سورة النساء | حـ 659 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 659 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يُعلمنا الله في سورة النساء كيفية قراءة التاريخ بطريقة واعية لفهم الأسباب والنتائج والعلاقات.
  • ذكر القرآن أن بعض اليهود يحرفون الكلم عن مواضعه، وللتحريف أنواع كثيرة كالتقديم والتأخير والحذف والإضافة والتلاوة على غير وجهها.
  • اهتم المسلمون بضبط القرآن وتواتره من فم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضُبط على عشرة أوجه تسمى القراءات العشر.
  • برز الشيخ عامر بن عثمان شيخ المقارئ المصرية كأعلم علماء القراءات وعلوم القرآن على وجه الأرض.
  • أوضح الشيخ لدارس اللسانيات مفهوم النبر في القراءات وكيفية الضغط على الحروف لإخراج الكلام بشكل صحيح.
  • قدم الشيخ أمثلة عملية للتخليص بين الحروف مثل "أفل" و"يعظكم" و"فسقى لهما" للتفريق بين المعاني.
  • كان المسلمون أهل علم دقيق في ضبط النطق والحفاظ على الحروف دون تحريف.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في تعليم القرآن قراءة التاريخ قراءة واعية ودارسة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا الاستفادة مما حدث في التاريخ لصالح المستقبل، يعلمنا قراءة التاريخ قراءة واعية دارسة تضع أيدينا على العلل والأسباب، تضع أيدينا على النتائج، تضع أيدينا على العلاقات، تضع أيدينا على العوالم المختلفة والأصناف المختلفة، تعلمنا بذلك التفكير المستقيم.

الإنصاف في الحكم على اليهود وبيان تحريفهم للكلم عن مواضعه

فيقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يعلمنا الإنصاف:

﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46]

يعني بعضهم؛ لأن كلمة "مِن" مما تعني التبعيض. يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب، يكون هذا تحريفًا للنص.

نصٌّ يتحدث عن نبي الإسلام فتتحول كلمة الإسلام هذه إلى "سلام"، وبعد ذلك إلى شيء آخر، وبعد ذلك إما أن يُنقَص أو يُزاد أو يحدث شيء من هذا القبيل فيحرفونه.

أنواع التحريف وحرص المسلمين على ضبط القرآن بالقراءات العشر

التحريف له أنواع كثيرة: التقديم والتأخير، والحذف والإضافة، والتلاوة على غير وجهها.

ولذلك كان المسلمون حريصين ألا يقعوا في أي شيء من هذه الأشياء، لا في زيادة ولا في نقصان، ولا في تقديم ولا في تأخير، إلا إذا كان متواترًا من فم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فضُبط القرآن على عشرة أوجه يسمونها القراءات العشر، واهتم كل إمام بقراءته حتى في التلاوة، فوصل إلينا القرآن غضًّا طريًّا منضبطًا حتى في الأداء.

الشيخ عامر بن عثمان شيخ المقارئ المصرية وعلمه بالقراءات وعلوم القرآن

وكان الشيخ عامر بن عثمان شيخ المقارئ المصرية، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، رأى الناس قد ابتعدوا عن تجويد القرآن، حتى أن بعض المشايخ بل بعض كبار المشايخ كان لا يُجوِّد، يقرأ القرآن هكذا؛ هو يحفظه ويقرؤه لكن من غير تجويد.

وجلس الشيخ عامر في تواضع نادر لا يكون إلا من أولياء الله ومن أهل الله، كان يسكن في السيدة [حي السيدة زينب بالقاهرة] في شقة متواضعة غاية في التواضع. وهو لمن عرفه كان ينبغي أن يكون من رجالات مصر الذين تُكتب عنهم المؤلفات؛ لأنه كان أعلم من على وجه الأرض بالقراءات وبعلوم القرآن، أعلم من على وجه الأرض.

قصة دارس اللسانيات مع الشيخ عامر وبيان معنى التخليص في القراءة

جاء إلى الشيخ عامر واحدٌ من دارسي اللسانيات فقال له: إن لدينا في اللسانيات شيئًا يُسمى "الإسترس" [Stress]، فما هذا الضغط؟ هذا الضغط يعني يترجمونه بالعربية أيضًا في علم اللسانيات باسم النَّبْر، فما هذا؟

والشيخ [عامر] عالمٌ في القراءات، فالنبر هذا يعني الهمزة: النبيّ والنبيء، النبيّون والنبيئون، نَبْر. ماذا قال له؟ يعني ضغط "الإسترس" بالإنجليزية يعني الضغط الخاص بالفم على الكلمة.

