سورة النساء | حـ 670 | 51 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير قوله تعالى: "ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت" يوضح أن عبارة "ألم تر" تعني: أخبرني، انظر، تعال لترى، وتفيد التعجب والاستغراب.
- •الهدف من هذا الأسلوب هو طلب النصرة واعتبار الكلام من المسلمات التي لا تحتاج إلى نقاش أو جدال.
- •الفرق بين "الذين أوتوا الكتاب" و"أهل الكتاب" أن الأولين لديهم معرفة بالكتاب، بينما الآخرون قد يكون لديهم معرفة وقد لا يكون.
- •المسلمون أيضاً من الذين أوتوا الكتاب، فالخطاب القرآني يشملهم ليحذرهم من الوقوع فيما وقع فيه غيرهم.
- •من عرف نصيباً من الكتاب ولو صفحة واحدة يجب عليه الإيمان بالله والكفر بالطاغوت.
- •الطاغوت هو كل ما سوى الله تعالى نعظمه تعظيم الله.
- •من قرأ أي جزء من كتاب الله ينبغي أن يؤمن بالله ويفرده بالعبادة والطاعة.
مقدمة تلاوة آية سورة النساء عن الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَـٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: 51]
معنى تعبير ألم تر في اللغة العربية وأنه يفيد التعجب والاستنكار
وقلنا مرارًا أنه «ألم تر» يعني أخبرني، قولي أنت إذن، معناها كذلك. «ألم تر» تركيب في اللغة العربية معناه أخبرني عن.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 51]
أخبرني أنت إذن، وما هدف السؤال؟ «ألم تر» هذا يسأل، فما هدف السؤال؟ التعجب والاستغراب؛ أن يحثك أن تكون معنا في هذه القضية، أن يجعلك ضد هؤلاء الذين صدر الكلام عنهم.
بالله عليك قل لنا إذن ماذا نفعل في هؤلاء الناس، معناه ذلك بلغة العصر: أحضرنا أنت، ماذا نقول لهؤلاء؟ هكذا «ألم تر، ألم تر» يعني تعال انظر ما هذه الحكاية.
هدف أسلوب ألم تر هو التسليم بالأمر لا النصرة والجدال
فما هدفه إذن؟ هدفه النصرة؟ لا، هدفه أن نعتبر هذا الكلام من المسلّمات؛ أي أنا وأنت بطبيعة الحال، هل من المعقول أن تخالفني؟ ليس من المعقول أن تخالفني.
إذن فهو ليس محلًّا للنقاش ولا للجدال، وإنما هو أمر يسلّم به جميع العقلاء. إذن عندما تجد «ألم تر» مباشرة فكأنه ينبّهك إلى شيء ينبغي ألّا يحدث حوله خلاف وأن يكون محل اتفاق بين الناس.
الفرق بين الذين أوتوا الكتاب وأهل الكتاب في القرآن الكريم
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّـٰغُوتِ﴾ [النساء: 51]
شيء في غاية العجب، أناس أوتوا [الكتاب]. ما الفرق بين «الذين أوتوا الكتاب» وبين «أهل الكتاب»؟
أهل الكتاب انتسبوا إلى الكتاب من أي طريق؛ عرفوه أم لم يعرفوه، انتسبوا إليه عن قناعة أو عن عدم قناعة، أو عن ميراث أو عن حق، من أي طريق.
إنما «الذين أوتوا» إذن: أولًا وصل إليهم الكتاب، ثانيًا بصورة لافتة للنظر، ثالثًا استطاعوا أن يعرفوه وأن يفهموه، هذا معنى «الذين أوتوا الكتاب».
الفرق بين أوتوا الكتاب وأهل الكتاب من حيث المعرفة والعلم
أو نصيبًا من الكتاب أو أي شيء. ما الفرق بين «الذين أوتوا الكتاب» و«أهل الكتاب»؟ ما الفرق؟
الذين أوتوا الكتاب لديهم معرفة، أما أهل الكتاب فقد يكون لديهم معرفة وقد لا يكون معهم معرفة، هذه واحدة.
