سورة النساء | حـ 696 | 65 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 696 | 65 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تؤكد الآية الكريمة "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم" أن الطريق إلى الله مرتبط بالنبي صلى الله عليه وسلم.
  • تعبر الآية عن معنى الشهادتين اللتين تمثلان الركن الأول من أركان الإسلام الخمسة.
  • شهادة أن لا إله إلا الله إقرار بوحدانيته، وشهادة أن محمداً رسول الله تأكيد لطريق الوصول إلى الله.
  • أقسم الله بنفسه على أن الإيمان لا يتحقق إلا بتحكيم النبي فيما يختلف فيه الناس.
  • تتضمن الآية ثلاث مراحل: التحاكم إلى النبي في حياته وإلى سنته بعد وفاته، ثم الرضا بحكمه، ثم التسليم له تسليماً كاملاً.
  • حفظ الله سنة نبيه ووفق المسلمين لعلوم متنوعة لتوثيق النص النبوي كعلوم القراءات والتفسير والفقه والحديث.
  • الرضا يكون فيما قد حدث، أما التسليم فيكون فيما لم يحدث بعد.
  • الأمة الإسلامية أمة عالمة وفقها الله للعلم وأقامت حضارة انتشرت في المشارق والمغارب.
محتويات الفيديو(11 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية التحاكم إلى النبي من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

الآية تؤكد أن باب الوصول إلى الله هو النبي المصطفى وحده

في هذه الآية يؤكد الله سبحانه وتعالى أن كل باب إليه مغلق سوى باب المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم. وهذه الآية تترجم عن معنى الشهادتين، والشهادتان هما أول ركن من أركان الإسلام؛ بُني الإسلام على خمسة أركان: على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.

أما شهادة أن لا إله إلا الله فهي الإقرار بوحدانيته سبحانه؛ لا رب سواه، ولا خالق إلا إياه، ولا يرزق العباد ولا يحييهم ولا يميتهم إلا رب العالمين سبحانه وتعالى.

لا يُقبل إيمان إلا بالإيمان برسول الله والشهادة له بالرسالة

ثم بعد ذلك نشهد أن محمدًا رسول الله، ولذلك لا يكون إيمان ولا يُقبل إيمان إلا ممن قَبِل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا بالإيمان به.

﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَـٰمُ﴾ [آل عمران: 19]

﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ والمُقسِم هو الله الذي أقسم، هو الله، ولكن مراعاةً للمخاطبين؛ لأن القسم إذا ورد في كلام العربي يعني التأكيد.

القسم الإلهي يخاطب من يظن إمكانية الوصول إلى الله بغير طريق الرسول

ومعنى هذا [القسم الإلهي] أنه يخاطب من لا يعتقد هذه العقيدة ويرى أنه من الممكن أن نصل إلى الله عن غير طريق رسول الله، الذي أقامه الله سبحانه وتعالى حجةً على العالمين وبابًا لرب العالمين، لا يُوصَل إلى الله سواه.

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]

أبدًا لا بد من أن نرجع إليه لنحكّمه صلى الله عليه وسلم فيما شجر بيننا.

الأمر بطاعة الله والرسول ورد التنازع إليهما في القرآن الكريم

وهو [الله سبحانه وتعالى] الذي يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النساء: 59]

فهذا [الأمر بالطاعة والتحاكم] عندما قرره ووسّعه وتكلم فيه، ختمه بقوله:

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: 65]

النبي حكم فينا وتركنا على المحجة البيضاء بأحكام الدين الواضحة

حكّمناه [صلى الله عليه وسلم] وقضى فينا القضاء؛ لأنه تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وضّح لنا أحكام الدين، وما الذي يُرضي الله عنا، وما الذي يُغضبه علينا والعياذ بالله، وتركنا فلم يُقصّر في شيء من التبليغ.