قال له: آه، أنت تقصد التخليص، تقصد التخليص. قال له: التخليص هذا ماذا إذن؟ قال له: التخليص هذا هو عندنا في القراءة معناه الضغط على أين من الحرف حتى يخرج الكلام صحيحًا، أو الأداء صحيحًا وليس الكلام فقط.

مثال كلمة أفَلَ وأَفَلَ وبيان أثر التخليص في تغيير المعنى

مثل ماذا؟ قال له مثلًا: "أَفَلَ" "أَفَّلَ"، هل تسمع شيئين مختلفين؟ نعم نسمع شيئين مختلفين. "أَفَلَ" "أَفَّلَ".

"أَفَلَ" إذن من الأفول؛ شيء كان ظاهرًا واختفى. أ - ف - ل، انظر كيف خلَّص بعضها من بعض، ولذلك سماه ماذا؟ التخليص. خلَّص الهمزة من الفاء، خلَّص الفاء من [اللام].

لا، ما منعهم من أن يدخلوا في بعضهم البعض؛ لأنه عندما يدخلون في بعضهم البعض يُتعبونك، عندما تدخل فقرات ظهرك في بعضها البعض فيقوم الطبيب بعلاجك ويُجري لك عملية وتؤلمك هذه الفقرات. "أَفَلَ" هذا يُغيِّر المعنى.

مثال كلمة يعظكم والفرق بين أداء القراءة الصحيح والخاطئ

"يَعِظُكُم" "يَعْظُكُم"، أنت تسمع شيئًا مختلفًا. قال: نعم. "يَعِظُكُم" "يَعْظُكُم".

إخواننا الشاميون يقولونها هكذا: "يَعْظُكُم" في القراءة، يقول لك: لا، هي "يَعِظُكُم". ما الخلاف بينهم في الحروف؟ لا شيء. في الشكل؟ لا شيء. إذن أين الخلاف؟ إنك أعطيت مساحة لكل حرف.

"يَعِظُكُم" "يَعْظُكُم"، "يَعِظُكُم" قد خطفتها هكذا. "فَسَقَى لَهُمَا" "فَسَقَى لَهُمَا"، هذا معنى قبيح جدًّا. فعندما تقول "يَعْظُكُم" يراجعك ويقول لك: لا، قل "يَعِظُكُم" وليس "يَعْظُكُم".

ماذا أقول إذن؟ "يَعِيظُكُم"؟ إنها نفس الشيء. لا، ليست هي، هذا الصوت مختلف.

مثال فسقى لهما وأهمية التخليص في التفريق بين السقاية والفسق

الفاء هي من أصل الكلمة: "فَسَقَ لَهُمَا" "فَسَقَى لَهُمَا"، أم هي "فَ سَقَى" من السقاية؟ هي من السقاية. يبقى إذن ليست من الفسق.

إذن تقول هكذا: "فَسَقَى لَهُمَا" وليس "فَسَقَ لَهُمَا".

مثال من جاور السعيد يسعد وأثر مجاورة الحروف المفخمة على اللام

وكان [الشيخ عامر] أحيانًا ماذا يقول لك؟ "من جاور السعيد يسعد". كيف "من جاور السعيد يسعد"؟ ماذا يعني يا مولانا؟ يقول لك: يعني عندما يكون جيراننا، كانوا قديمًا يعني يطبخون فيأتون بالطبيخ لنا أيضًا، والله لم يعد هذا الكلام موجودًا الآن، ولا طبخ ولا خلافه.

طيب، فيقول:

﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: 36]

وكان الشيخ [عامر] يقرؤها لنا واحدة هكذا: "أَضْلَلْنَ" وليس "أَضَلَّلْنَ". ما هو أصل [المسألة]؟ الضاد مفخمة فتأتي من جوار السين يسعد فاللام تتفخم، لكن نحن لا نريد أن نفخمها، فيكون: نعم "أَضْ" لا "أَضّ" لا، يا سيدي قلها وانتهى الأمر.

المسلمون كانوا أهل العلم وضبطوا القرآن حرفًا حرفًا دون تحريف

المسلمون لم يكونوا أهل علم فحسب، بل كانوا أهل العلم. لم يكونوا يقولون "انتهى الأمر" لا، هؤلاء نطقوها حرفًا [حرفًا]، لم نحرف الكلام عن مواضعه.

والحمد لله رب العالمين، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام.