار! نحن أدخلنا؟! هو في الأصل عندنا نار حتى ندخله؟ نحن لا أدخلنا جنة ولا أدخلنا نارًا. هذا الذي يُدخل الجنة والنار ربنا، وهذا في يوم القيامة.

والله هناك قوي وقاهر ومالك يوم الدين وملك يوم الدين، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، وفعّال لما يريد. ليس لي تدخل، وأنا ما لي؟!

﴿وَيَعْفُوا عَن كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]

سبحانه وتعالى، ويُدخل من يشاء الجنة ويُدخل من يشاء النار.

لا يدخل أحد الجنة بعمله إلا أن يتغمده الله برحمته

قال رسول الله ﷺ: «لا يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته»

ونحن من نحن؟! نقول لكم إن هذا الطريق المستقيم الذي قاله ربنا، ولا نحرف الكلم عن مواضعه؛ لأنها أمانة.

وربنا بعد ذلك يُدخل كل الناس الجنة، أو يُدخل كل الناس النار، أو يُفني النار هذه تمامًا، فعّال لما يريد. لا يوجد أحد يقول له لا.

فهل تجرؤ أن تقول له لا؟ وما شأنك أنت؟ جئت يوم القيامة وجاء لك بالنار هكذا وأدخل فيها بعض الناس وأخرجهم وأغلق النار وأطفأها، لك دعوة؟ أنت ستقول له لا ساعتها؟ والله ولن تعرف أن تتكلم!

معنى الظلم وأن تصرف الله في خلقه ليس ظلمًا لأنهم ملكه

﴿فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَـٰلِغَةُ﴾ [الأنعام: 149]

وأنا ما لي؟ أصلها ليس ملكي.

قالوا: ما الظلم؟ قال: التصرف في ملك الغير. التصرف في ملك الغير، ونحن ملكه، فالتصرف فينا ليس ظلمًا.

فماذا إذن؟ ماذا نريد؟ نرجو رحمته ونخشى عذابه، هذا الذي نريده.

التحذير من تحريف الكلم والتأكيد على أهمية كلمة مِن في الإنصاف

﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: 46]

انظر إلى الكلام، انظر إلى الإنصاف، انظر إلى العدل. احذر أن تغفل عن كلمة "مِن" وإلا ستختلط الأمور كلها.

﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]

فهذه علة فعلها الذين هادوا، هذا تاريخ. هل نحن لنا أن نعمل مثلهم؟ احذروا أن يكون هذا! ما هو هذا؟ مرض، هذا انحراف.

يجب علينا أن نوقن وأن نصمم بعدم الوقوع فيه، فلا نحرف الكلم عن مواضعه لا نصًّا ولا تأويلًا.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.