سورة النساء | حـ 642 | 36 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الآية العظيمة في سورة النساء أوضحت أسس الاجتماع البشري السليم الذي تنشأ منه الحضارة ويستقر فيه الإنسان.
- •دعت الآية لعبادة الله وحده وعدم الإشراك به، ثم الإحسان للوالدين، ورعاية ذوي القربى.
- •الأسرة هي النواة الأساسية للمجتمع، تبدأ بالوالدين ثم الإخوة ثم بقية الأقارب من الأعمام والأخوال وأبنائهم.
- •تيارات ما بعد الحداثة التي تدعو لتفكيك الأسرة وإزالة السلطات تصنع إنساناً مضطرباً قلقاً تائهاً.
- •يجب إنشاء أسر بديلة لليتامى الذين فقدوا أسرهم، فهذه من أولويات التكافل الاجتماعي.
- •توفير الرعاية الاجتماعية للمساكين والفقراء والعاجزين واجب أساسي.
- •يجب القضاء على حزام الجوع والفقر والعجز من خلال تدريب الناس على العمل.
- •تحمل ضعفاء المجتمع ورعايتهم مسؤولية الجميع.
- •تقوية العلاقات البينية في المجتمع من أسس الاجتماع البشري.
- •القرآن معجز يحتوي على علوم كثيرة تصلح لكل زمان ومكان.
مقدمة في آية سورة النساء وأسس الاجتماع البشري السليم
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، ومع هذه الآية العظيمة التي أوضح الله لنا فيها وبيّن أسس الاجتماع البشري السليم الذي يدوم، والذي تنشأ منه الحضارة، والذي يستقر فيه الإنسان، والذي يشعر فيه الإنسان بالسعادة وبالمودة وبدفء الاجتماع البشري وبالحب، والذي فيه عناصر القوة.
يقول ربنا:
﴿وَٱعْبُدُوا ٱللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْـًٔا﴾ [النساء: 36]
ثم بعد ذلك يبيّن موضعك في الأسرة:
﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
يبقى بنو آدم في أسرة، فأين كبار الأسرة؟ أبي وأمي. يبقى: وبالوالدين إحسانًا.
نظام القرابة في الإسلام من الأسرة إلى ذوي القربى
وبعد ذلك بقية الأسرة، فأين أخي وأختي؟ وبعد ذلك خارج الأسرة: عمي وعمتي وخالي وخالتي وابن خالي وابن خالتي وبنت خالي وبنت عمي.
﴿وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 36]
هذا يعني أنه [الله سبحانه وتعالى] يقول لي: انتبه للأسرة، إذن أقرّ الأسرة. وذوو القربى يعني أقرّ نظام القرابة؛ فلا اجتماع بشري إلا بالأسرة، ولا اجتماع بشري إلا بنظام القرابة.
الرد على تيارات ما بعد الحداثة الداعية إلى تفكيك الأسرة
فعندما تأتي إلينا تيارات ما بعد الحداثة وهي تدعو إلى تفكيك الأسرة حتى يبدع الإنسان، نقول له: لا، هذا أنت هكذا ستصنع إنسانًا مضطربًا، إنسانًا تائهًا، إنسانًا قلقًا.
قال: نعم أنا أريد الإنسان القلق، هذا هو، لماذا؟ قال: لكي يبدع. حسنًا وبعد ذلك؟ قال: كلما أزلنا السلطة من عليه كلما أبدع.
فيريدون إزالة سلطة الأب والأم، ثم سلطة القرابة، ثم سلطة الدولة، ثم سلطة اللغة، ثم سلطة الثقافة، وكذلك نحن أزلنا منذ زمن سلطة الدين.
نظام الأسرة فطرة إلهية حتى الحيوانات والحشرات تعرفها
فماذا؟ الإنسان هكذا هذا يصبح أم لا؟ تحدث الحيوانات! هذا الحيوانات تعرف أقاربهم. هذا الأسد يعني أيضًا لديه الزوجة والأولاد والأحفاد أيضًا يحدث.
فماذا ما هذا النظام؟ هذا نظام ضد خلق الله؛ خلقهم الله. يعني هذه الحشرات تعرف قريبها يا رجل، أليس كذلك؟ فاستحيوا إذن!
قال لكم: لا، أنتم متخلفون. طيب، على كل حال، ما هو يوجد أناس يسقط معهم التفاهم.
