سورة النساء | حـ 662 | 46 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآية القرآنية "من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا" ويبين أربع مشكلات: التحريف، والعناد بقول "سمعنا وعصينا"، و"اسمع غير مسمع"، و"راعنا ليًا بألسنتهم".
- •هذه الممارسات تعطل التفاهم وتشبه نظرية صدام الحضارات التي ترفض الحوار والتواصل وتسعى للصراع بدلاً من التفاهم.
- •يوضح أن هذا النهج ليس عاماً بل يخص طائفة محددة، وأن أغلب البشر يميلون للحوار والتفاهم.
- •يناقش مسألة التلاعب بالمصطلحات وترجمتها، كتحويل كلمة "رهبة" إلى "إرهاب" بمعنى سلبي، بينما أصلها القرآني يشير للردع المؤدي للسلام.
- •يحذر من تلبيس الحق بالباطل وخلط المفاهيم وسوء الترجمة بين اللغات، ويؤكد أهمية اختيار الكلمات الصحيحة بدلاً من الكلمات المسببة للطعن في الدين.
- •يذكر أن القرآن من عند الله، فهو يصف أحوال الناس في كل زمان ومكان.
مقدمة في تفسير آية تحريف الكلم من سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [النساء: 46]
إذن المصيبة الأولى هي التحريف، والمصيبة الثانية هذا القول: سمعنا وعصينا، يعني فيه عناد وجحود، وبذلك يختلّ التفاهم بينهم وبين دينهم، وبينهم وبين رسولهم.
أربعة أمور خطيرة في سلوك المحرّفين: العصيان والرفض والسخرية
﴿وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَٰعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ﴾ [النساء: 46]
فثلاث أمور بالإضافة إلى التحريف تصبح أربعة أمور: سمعنا وعصينا، نحن نفهم ما تقول، اسكت الآن لأننا لن نطيعك.
حسنًا، سكت. اسمع الآن يا رب! لا تسمع. ماذا؟ أتريدني أن أسمعك أم تريدني أن أتشاجر؟ قال لي: أنا أريد أن أتشاجر معك، ولو كان يريدني أن أستمع إليه لقال لي: استمع، ثم يتحدث، فأستمع وأفهم ما يريد.
لكنه يقول شيئًا ويقصد شيئًا آخر، يعني يقول: أنا أريد أن أتحاور معك، ويتمنى أن أرفض الحوار معه لكي نتشاجر، يا إلهي يا إخواني، ما هذا!
نظرية صدام الحضارات ورفض الحوار مع الآخر
ذاتها نظرية صدام الحضارات ولا غيرها. نظرية صدام الحضارات ماذا تقول؟ تقول إننا نملك كلامًا نريد أن نقوله، ونريد أن نُسمعه للحضارة الأخرى، لكن هذه الحضارة الأخرى يا ليتها لا تسمع ما نقوله، ولذلك سنصطدم معها.
وعلى فكرة، هي لن تسمع، هكذا يقولون. فنأتي نحن ونقول لهم: هيا إلى الحوار. الحوار ماذا؟ نحن كما قلنا أنه لا يوجد حوار، هناك صدام. نعم، أنتم تقولون استمعوا، فنحن نستمع الآن وسنتحاور معكم لكي نرى القواسم المشتركة.
قال: لا يوجد مشترك، لا يوجد قاسم مشترك بيني وبينك، إنما يوجد أن أصطدم معك. حسنًا، وبعد ذلك، هذا قرارٌ إذن.
التمييز بين الفكر الرباني القائم على الحوار وفكر الصدام
قال: هذا بالضبط يا إخواننا، اسمع، هذه هي الحياة التي نعيشها. طبعًا ليس كل البشر يقولون هكذا، إنما هي طائفة سياسية ترى صدام الحضارات، والباقون لا يوافقون عليها، ويقولون لهم: لا، ولكن الناس تقول: نريد أن نستمع ونتحاور ونعمل، وأن نجلس كالآدميين ونستمع بعضنا لبعض.
انظر إلى الفكر المستقيم والفكر غير المستقيم: هذا فكر رباني، فكر الحوار، وهذا فكر ليس ربانيًا، فيه تحريف للكلم عن مواضعه، وهو فكر الصدام.
إذن هذه الآية [من سورة النساء] تبني لنا كيفية التفكير المستقيم.
معنى اسمع غير مُسمَع وحقيقة الفطرة الإنسانية تجاه الخير
هذا التعبير ربما صعب على كثير من الناس:
﴿وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ [النساء: 46]
تعبير هكذا، ما معنى اسمع غير مُسمَع؟ يعني ويزيد من أن الواحد غير متمكن منه كثيرًا أنه غير مصدَّق. معناه أنت منتبه.
هل يوجد أناس هكذا؟ أمعقول أن يوجد أناس يقولون: يا شرّ اشترِّ! نحن منتبهون أن الإنسان كإنسان عندما يُدعى إلى الخير ويُجذب من جهة الخير، يعني يرقّ قلبه، إنسان يا أخي.
