سورة النساء | حـ 683 | 57 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 683 | 57 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

11 دقيقة
  • يوضح النص ارتباط آيات العذاب بآيات الرحمة في القرآن الكريم، فلا توجد آية عذاب إلا وقبلها أو بعدها آية رحمة.
  • تجلي الله بالجلال يرتبط بتجليه بالجمال، فوصف حال أهل النار يتبعه وصف حال أهل الجنة.
  • طبيعة الإنسان تتطلب الترغيب والترهيب معاً، لأن الإفراط في ذكر الرحمة قد يجعله يغفل ويفسد.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم كان يتعبد ويشكر ربه رغم ضمان الجنة له، بينما أغلب الناس يحتاجون للتذكير المستمر.
  • الإيمان في القرآن يقترن دائماً بالعمل الصالح، فلا فائدة من إيمان لا يظهر في السلوك.
  • وصف الجنة في النص يشمل تعدد الجنات وتنوعها ودرجاتها، وأنهارها المتنوعة من ماء ولبن وخمر وعسل.
  • الجنة تخضع لقوانين مختلفة عن قوانين الدنيا، وفيها الخلود الأبدي والأزواج المطهرة والظل الظليل.
محتويات الفيديو(13 أقسام)

مقدمة تلاوة آيات العذاب والرحمة من سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما بيّن حكم الكافرين:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَـٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَـٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا ٱلْعَذَابَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]

يقول سبحانه وتعالى:

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57]

قاعدة قرآنية: لا تُذكر آية عذاب إلا ومعها آية رحمة

قالوا [العلماء]: ما من آية عذاب في القرآن إلا وقبلها أو بعدها آية رحمة، لا يوجد تجلٍّ بالجلال منه سبحانه وتعالى إلا وقد تجلّى بالجمال.

فإذا ما وصف لنا حال أهل النار فإنه بعدها أو قبلها يكون قد وصف لنا حال أهل الجنة. وهذا هو [مقتضى حكمة] الذي خلق الإنسان، والذي يعلم فطرته وعقله، ويعلم هواه ومنتهاه سبحانه وتعالى.

حكمة الجمع بين الترغيب والترهيب في القرآن الكريم

ويعلم [سبحانه وتعالى] أن الإنسان إذا ما أفرطنا معه في ذكر الرحمة والترغيب نسي نفسه واطمأنّ فأفسد في الأرض، وكان ينبغي عليه ولكن قليلٌ ما هم أن يشكر ربه وأن يزداد عرفانًا بالجميل.

ولمّا كان الأمر كذلك كما في حق سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، فإننا رأيناه يقوم الليل حتى تتورّم قدماه، وهو في النهار لديه مسؤوليات كثيرة وعمل كثير، ويأتي بالليل فيقوم لربه يناجيه ويصلي ويطيل في السجود وفي القيام وفي الدعاء وفي البكاء.

قيام النبي ﷺ الليل وشكره لربه رغم مغفرة ذنوبه

حتى لامته عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت:

«يا رسول الله، قد غفر الله ما تقدّم لك من ذنبك وما تأخّر»

قال [رسول الله ﷺ]:

«يا عائشة، أفلا أكون عبدًا شكورًا»

فعندما غُفر له وظهر له أنه من أهل الجنة قطعًا، وأنه سيد المرسلين وسيد الخلق أجمعين، وأنه الشفيع للعالمين يوم الدين، وأن الله ما أرسله إلا رحمة للعالمين؛ ازداد شكرًا لربه.

هكذا يكون العاقل الحكيم، وهو سيد الحكماء صلى الله عليه وآله وسلم.

حاجة أغلب الناس إلى الترغيب والترهيب معًا في القرآن

ولكن هذا الصنف من الناس الذي يفهم عن ربه ويتبع نبيه قليل، وأغلب الناس يحتاجون من حين إلى آخر إلى تذكير بالترهيب والترغيب معًا.

ولذلك لا نجد آية في القرآن تتحدث عن العذاب إلا وخلفها أو أمامها آية أخرى تتحدث عن الرحمة، حتى يحدث في نفس الإنسان أن الله يهديه النجدين أي الطريقين.

طريق الجنة المحفوف بالمكاره وطريق النار المحفوف بالشهوات

طريقٌ يوصل إلى الجنة محفوف بالمكاره ومحفوف بالتكاليف ومحفوف بشيء من المشقة المقبولة والمقدور عليها، وطريقٌ آخر يؤدي إلى النار محفوف بالشهوات والرغبات وبالكسل، ونعوذ بالله من الكسل كما استعاذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

اقتران الإيمان بالعمل الصالح في القرآن الكريم ودلالته

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ﴾ [النساء: 57]

وكذلك لم يرد في القرآن ذكرٌ للذين آمنوا إلا وقد قرنه بما هو دليل الإيمان والمرشد إليه والمنفّذ له، وهو العمل الصالح.

