سورة النساء | حـ 694 | 64 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تقرر الآية الكريمة "وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله" حقيقة إيمانية أساسية تؤكد وجوب طاعة الأمم لرسلها.
- •هذه الآية محكمة لم تنسخ باتفاق المسلمين، وتتجاوز الزمان والمكان وتخاطب الناس جميعاً إلى يوم الدين.
- •تأمر الآية "ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً" من ظلم نفسه بالمجيء إلى النبي.
- •لذلك أظهر الله قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم للعالمين، وجمع قلوب الناس عليه، فلم ينكر وجوده أحد.
- •بينما اختلف الناس في مواقع قبور الأنبياء السابقين، حفظ الله موضع قبر النبي محمد ليتمكن المسلمون من زيارته.
- •الأنبياء أحياء في قبورهم، والنبي يسمع من يسلم عليه ويرد عليه السلام، كما قال: "إن الله رد علي روحي فأرد عليه السلام".
- •بزيارة قبر النبي وطلب استغفاره يجد المسلم الله تواباً رحيماً.
وجوب طاعة الرسل حقيقة إيمانية قررها القرآن الكريم في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يقرر حقيقة عليا من الحقائق التي يجب على المؤمنين أن يؤمنوا بها:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 64]
هذه حقيقة، وهو أنه يجب على الأمم أن تطيع رسلها، ويجب على البشرية جمعاء أن تطيع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. لهذه الحقيقة الإيمانية والمبدأ الرباني: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ﴾ أيَّ رسول إلا ليُطاع وليس ليُعصى ويُخالَف، بإذن الله، وأن هذا كله على حد التوفيق، والتوفيق هو خلق الهداية، والذي يخلق الهداية من الله، فالموفَّق هو الله.
آية المجيء إلى النبي للاستغفار محكمة لم تُنسخ باتفاق المسلمين
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]
نعم، وهذه الآية محكمة لم تُنسخ باتفاق المسلمين. ورسول رب العالمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين وخاتم المرسلين.
القرآن الكريم تجاوز الزمان والمكان وأوامره تخاطب كل الناس إلى يوم الدين
ولذلك يسأل الناس وينبغي لهم أن يسألوا: هل هذا القرآن قد تجاوز الزمان والمكان أو أنه خاص بزمن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وعقيدتنا أنه تجاوز الزمان والمكان، وأنه ليس خاصًّا بزمن النبي المصطفى والحبيب المجتبى صلى الله عليه وسلم، وأن الأوامر التي وردت فيه إنما تصلح لكل زمان ومكان وتخاطب كل الناس إلى يوم الدين.
حكمة إظهار قبر النبي ومعرفته لجميع الناس لتحقيق أمر المجيء إليه
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾ [النساء: 64]
فأنا ظلمتُ نفسي، كيف أذهب إليه [صلى الله عليه وسلم]؟ فكان من اللازم أن يُظهر [الله تعالى] قبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وأن يجتمع على معرفته كل الناس.
ولا يختلف على أنه تحت القبة الخضراء أحدٌ من البشر، لا مؤمن ولا كافر، لا مسلم ولا غير مسلم، عبر العصور. الستة مليارات والسبعة مليارات الذين يوجدون على وجه الأرض يُقرّون أن الذي تحت القبة الخضراء هو ذلك المثوى الشريف للجسد الشريف لمحمد بن عبد الله، آمن به من آمن وكفر به من كفر.
قبور الأنبياء السابقين مجهولة بخلاف قبر النبي محمد المعلوم للجميع
حسنًا، وأين قبر سيدنا أيوب [عليه السلام]؟ قيل وقيل [أي اختُلف فيه]. حسنًا، قبر سيدنا يوسف [عليه السلام] أيضًا قيل وقيل. حسنًا، قبر سيدنا موسى [عليه السلام] لا نعرف مكانه، ولا يزالون يبحثون عنه حتى الآن.
لكن النبي صلى الله عليه وسلم كُشف له قبر موسى كما في البخاري، فرآه في ليلة الإسراء:
قال [رسول الله ﷺ]: «مررتُ على قبر موسى على رمية حجر من بيت المقدس وهو قائم يصلي في قبره» عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
فأين هو [قبر موسى]؟ ولماذا لا حاجة لنا إلى هذه المعرفة؟ فلماذا إذن أعجبُ أن قبر محمد صلى الله عليه وسلم معلوم؟ لأن لنا حاجة في هذه المعرفة.
حفظ الله لقبر النبي وإظهاره للعالمين تحقيقًا لأمر القرآن بالمجيء إليه
وكيف ذلك؟ حفظ الله القرآن، وأمر الله سبحانه وتعالى من ظلم نفسه أن يأتي إليه [صلى الله عليه وسلم]، فأين هو؟ لا بد أن نعرف قبره حتى نذهب إليه.