ثانيًا: الذين أوتوا [الكتاب]، هؤلاء نحن منهم كمسلمين أم لا؟ نحن منهم، ما [الدليل]؟ نحن أوتينا الكتاب، نحن أيضًا.
المسلمون مخاطبون بآيات أهل الكتاب ولا يجوز لهم إخراج أنفسهم من الخطاب
فعندما تجد «أهل الكتاب» و «الذين أوتوا الكتاب» و «الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب» لا تُخرج نفسك منهم؛ فأنت أيضًا هكذا، لأن معك كتابًا هو خاتم الكتب، ومعك كتاب هو خاتم عهد الله للبشرية، ليس في العهد الجديد والعهد القديم، هذا العهد الأخير.
إذا أنت من أهل الكتاب فلا تفعل مثلما فعل الآخرون، فلا تفصل نفسك عن الخطاب، أنت جزء لا يتجزأ منه. ليس أن يكون ثلاثة أرباع القرآن يتحدث عن غيرنا ونحن لا شأن لنا به، لا! هذا يتحدث معنا نحن أيضًا؛ حتى لا نقع فيما قد يكونوا قد وقعوا فيه.
وجوب الامتثال لما أنكره الله على الأمم السابقة من خيانة وتفريط
بإنصاف وبعدل وبإنكار على ما يُنكَر؛ أنكر الله على الناس الخيانة، وأنكر عليهم عدم الأمانة، وأنكر عليهم التفريط، وأنكر عليهم أشياء كثيرة.
كذلك يجب علينا أن نمتثل لهذا؛ فنكون أمناء صرحاء صادقين وهكذا، يجب علينا أن نكون كذلك.
من أوتي نصيبًا ولو صفحة واحدة من الكتاب وجب عليه الكفر بالطاغوت
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 51]
فهؤلاء عرفوا بعض الكتاب، فهل معرفة بعض الكتاب تقتضي الكفر بالطاغوت؟ قال: نعم! هذا الذي يقرأ صفحة واحدة من الكتاب يجب عليه أن يكفر بالطاغوت.
أي صفحة؟! أي صفحة! افتح القرآن هكذا واقرأ أي صفحة، أي صفحة يجب عليك أن توحّد الله.
أول صفحة تقول ماذا؟!
﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ﴾ [الفاتحة: 1-4]
ماذا هذا؟! لقد أوتيت هذه الصفحة، لم تقرأ بعد ذلك، قال: يجب أن تؤمن بالله.
الصفحة الثانية من القرآن تدعو إلى الإيمان بالغيب وتوحيد الله
والصفحة الثانية التي أمامها تقول ماذا:
﴿ذَٰلِكَ ٱلْكِتَـٰبُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ * ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱلْغَيْبِ﴾ [البقرة: 2-3]
ما هذا؟ هذا يقول شيئًا؛ أي إذا أوتيت نصيبًا من الكتاب ولو صفحة واحدة فلا بد عليك أن تكون مؤمنًا بالله.
دلالة كلمة نصيبًا على أن أي جزء من الكتاب يوجب الإيمان والكفر بالطاغوت
فهل «ألم تر إلى الذين أوتوا الكتاب» أم «ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب»؟ لا، هو هنا «نصيبًا من الكتاب»؛ يعني أي جزء منه لو أوتيته وفهمته مباشرة لا تستطيع إلا أن تؤمن بالله.
لا! هذا [المذكور في الآية] آمن بالجبت والطاغوت، بالصنم وبمن هو دون الله. طاغوت هذه كلمة معناها كل ما سوى الله سبحانه وتعالى نعظّمه تعظيم الله.
ما هذا؟! هذا مخالف لأي جزء وأي كلمة من الكتاب الذي نزل على الرسل؛ فلا بد علينا أن نؤمن بالله وأن نفرده بالعبادة والطاعة سبحانه جلّ جلال الله.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
