سورة النساء | حـ 678 | 54 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح القرآن في قوله تعالى "أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" طبيعة النفس البشرية من خلال قاعدة أساسية تتفرع منها العلاقات الإنسانية.
- •يمثل الأنبياء الذين ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة للبشرية، وعلاقتهم بأقوامهم منارة للدعاة إلى يوم الدين.
- •تبقى العلاقة بين المبلغين لرسالات الله والمدعوين نموذجاً للإصلاح المجتمعي ومكافحة الفساد.
- •في قوله تعالى "فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة" يتضح استعمال الفاء للتفريع عن القاعدة الكلية.
- •دخول "قد" على الفعل الماضي تفيد التحقيق غالباً، بينما مع المضارع تفيد التقليل.
- •الإيتاء في الآية أوسع معنى من الإنزال، فهو يشمل إنزال الكتب وفهم معانيها والدعوة إليها.
- •ذُكر "الكتاب" بصيغة المفرد وليس "الكتب" لأنه صادر من مصدر واحد وإن تعددت أشكال إنزاله.
مقدمة تدبر آية الحسد في سورة النساء ومنهج البحث فيها
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]
وهي عبارة تكشف عن نفس الإنسان وما فيها، والبحث فيها يكون بالتدرج للوصول إلى الأصول، ثم التدرج لتفريع الفروع على تلك القاعدة الأساسية، ثم بناء أسس للاجتماع البشري بناءً على هذه الخصائص النفسية التي نبّه الله إليها المؤمنين الذين يريدون أن يتخذوا من القرآن هدىً لهم.
فرع العلاقة بين الناس والأنبياء المختومين بمحمد صلى الله عليه وسلم
ثم بعد ذلك جاء بفرعٍ على هذه القاعدة، وهو فرع العلاقة التي بين الناس وبين الأنبياء الذين خُتموا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
والأنبياء وإن خُتموا بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم، إلا أنهم هم القدوة الحسنة في حياتهم لمن بعدهم. وهذه القدوة الحسنة مطلوبة لنا وإلى يوم الدين، أن نتخذ منها الهداية:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
العلاقة بين الأقوام وأنبيائهم منارة للدعاة إلى يوم الدين
وأيضًا هذه العلاقة بين الأقوام وبين أنبيائهم تدل على العلاقة بين الذين يبلّغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدًا إلا الله، وبين المخاطبين بالدعوة من الأقوام.
فستظل هذه العلاقة منارةً تضيء للدعاة الذين يريدون أن يغيّروا ما في المجتمعات من فساد، فيأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله، ويسعون في الأرض بالخير والقضاء على الشر والفساد.
ستظل هذه العلاقة بين الأقوام وبين الأنبياء يُحتاج إليها إلى يوم الدين، وهي متفرعة من هذه القاعدة الأساسية التي تشمل هذا الفرع وهذه الصورة وغيرها من الصور وغيرها من الفروع.
دلالة الفاء على التفريع وبيان القاعدة الكلية وصورها الجزئية
فيقول [الله تعالى]: الفاء للتفريع، فإذن سيُفرِّع. إذن "فقد آتينا" ففهمنا إذن أنه يُفرِّع. إذن هذا فرعٌ، إذن يشير إلى أن ما مضى كان قاعدة كلية يندرج تحتها صور.
أجل، يعلّمنا التفكير المستقيم؛ فيكون كأنه هنا عرّف لنا القاعدة بأنها أمرٌ كلي يندرج تحته صور، يندرج تحته جزئيات كما يقول المناطقة.
قاعدة نحوية: دلالة قد مع الماضي للتحقيق ومع المضارع للتقليل غالبًا
وعندما يقول "آتينا" [بصيغة الماضي]، فإن "قد" في الماضي تفيد التحقيق، وإذا كان مضارعًا يفيد التقليل. قاعدة هي كذلك، إنما هم [العلماء] يضعون القواعد وكانوا أكثر دقة وعلمية.
فيقول لك: ماذا؟ غالبًا تكون "قد" إذا دخلت على الماضي تفيد التحقيق، وإن دخلت على المضارع تفيد التقليل غالبًا. لا تنسَ "غالبًا" هذه؛ إن لم تذكرها يكون معنى ذلك أن جميع الحالات كذلك.
ويأتي لك فيقول لك: "قد يعلم الله" فتكون "قد" هذه للتقليل إذن؟ لا، هذه للتحقيق.
أهمية كلمة غالبًا في القواعد وضرورة القراءة بالقطارة لا بالكمية
حسنًا، لماذا هو في "غالبًا"؟ أنت نسيتها وأنا أفعل لك ماذا؟ ما أنت لا تذاكر جيدًا! في "غالبًا" يبقى كل كلمة لها غرض ومعنى وفائدة.
لكن اعتدنا أن نقرأ بالكمية ولا نقرأ بالقطارة. يجب أن تقرأ العلم بالقطارة وليس بالكمية.
معنى آل إبراهيم وإيجاز التعبير القرآني المعجز في ذكرهم
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَـٰبَ﴾ [النساء: 54]
آل إبراهيم: إيجاز فيه إعجاز. آل إبراهيم إيجاز فيه إعجاز.
ما الإعجاز في ذلك؟ آل إبراهيم هؤلاء من هم؟ هو أبو الأنبياء؛ من نسله موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، من نسله أيوب وسليمان وداود، من نسله إسحاق وإسماعيل ويعقوب ويوسف. يبقى آل إبراهيم أنبياء.
الفرق بين الإيتاء والإنزال وسعة دلالة الإيتاء في القرآن
ولكن يقول [الله تعالى]: "فقد آتينا" ولم يقل "فقد أنزلنا الكتاب على آل إبراهيم"، وإنما يقول "فقد آتينا".
والإيتاء قد يكون إنزالًا كما أنزل التوراة والزبور والإنجيل والقرآن على أبناء إبراهيم، وقد يكون بمعرفة المعاني والأحكام التي في هذه الكتب والدعوة إليها؛ فإن الإيتاء أوسع من الإنزال.
دلالة لفظ الكتاب بالمفرد على وحدة المصدر الإلهي وتعدد الإنزال
فقد آتينا آل إبراهيم، فإذا كان آل إبراهيم قد اجتمعوا ووعوا، و"آتينا" ناسبت هذا الجمع وهذا الوعي، فإن الكتاب إذن - أي الكتب جميعها - والكتاب هذا عبارة عن اسم جنس لهذا النوع.
ولماذا لم يقل "الكتب" بل قال "الكتاب"؟ لأنه صدر من مصدر واحد فكان واحدًا. هذه ترجمة لما عند الله؛ يكون إذا الكتاب وكأنه واحد، وأن تعدّد الإنزال وتعددت الأحوال.
والحكمة [في ذلك نتناولها] هذه المرة القادمة؛ لأن هذه الحكمة موضوع كبير. فإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