لأن الذي آمن بقلبه وصدّق ولم يعمل الصالح في ظاهر جوارحه، فإنه يكون كالساعة المعطّلة التي تدلّ على خراب ما في باطنها؛ إذ إنها لا تعمل في ظاهرها.

وإن أناسًا قد غرّهم بالله الغرور، يقولون: نحن نُحسن الظن بالله. ولو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل، هكذا كان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تعدد الجنات ودرجاتها في القرآن الكريم وأنواعها

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ﴾ [النساء: 57]

وليست جنة واحدة، هي جنة كبيرة؛ خلق الله جنة للثواب وخلق نارًا للعقاب، لكن هذه النار دركات ودرجات وهذه الجنة هي جنات.

فهناك جنة المأوى، وهناك جنة عدن، وهناك جنة الفردوس وهي أعلى الجنان، نسألها لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهناك جنات كثيرة، والله سبحانه وتعالى يعطي الإنسان جنة أو يعطيه جنتين أو يعطيه أكثر من ذلك، فالله سبحانه وتعالى عطاؤه لا ينتهي، والجنة أيضًا أنواع وأقسام ودرجات، ولذلك جمعها هنا لينبّه على هذا المعنى.

دلالة كلمة تحتها على أن الجنات على ربوة عالية

﴿سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا﴾ [النساء: 57]

إذا ما دام في "تحت" فهناك "فوق"، وتكون هذه الجنات على ربوة.

ما الذي جعلها على ربوة؟ كلمة "التحت"، هو [سبحانه] لم يقل جنات على ربوة، ولكن عليك أن تتخيّل الربوة ما دام قال "تحت" فهو فوق. إذن أنت ساكنٌ فوق والنهر تحت منك، هكذا تجري من تحتها.

تعدد أنهار الجنة وتنوعها بين ماء ولبن وخمر وعسل

تجري من تحتها أنهار، لا نهر واحد، تجري من تحتها الأنهار. إذن هذه ليست نهرًا واحدًا بل أنهار كثيرة.

هذه الأنهار بعضها من ماء وبعضها من لبن وبعضها من خمر وبعضها من عسل، والله يخلق ما يشاء.

هذه الأنهار عجائبها أنها لا تختلط؛ أي أن نهر العسل يسير فيقطعه نهر الخمر فلا يختلطان، يتداخلان وينفصلان عن بعضهما البعض من غير اختلاط. ويقطعهما عند الناصية هكذا نهر لبن فلا يختلط مع الاثنين، ونهر الماء يقاطعهم جميعًا فلا يختلط.

أنهار الجنة بلا حافة ودلالتها على اختلاف قوانين الجنة عن الأرض

وهذه الأنهار كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حافة لها. إذن فالماء قائم هكذا من غير مجرى، هذا هو قائم وجارٍ.

وهذا معناه أن الجنة ليس فيها كجاذبية الأرض. فلماذا عندنا في الأرض المياه لا تجري هكذا؟ يجب عندما تجري أن يكون هناك شيء يسندها من هنا وشيء يسندها من هنا وهو مجرى النهر.

فلماذا لا تسير المياه عندنا قائمة هكذا مترًا أو مترين من غير حافة؟ لأنه توجد جاذبية تأتي لتجذب هذه المياه وتسيلها على الأرض.

فإذن كأن الجنة ليس فيها جاذبية، ولكنه [سبحانه] لم يقل هنا هكذا؛ أي أن النص ليس فيه هكذا، وإنما أنا أريد عندما نقرأ القرآن أن نتخيّل مقتضاه؛ أي ما معنى أن فيها أنهارًا، أي ما معنى أن هذه الأنهار متنوعة، أي ما معنى أن هذه [الأنهار بلا حافة]؟ إذن قوانين أخرى غير القوانين الكونية التي نعيش فيها.

النظر إلى وجه الله الكريم في الجنة بقوانين مختلفة عن الدنيا

وهذا مهم في اكتمال المنظومة؛ لأنه عندما يأتي ويقول:

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]

فيبقى النظر إلى وجه الله الكريم ليس بالمُقلة وليس بالحدقة وليس بانعكاس ضوء عليه، جلّ الله؛ لأنه هو نور الأنوار. هذا شيء آخر غير ما نراه هنا [في الدنيا] من الأجساد والأجساد والأجسام.

الخلود في الجنة وانتهاء الزمن وقوانين الخلق الجديد

﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ [النساء: 57]

إذا انتهى الزمن، وما دام قد انتهى الزمن وهناك هذا الخلق الجديد، فهناك قوانين جديدة ينبغي أن نفهم من خلالها هذا.

﴿لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ [النساء: 57]

فاللهم أدخلنا الجنة من غير حساب ولا سابقة عذاب يا رب العالمين. وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم.