سورة النساء | حـ 706 | 74 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير قوله تعالى: "فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة" يحمل معنيين.
- •المعنى الأول: أن الباء تدخل على المتروك، فالمقصود الذين يفضلون الدنيا ويتركون الآخرة.
- •هذا المعنى يشير إلى أن من يريد الدنيا عليه أن يقاتل في سبيل الله، فهو سبيل الحصول عليها.
- •يظهر هنا أسلوب دعوي مهم: مخاطبة المنحرف من حاله دون إبراز انحرافه أولاً.
- •الله يخاطب من يريد الدنيا قائلاً: إن أردت الدنيا، فقاتل في سبيلي تنلها وتنل الأجر العظيم.
- •المعنى الثاني: استثناء من قاعدة الباء، فيكون المقصود الذين يفضلون الآخرة ويتركون الدنيا.
- •كلا المعنيين مقبول لأن القرآن كتاب هداية يتسع لمعانٍ متنوعة لا متضادة.
- •الجامع بين المعنيين أن من يقاتل في سبيل الله - سواء لطلب الدنيا أو الآخرة - فهو مرضي عنه.
- •جزاء المقاتل في سبيل الله واحد سواء قُتل أو غلب: "فسوف نؤتيه أجراً عظيماً".
- •العزة لا تكون إلا بالقتال في سبيل الله، وهو الطريق الوحيد للفوز في الدارين.
مقدمة الحلقة وتلاوة آية القتال في سبيل الله من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74]
هذه آية من أبدع ما يكون، وفيها سرٌّ يتعلق بما ذكرناه في حلقات سابقة عن ذلك الذي تباطأ عن إخوانه فلم يخرج [للجهاد في سبيل الله]، وانقلبت لديه الحقائق، ورأى الدنيا وظاهرها وزينتها فاغترّ بها، وترك الآخرة وما عند الله، فاختلّ الميزان في يده؛ لأنه بذلك يكون قد تمسّك بالدنيا وترك الآخرة.
أسلوب دعوي فريد في مخاطبة المنحرف من حاله دون جدال
فإذا بالله [سبحانه وتعالى] لا يدخل معه [مع هذا المتباطئ] في جدال ونقاش وإقامة حجة، بل يبدأ معه من حاله [التي هو عليها].
هذا أسلوب يجب على الداعي أن يلتفت إليه، وألّا ينشغلوا [الدعاة] بالهمّ إذا ما رأوا منحرفًا أو عاصيًا أن يُزيروا انحرافه وعصيانه أولًا، بل إنه من الممكن أن يخاطبه على حال انحرافه إلى الخير، وهذه من عجائب فن الدعوة فليتأمل [فيها كل داعية].
معنى شراء الحياة الدنيا بالآخرة وقاعدة دخول الباء على المتروك
﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]
فما معنى هذا؟ بعضهم يفهم بالبداهة أن الذين يرغبون في الآخرة ويريدونها ويتركون الحياة الدنيا عليهم أن يقاتلوا في سبيل الله، فيكون بذلك في هذه الآية ردٌّ على هذا الذي وصفناه من حال المتباطئين.
ولكن عرفنا في النحو أن الباء تدخل على المتروك. الباء تدخل على المتروك:
﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 61]
يبقى أنهم تركوا الذي هو خير وأخذوا الذي هو أدنى، فالباء دائمًا تدخل على المتروك.
تطبيق قاعدة الباء على الآية ومعنى ترك الآخرة وشراء الدنيا
﴿ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]
معناه أنهم تركوا الآخرة واشتروا الحياة الدنيا. والله، أفهذا حسنٌ أم قبيح؟ هذا قال: لا، هذا سيء.
قال: فما هو إذن؟
﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]
اشتروا الحياة الدنيا وأرادوها وتركوا الآخرة ونحوها. وهؤلاء ما هم إذن؟ يعني هؤلاء سيئون. قال: نعم هم سيئون.