إنما في ذلك يقولون: يا شرّ اشترِّ. في إنما [هؤلاء] طائفة قليلة، الحقيقة أنها طائفة قليلة، والطائفة الكثيرة من بني البشر على مذاهبهم وأديانهم ومللهم ليس كذلك.
دلالة كلمة مِن في الآية على أن القرآن من عند الله
ولذلك حكمة بالغة تبيّن أن هذا الكتاب من عند الله؛ سيدنا محمد ﷺ ليس عنده إحصائيات بالبشر، ولو كان عنده إحصائيات بالبشر الذين يعيشون معه، فليس معه إحصائيات بالبشر التي سوف تأتي.
وبعد ذلك يقول:
﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: 46]
و**"مِن"** هذه لوحدها تُثبت أن القرآن هذا من عند الله. مِن الذين هادوا، نعم؛ لأن هذه لا يمكن لأحد أن يفعل هكذا كثيرًا، هذه طائفة صغيرة هكذا، هو بعض الناس من الذين هادوا.
الفرق بين اسمع وأسمِع وأثر ذلك على الحوار والتواصل
البعض يقول: واسمع غير مُسمَع. اسمع، لو كانوا قالوا "أسمِع" وسكتوا، يا سلام، فسيكون حوارًا متواصلًا: اسمع كذا وكذا وكذا وكذا، وتُنقل الفكرة.
لكن "اسمع" تختلف عن "أسمِع"؛ نحن لا نريد اسمع. إذن لماذا قلت اسمع؟ إنه إثبات حالة كي أقول إنك تعصي، رمتني بدائها وانسلّت.
حسنًا، وراعنا بالسخرية والاستهزاء والتلاعب بالمصطلحات.
التلاعب بمصطلح راعنا والفرق بين الإرهاب والإرجاف في الترجمة
راعنا هذه أريد أن أؤلف عنها تحت مصطلح الإرهاب.
من الذي قال لك أنها إرهاب؟ ألا يمكن أن تكون هذه الترجمة خاطئة، وأن الترجمة الصحيحة هي إرجاف؟ الإرجاف الذي ورد في قوله تعالى:
﴿لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ ٱلْمُنَـٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَٱلْمُرْجِفُونَ فِى ٱلْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلًا * مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوٓا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60-61]
الذين هم طائفة المخربين للمجتمع.
دلالة كلمة رهب في القرآن بين الرهبانية وقوة الردع والسلام
لكن تأتي كلمة "رهب" ومنها رهبان:
﴿بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [المائدة: 82]
هؤلاء الرهبان شيء يعني ماذا؟ من الرهبة التي لله.
يعني تأتي بكلمة تعني قوة الردع والسلام:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ ٱلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]
قوة الردع الذي يؤدي إلى السلام. إذن الترجمة خاطئة.
خطورة التلاعب بالترجمات ولبس الحق بالباطل في وصف الإسلام
راعنا هذه بالعبرية معناها سيئ، وبالعربية معناها جميل. إنه خلط وتلبيس في الترجمات.
وهذا ماذا يُحدث؟ لو قلت الإسلام دين أرجف، سيضحك الناس عليك داخليًا وخارجيًا، فذهبوا يختارون الكلمة التي تفعل ماذا؟
﴿لِمَ تَلْبِسُونَ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَـٰطِلِ وَتَكْتُمُونَ ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 71]
أيها الإخوة، لا تقولوا إن الإسلام دين إرهاب بالمعنى السيئ؛ لأن هذه كلمة في اللغة العربية لها دلالات طيبة، ويمكن أن تُستعمل بدلالات سيئة، فلماذا تلبسون الحق بالباطل؟ لا تفعلوا هكذا.
التحذير من لبس قوة الردع بالتخريب والإرجاف وأهمية المصطلحات
هو يفعل ذلك لكي يقول دائمًا:
﴿تُرْهِبُونَ بِهِ﴾ [الأنفال: 60]
وأنتم تقولون إنكم إرهابيون، ويُلبِس الردع وقوة الردع التي تؤدي إلى السلام، يلبسها بالتخريب والإرجاف.
راعنا هي كلمة تُؤلَّف فيها كتب. ربنا يقول لنا: انتبهوا للمصطلحات، انتبهوا للمفاهيم (الترمينولوجي)، انتبهوا للترجمة بين العبري والعربي، احذروا أن هذا يصنع فتنة.
﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى ٱلدِّينِ﴾ [النساء: 46]
إلى ماذا سيؤدي الطعن في الدين؟
لو قالوا سمعنا وأطعنا لكان خيراً لهم واختيار الكلمة الصحيحة
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ﴾ [النساء: 46]
يعني هنا ماذا أصبح؟ عدل الحكاية. طيب نقول ماذا؟ نعم، تقولون هكذا، تقولون: ها هو، ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا، واسمع، ها حوار ها هو، وانظرنا.
كلمة "راعنا" موجودة، و**"انظرنا"** موجودة. اختر الكلمة الصحيحة التي لا تؤدي إلى الطعن في الدين.
﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 46]
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