مبدأ موعدنا يوم القيامة أساس للتعايش وتوسيع الصدر
فنقول لهم ماذا؟ موعدنا يوم القيامة. وكلمة موعدنا يوم القيامة هذه، هل هي هروب؟ قال: لا، هذا تسلية وصبر حتى لا تصطدم معه؛ ما هو تفعل له إيه؟ هذا لما هو غير راضٍ أن يفهم.
قم يحدث شعور كذلك بأن أنا أريد أن أصطدم معه، قال لك: احذر، ما هو هذا خلقه، ما هو ممكن أن يتوب يومًا آخر. هذا بني آدم، ربنا والله يحبه لأنه من صنع الرب.
فماذا نفعل به؟ نقول له: فلنتقابل يوم القيامة. هذا الأمر يوسّع الصدر ويتيح له فرصة للتفكير والعودة والرجوع وما إلى ذلك.
فقضية موعدنا يوم القيامة هذه أساس من أسس الاجتماع البشري والتعايش وعدم اعتداء بعضنا على بعض.
الرد على من يتهم المؤمن بالخرافة ببساطة الحقائق الكونية
وهو أمر ممكن، كما يثور عليّ ويقول: والله أنت مؤمن بالخرافات! لا، لست مؤمنًا بالخرافات، هذا أن عقليتي علمية رقم واحد.
ويقول لي: إذن ما هي الحكاية؟ الحكاية أنني رجل منطقي مع نفسي واضح. والحكاية أننا في النهار ها هو، فنحن في النهار، نحن في الليل فنحن في الليل. والله هذه الحقيقة بسيطة جدًّا؛ فالأرض أرض والسماء سماء والشمس شمس.
والكلام طويل، أي ليس هناك شيء معقد، فالحكاية بسيطة تمامًا، بديهيات.
الإحسان بالوالدين وذوي القربى ثم إنشاء أسرة بديلة لليتامى
أي:
﴿وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰنًا﴾ [النساء: 36]
يبقى مستوى الأسرة وابتداءً من الوالدين، وركّز عليهما لأهميتهما.
﴿وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 36]
الأقارب. وبعد ذلك ندخل في التكاليف الاجتماعية، والتكاليف الاجتماعية أولها أن ننشئ أسرة بديلة لمن فقد أسرته.
الأسرة مهمة جدًّا إلى هذا الحد، حتى أن اليتيم الذي ليس له أسرة يكون أول شيء نفعله هو أن ننشئ له أسرة، التي يسمونها الآن الأسرة البديلة.
قال:
﴿وَٱلْيَتَـٰمَىٰ﴾ [النساء: 36]
انظر كيف: الوالدان يعني الأسرة، ثم ذوو القربى [أي] العائلة، وبعد ذلك من ليس له عائلة تعمل له [أسرة بديلة].
تقوية الأسر ورعاية المساكين والقضاء على الفقر والعجز
واليتامى، انتهينا من اليتامى. قال: لا بد أن تتقوى الأسر؛ لأن هذه الأسرة وحدة المجتمع فلا بد أن نقوّيها.
والأسرة محتاجة وليس معها أموال ومتعبة، والمساكين يجب أن تكون لهم الرعاية الاجتماعية والأمن الاجتماعي، ونقوم بالرعاية الاجتماعية والأمن الاجتماعي.
كيف نبتكر له نظمًا؟ يجب أن نقضي على حزام الجوع، ثم نقضي على حزام الفقر، ثم نقضي على حزام العجز وعدم الكفاءة، وندرّب الناس ونجعلهم يعملون.
لكن هناك أناس عاجزون فعلًا لا يحسنون شيئًا، إذن يجب أن يأكل ويشرب ويجب أن نحمله. يعني ماذا؟ ليس أن نحمله ونلقي به؛ فهناك فلسفات كهذه أن نحمله ونلقي به. لا، بل نحمله يعني نتحمّله فيما بيننا، هكذا هو.
تقوية العلاقات البينية بين الأسر وإعجاز القرآن في علوم الاجتماع
﴿وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ﴾ [النساء: 36]
نريد الآن بعد أن قوّينا داخل الأسرة وداخل العائلة، وجعلنا أسرًا بديلة وأسرًا قوية، [ننتقل إلى] العلاقات البينية.
وأتينا هكذا في حلقة أخرى أنه كيف يأمرنا الله بتقوية النقاط ثم يلفتنا إلى العلاقات البينية.
هو محمد ﷺ كان يعرف كل هذا صلى الله عليه وسلم؟ هذا من عند الله! هذا يحتوي على علوم كثيرة، وإنه هو معجز أيضًا إلى يوم الدين.
والحمد لله الذي جعلنا مسلمين، وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