فحكم بيننا، فما الذي يكون بعد ذلك؟ إذا ما قد حكم بيننا فلا بد علينا من الرضا بحكمه وقبوله.

﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]

مراحل التحاكم إلى النبي حيًا وإلى سنته بعد انتقاله مع حفظ الله للسنة

فأول شيء التحاكم إليه [صلى الله عليه وسلم]، ثم بعد ذلك وبعد أن انتقل [إلى الرفيق الأعلى] نتحاكم إلى سنته. وحفظ الله علينا سنته، ووفّق المسلمين بعلوم متكاثرة لتوثيق النص النبوي الشريف.

فأمرنا أنه:

﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا﴾ [الحشر: 7]

وأمرنا أن نطيع الله وأن نطيع الرسول، وأمرنا أن نتحاكم إلى الله وأن نتحاكم إلى الرسول، وأن نرد ذلك إلى الله ورسوله. ومكّننا من ذلك؛ فلم يأمرنا بأمر لا نستطيع أن نصل إليه، بل أمرنا بأمر نستطيع أن نصل إليه.

توفيق الله للمسلمين بعلوم متكاثرة لحفظ الدين وإقامة حضارة عالمة

ووفّق [الله] المسلمين لتلك العلوم المتكاثرة: لعلوم القراءات، وعلوم التفسير، وعلوم الأصول، وعلوم الفقه، وعلوم الحديث؛ علوم متكاثرة من الجرح والتعديل، والدراية والرواية، والضبط واللغة.

وإقامتهم أمة عالمة تتعلم وتسعى إلى العلم. بدأ كلامه معهم:

﴿ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ﴾ [العلق: 1]

بدأ كلامه معهم فأرشدهم إلى العلم وأهله:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [النحل: 43]

وأمرهم بالتخصص في العلم:

﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِى ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوٓا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 122]

تفضيل العلماء في القرآن وتوفيق الأمة لإقامة حضارة ملأت المشارق والمغارب

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِى ٱلَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]

﴿إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَـٰٓؤُا﴾ [فاطر: 28]

في آيات كثيرة تبيّن أن هذه أمة عالمة، ووفّقها الله فعلًا للعلم، فأقامت حضارة ملأت بالخير المشارق والمغارب.

وبعد ذلك لا بد لنا بعد التحاكم إليه [صلى الله عليه وسلم] حيًّا، وإلى سنته بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، أن نرضى بحكمه فينا ولا نجد في أنفسنا حرجًا.

الفرق بين الرضا والتسليم وأن التسليم أعلى مرتبة من الرضا

ثم بعد ذلك، بعد التحاكم والرضا، نُسلّم له تسليمًا. والتسليم يفوق الرضا.

ودائمًا نقول: نريد أن نرضى بقضاء الله وأن نسلّم له. الرضا يكون لأمر قد حلّ بنا، أما التسليم فيكون لما لم يحلّ بنا بعد.

يعني انظر كيف أنني تحاكمت إليه [صلى الله عليه وسلم] فحكم عليّ وقضى، فرضيت أم لم أرضَ؟ هذه المرة فقط! ولكن أنا أقول له: كلمتك عليّ يا كبيرنا أبدًا للقاء، وليس اليوم فقط، ولكن أنا سآتيك غدًا لتحكم فيّ وتقضي عليّ فأُنفّذ كما نفّذت. ليس هذه المرة فقط، الذي تريده سنفعله.

حقيقة التسليم تعني انعدام التبرم والقبول المطلق لما سيأتي من أحكام

ماذا يعني هذا [التسليم]؟ سيكون ما لا يوجد تبرّم. الرضا يكون عندما يحلّ [الأمر]، والتسليم يكون عندما لم يأتِ بعد. لست أنا راضيًا فحسب، بل أنا راضٍ ومسلّم.

وهذا هو معنى الصلاة والسلام على النبي المصطفى والحبيب المجتبى.

وإلى لقاء آخر نتحدث فيه عن معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.