سورة النساء | حـ 656 | 44 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •التيمم شرعه الله تخفيفاً عن العباد عند فقد الماء، كما ورد في سورة النساء، وختم الآية بقوله "إن الله كان عفواً غفوراً" لبيان أن هذا من رحمته بخلقه وتيسيره عليهم.
- •عبارة "ألم تر" في القرآن تعني "أخبرني" و"قل لي" وليست استفهاماً حقيقياً، بل دعوة للتأمل والاستنكار.
- •الذين "أوتوا نصيباً من الكتاب" لا تقتصر على أهل الكتاب السابقين، بل تشمل المسلمين أيضاً.
- •ينبغي للمسلم أن يبدأ بنفسه قبل انتقاد غيره، فقد ينعى الله علينا ما ننعى على غيرنا.
- •النصيب من الكتاب يعني إما معرفة بعض الكتاب أو معرفة جانب من جوانبه.
- •من خصائص القرآن أنه يُحفَظ كاملاً من قِبَل العرب وغير العرب، وأنه يؤثر في السامع حتى لو لم يفهم معناه.
- •رغم ترجمة القرآن إلى مئات اللغات، لم يُحفظ بغير العربية كما يُحفظ بها، وهذا من إعجازه.
التيمم تخفيف من الله تعالى عند فقد الماء في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَوْ لَـٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43]
يعني إن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم.
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43]
يبقى إذن هدف التيمم هو التخفيف من التكليف، ومن هنا كان جديرًا أن يذكّرنا الله سبحانه وتعالى بالعفو والغفران.
معنى اسم الله العفوّ الغفور وصور التخفيف عند فقد الماء
﴿إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: 43]
عفوّ صيغة مبالغة، يعني كثير العفو، وكان غفورًا؛ لأنه كان في صور كثيرة متصوّرة عند فقد الماء:
- •منها أن يُلزمنا بوجوده [أي بوجود الماء]، طيب وبعد ذلك فماذا نعمل؟ ينالنا المشقة والحرج.
- •ومنها أن يُراكم علينا الصلاة حتى نجد الماء.
لكن هذا لو فقدنا الماء، كما قال رسول الله ﷺ:
«عشر سنين ولم نجد إلا الصعيد الطيب وتيمّمنا فصلّينا، لا نعيد الصلاة»
انتهى؛ لأنه هكذا من عفو ربنا ومن لطيف شرعه.
معنى ألم تر في القرآن الكريم وأنها تعني أخبرني لا المشاهدة بالعين
يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَـٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا ٱلسَّبِيلَ﴾ [النساء: 44]
فعندما يأتي قلنا «أرأيت»، «ألم تر» معناها أخبرني، معناها هكذا. «ألم تر» هذا التركيب هو هكذا، وليس «ألم تشاهد بعينيك»، لا.
قل لي أنت إذن بهذا الشكل، قل لي أنت إذن، ها أنت حاضر وقل لي أنت إذن عن هؤلاء الناس فقط، ما هذا؟
«ألم تر» «ألم تر» هذا تعبير بعضه هكذا، معناه أخبرني.
تأكيد أن ألم تر وأرأيت في القرآن تعني طلب الإخبار لا السؤال عن الرؤية
﴿أَرَءَيْتَ ٱلَّذِى يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ﴾ [الماعون: 1]
هذا هو، لا يسأله، لا يقول له يعني: هل رأيت أم لم تره؟ لو كان «هل رأيت أم لم تره» لكان يقول له: لا والله يا ربي لم أره، لم أرَ.
لا، هذا هو يأمره أن يُخبره بهذا. «أرأيت الذي يكذب بالدين»، أرأيت هذا؟ قل لي ما رأيك أنت.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 44]
حسنًا، وعندما أقول لك أنت هكذا، حسنًا ها أنت حاضر معنا وقل لي في هذه الحكاية، ما معناها؟ أنني أدفعك ضد هذا النوع [من الناس].
دلالة ألم تر على استهجان الفعل واستنكاره وكأنك في فريق واحد ضده
آتي بك معي ضده [أي ضد هذا الصنف من الناس]، قل لي أنت إذن ماذا نفعل في هؤلاء الناس؟ الله! هذا «قل لي أنت إذن» يعني كأنه ماذا؟ مُسلَّمة، كأنك أنت معي يعني في مركب واحد، في فريق واحد ضده، استهجان لهذا الفعل.
من هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب؟ الثقافة السائدة عندنا الآن أنه أول ما يقول لي كذلك «الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب» قوم، مُخّنا يذهب لغير المسلمين.
الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب تشمل المسلمين أيضًا وليس فقط أهل الكتاب
أوتوا نصيبًا من الكتاب، فماذا يكون إذن الذين أوتوا الكتب من قبلنا؟ يعني الله! طيب، ونحن ألم نُؤتَ كتابًا؟ أهكذا نحن ماسكينه هكذا؟
طيب، ربنا ينعى على من يُؤتى كتابًا أن يؤمن ببعضه وأن يكفر ببعضه، أن يأخذ شيئًا وأن يترك شيئًا:
﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَـٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: 85]
فيبقى إذن هذا يأمرنا نحن أيضًا هكذا، على حدّ ماذا؟ أترى القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك؟ وعلى حدّ «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول».
وجوب البدء بإصلاح النفس قبل النظر إلى عيوب الأمم الأخرى
أنت تذهب بعيدًا، لماذا لا تبدأ بنفسك؟ فأول ما نسمع الكتاب ينبغي إن علينا أن نبدأ بأنفسنا قبل أن نرى العيوب التي وقع فيها أصحاب الملل الأخرى وأتباع الأنبياء والسابقون في الأمم السابقة.
فلننظر إلى أنفسنا لعلنا نكون كذلك [أي واقعين في نفس الخطأ].
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 44]
كان ينبغي ماذا؟ عندما تُؤتى نصيبًا من الكتاب، فما معنى هذا النصيب؟ أي جانب؛ إما أن تعرف بعض الكتاب، وإما أن تعرف جانبًا من جوانب الكتاب.
تنوع صور إيتاء نصيب من الكتاب بين الحفظ والتعلم والفهم
تجد واحدًا حفظ القرآن، تجد واحدًا تعلّم القرآن، تجد واحدًا لديه عربية فيفهم القرآن، وكل هذا أوتي نصيبًا من الكتاب.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [النساء: 44]
فأنا عندما أكون عربيًا واستمع إلى الكتاب وأفهمه، فأنا أخذت نصيبًا منه هكذا، غير الذي لا يفهمونه لأن لغته ليست عربية. فهذا يستمع إلى الكتاب ويخشع وربما يبكي، وهناك أناس كثيرون هكذا.
من خصائص القرآن الكريم أنه يُبكي غير العربي ويحفظه الصغير والكبير
ومن خصائص القرآن أنه إذا قرأه غير العربي بكى، ومن خصائص الكتاب أنه يحفظه الكبير والصغير، ومن خصائص الكتاب أنه يحفظه العربي وغير العربي حتى ولو لم يعلم معناه.
وليس هناك كتاب في البشرية أبدًا كهذه الهيئة. من خصائص الكتاب أن أممًا كثيرة في أعصار متتالية في أماكن كثيرة ملأوا الأرض، حفظوه كله عن ظهر قلب.
الفرق بين حفظ القرآن كاملًا وحفظ الكتب الأخرى كالفيدا عند الهنود
الفيدا عند إخواننا الهنود مقسّمونها، وكل عائلة تحفظ قسمًا، ولكن لا يوجد أحد يحفظها كلها، ذلك لم يحدث. وإنما العيلة الفلانية تبقى حافظة ما هو القسم الأول، والعيلة الفلانية تبقى موروثة فيها كذلك هو القسم الثاني، وهكذا.
وإنما أحد حفظ كله؟ لا، ما يوجد إلا القرآن، هذا هو.
القرآن تُرجم إلى لغات كثيرة لكن لا أحد يحفظ ترجمته بل يحفظه بالعربية
والغريب العجيب في حكاية «نصيبًا من الكتاب» هذه شيء غريب جدًا: أناس يترجمون معاني القرآن إلى لغات أخرى، تُرجم إلى مائة واثنتين وثلاثين لغة، وتُرجم إلى اللغة الإنجليزية مائتين وستة وسبعين مرة.
لم يحفظ أحد يا أخي الأشياء المترجمة أبدًا! لم يحفظ أحد القرآن بالفرنسية، وتجده يا أخي حافظًا للقرآن نفسه بالعربية وهو مترجم [أي وهو الذي ترجمه]! هو الذي ترجمه وحفظه ولا يستطيع أن يحفظ ما قاله بالفرنسية.
فماذا بعد ذلك؟ سنقول ماذا إذن؟ هذا كتاب معجز يا عمّ، من عند الله.
خاتمة الدرس والتوديع بالسلام والدعاء
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