فعرّفنا [الله] وتعالى قبرَ نبيه وأظهره وعلّمه للعالمين، وجمع قلوب الناس أجمعين عليه، فلم يُنكر وجوده هنا [في المدينة المنورة] أحدٌ من الناس طُرًّا.
إجماع البشرية على مكان قبر النبي دليل على حفظ الله له دون اختلاف
ما هذا؟ هل هذا كان يجب على محمد [صلى الله عليه وسلم] أن يفعل هذا أم يجب على المسلمين أن يفعلوه هكذا؟ لم يقم واحد باحث يعني هكذا قال: لا، في الواقع هذا [النبي ﷺ] مات في مكة أو في اليمن، أو لعله قد مات في الشام، أو ربما مات في البحرين، أو سافر إلى الهند.
ولا أحدٌ يوحّد الله، حسنًا دعنا نترك توحيد الله، واحد فقط يقول شيئًا مثل هذا! لم يخطر ببال أحد، حتى الذي يخطر [ببالكم]، حتى وأنا أتكلم الآن أحد الناس يقول: الله! ماذا؟! أي أن هذا غير ممكن.
أي لماذا غير ممكن؟ لماذا لمّا اختلفوا في كل شيء إلا هذا؟ من جمع قلوب البشر عليه صلى الله عليه وسلم؟ من أظهر قبره؟ الله [سبحانه وتعالى].
قصة السلطان حسن وقنصوه الغوري دليل على أن حفظ القبور بيد الله وحده
أليس كان من الممكن [أن يضيع قبره ﷺ]؟ كان عندنا واحد اسمه السلطان حسن بن قلاوون، بنى المسجد الذي أخطب فيه هذا، الذي اسمه مسجد السلطان حسن، وأنشأ لنفسه قبرًا فيه. مات السلطان حسن في معركة ولم نعرف أين ذهبت جثته، والقبر فارغ ليس فيه أحد! يا الله!
فكيف؟ فأين ذهبت جثة السلطان حسن؟ لا نعرف. قنصوه الغوري مات، فأين وُضعت جثته؟ فين [أي أين] الشيخ قانصوه الغوري أم السلطان قنصوه؟ لا يوجد!
حسنًا، ألم يكن محمد صلى الله عليه وسلم قابلًا لذلك [أي لضياع قبره]؟ كان قابلًا لذلك ونفتقده، نعم ممكن، لكنه لم يحدث. فمن الذي جعل أنه لم يحدث؟ فأبقى [الله] أهله وأبقى كتابه وأبقى قبلته وأبقى قبره وأبقى مسجده وأبقى [كل شيء].
معنى المجيء إلى النبي عمليًّا بالسفر إلى المدينة والسلام عليه عند قبره
حسنًا، وعلى أي شيء هكذا؟ هذه منظومة واحدة؛ لأنه يقول:
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ﴾ [النساء: 64]
قوم تقول لي: "جاءوك" يعني ماذا؟ أقول لك: اركب الطائرة واذهب إلى المدينة المنورة زادها الله شرفًا، قِف أمام القبر وقل له: السلام عليك يا رسول الله، استغفر الله العظيم يا رسول الله، استغفر الله لي.
الأنبياء أحياء في قبورهم والنبي يسمع السلام ويرده على من سلّم عليه
لماذا؟ طيب، هل سيسمعك [النبي ﷺ]؟ قال: نعم سيسمعك. الأنبياء أحياء في قبورهم، وهذا خاص بالنبي ﷺ، كل الأنبياء والشهداء أحياء عند ربهم يُرزقون.
وسيدنا محمد ﷺ يسمع، والكفار يسمعون [في قبورهم أيضًا]؛ لمّا جاء في بدر قال لهم:
قال [رسول الله ﷺ]: «يا أهل القليب، أوجدتم ما وعدكم ربكم حقًّا؟»
قالوا [أي الصحابة]: أيسمعونك يا رسول الله؟ قال:
«إنهم أسمع لي منكم»
فسيد الخلق ﷺ يسمع. وقال ﷺ:
«كلما سلّم عليّ [أحد] ردّ الله عليّ روحي فأردّ عليه السلام»
أيضًا ما هذا! وقد قال ﷺ:
«إن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، ولا نبيَّ إلا [يُصلّي في قبره]» الله!
فما بالك إذن بسيد الخلق صلى الله عليه وسلم!
دعاء بالتوبة والرحمة وختام الحلقة بالاستغفار والسلام
﴿فَٱسْتَغْفَرُوا ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا ٱللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 64]
فاللهم تُب علينا وارحمنا يا أرحم الراحمين. وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