قالوا يقولون: لماذا فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون؟ قال له: تعالى، أنت تريد... ما الأمر يا أخانا؟ أنت تريد الدنيا:
﴿يَـٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]
أسلوب القرآن في مخاطبة من يريد الدنيا بتوجيهه للقتال في سبيل الله
قال له: حسنًا، أنت تريد الدنيا. قال له: نعم. فلم يقولوا له إذن لا بدّ عليك أن تلتفت إلى الآخرة كما هو الحق، تركه [القرآن لم يجادله].
قال له: أنت تريد الدنيا؟ قال له: نعم. قال له: قاتل في سبيل الله.
يبقى من أراد الدنيا لا بدّ له أن يتمسك بالله، والآخرة لم تخطر بباله بعد. ومن أراد الآخرة فلا بدّ له أن يتمسك بالله.
﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 74]
الذين ملأت الدنيا قلوبهم؛ فإن الدنيا لا تُنال إلا بالقتال في سبيل الله.
الدنيا والآخرة لا تُنالان إلا بالقتال في سبيل الله وحده
ولو قاتلت في سبيل أيّ شيء غير سبيل الله لن تحصل على الدنيا ولن تحصل على الآخرة، فتبقى قد ضعت هنا وهناك.
فإذا قال: أريد أن أحصل على الدنيا، قيل له: قاتل في سبيل الله. وإذا قال: أريد أن أحصل على الآخرة، قيل له: قاتل أيضًا في سبيل الله.
فالذي يقاتل في سبيل الله يا إخواننا هو الذي [ينال مراده]، إذن لا توجد دنيا ولا آخرة [بدون ذلك].
﴿فَلْيُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]
فإنهم لا يستطيعون أن يكونوا أقوياء يسيطرون على الحياة الدنيا وزينتها إلا بالقتال في سبيل الله.
معنى فيُقتل أو يغلب والأجر العظيم في الحالتين
﴿وَمَن يُقَـٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74]
ومن يقوم ومن يقاتل في سبيل الله فيُقتل — لم يقل يستشهد، قال: فيُقتل — أو يغلب.
يُقتل؟ قال: والله طيب، ما أنا الآن ذاهبٌ سأُقتل. قال له: حسنًا، قُتلت؟ ستأخذ أجرًا عظيمًا وسنعفو عنك وتموت شهيدًا.
طيب غلبت؟ الدنيا التي أنت تريدها جاءت لك.
﴿أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74]
التفسير الثاني للآية وخروج الباء عن الغالب واختلاف التنوع بين الوجهين
هذا أحد وجوه التفسير الذي يبقى على [قاعدة] الباء تدخل على المتروك.
التفسير الثاني: قال: لا، الباء تدخل على المتروك غالبًا، تدخل الباء على المتروك أي غالبًا، وهنا خارج الغالب.
﴿ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ [النساء: 74]
معناها أنهم اشتروا الآخرة وأرادوها وتركوا الحياة الدنيا، فقاتلوا في سبيل الله، وتستقيم المعنى المتبادر إلى ذهن الناس. كما هو [معروف فإن] المفسرين أوردوا الرأيين: أن الباء على وجهها أم خرجت عن وجهها.
هذا أم هذان المعنيان يعطيانك معاني مختلفة يتسع بها القرآن الكريم؛ لأنه كتاب هداية. وعلى ذلك فالجمع بينهما إنما هو جمع بين اختلاف تنوع جائز، لا اختلاف تضاد غير جائز.
خلاصة الآية أن القتال في سبيل الله سبيل العزة والرضا الإلهي
فالذي يقاتل في سبيل الله لأنه اشترى الحياة الدنيا وترك الآخرة، أو اشترى الآخرة وترك الحياة الدنيا، فإنه مرضيٌّ عنه من الله، ولا تكون العزة إلا بذلك [بالقتال في سبيل الله].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
