سورة النساء | حـ 647 | 40-41 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •الإنفاق في سبيل الله أساس التجمع البشري وقوام المجتمع، وقد عرض الله علينا مساومة عظيمة.
- •الله لا يظلم مثقال ذرة، والذرة هي أصغر شيء تتكون من ملايين الجزيئات، وهذا يدل على دقة الحساب الإلهي.
- •الجنيه الذي يُتصدق به للفقير مضروب بملايين الملايين من الثواب، فكيف إذا أُعطي بأدب وحب ورحمة.
- •الله يضاعف الحسنات ويؤتي من عنده أجراً عظيماً لا يُحد ولا يُعد.
- •هذا الكرم الإلهي اللامتناهي يجذب الإنسان إلى طاعة الله والإنفاق في سبيله.
- •جعل الله الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم شهيداً على هذه الأمة وقدوة لها.
- •كل إنسان صالح سيكون شهيداً على من عاصره وكان في نفس ظروفه ولم ينفق.
- •النبي صلى الله عليه وسلم حث على التوازن في العبادة، فقال: "أصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء، ومن رغب عن سنتي فليس مني".
مقدمة في أمر الله بالإنفاق في سبيله وأهميته لقوام المجتمع
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يأمرنا ويدفعنا دفعًا إلى الإنفاق في سبيله، والإنفاق هو أساس التجمع البشري والذي به قوام المجتمع.
والله سبحانه وتعالى يعرض علينا مساومة من خلال صفاته جل جلاله، فيقول:
﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40]
معنى كلمة مثقال في اللغة وعلاقتها بوزن الدينار والذرة
مثقال [أي] ثقل الشيء، ولذلك كانوا يسمون الدينار مثقالًا. الدينار هذا كم وزنه؟ أربعة غرامات وربع بالغرامات التي نستخدمها الآن، سمّوه مثقالًا.
لكن كلمة مثقال في اللغة تُطلق على كل ذي ثقل، فالدينار أربعة غرامات وربع، فما مثقال الذرة إذن؟ ماذا قالوا؟ لا، تحضر [لتعرف]؛ لأن هذه الذرة هي الغبار الذي يظهر في شعاع الشمس.
نجمع كم واحدة لكي تصنع جرامًا أو عشرة جرامات؟ حسنًا، أم أي شيء؟ تجمع ملايين مملينة حتى تصنع عشرة جرامات. حسنًا لا، لم تعد ملايين لتحضر عشرة جرامات، لا! هذا هو نفس الذرة [التي ذكرها الله]، لن يضيعها عليك.
كرم الله العظيم في محاسبة العبد بأصغر وحدة وزن وهي الذرة
ما هذا الكرم! هذا كرم لا يكون ولا يُتصوَّر إلا من خالق الأكوان مالك الملك سبحانه وتعالى.
أعداد لا نهاية لها، فكم ذرة في الجرام؟ ملايين الملايين! فإذا كان [الله] سيحاسبني بالذرة، فماذا سيُكتب لي [من الأجر]؟ لقد دفعت للمسكين جنيهًا، هذا الجنيه شيء عظيم جدًا بالنسبة لذرة.
هذه الذرة تعني الملايين من ملايين الملايين، وبعد ذلك أجد أن لدي أنني تصدقت بشيء؛ جنيه مضروب في ملايين الملايين، فسيعطيني كم إذن؟ شيء كهذا ملايين الملايين التي تجعل مثقال الذرة يقع مقابل وزن الجنيه.
مضاعفة الحسنة عند الله وأثر الإنفاق بالأدب والرحمة والحب
حسنًا يكفي هذا، لقد غرقت يا رجل! انظر إلى هذا الأمر، هذا هو الثواب. كيف هذا؟ هذا ثواب كبير جدًا.
وإن هذا حسنة [أي] هذا الجنيه، حسنًا، الجنيه أعطيته للفقير بالأدب، أعطيته للفقير بالحب، أعطيته للفقير بالرحمة، أعطيته للفقير وأنا أتمنى أن يحلّ أزمته ووقفت معه في كربته.
ما هذا؟ هذا كلام حسن جدًا، هذا شيء جميل!
﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَـٰعِفْهَا﴾ [النساء: 40]
ملايين الملايين من الملايين، فماذا ستفعل؟ نضربها في مثلها، يضاعفها فنضربها في مثلها؛ مليون في مليون ومليون في مليون ومليون — هذا أمامه ستة أصفار — في مليون آخر أمامه ستة أصفار، فيصبح لدينا اثنا عشر صفرًا. كيف يُنطق هؤلاء؟ وهكذا.
الأجر العظيم من لدن الله الذي لا يحده حد ولا يدركه وصف
فماذا بعد ذلك؟ كل هذا على جنيه! يكفي هذا، بل هذا أكثر من ذلك:
﴿وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]
أجرًا عظيمًا، كيف؟ قال له [أي وصف العظيم]: كل فرقة كالطود العظيم. ما هذا العظيم؟ قال لك: عندما تنظر يمينك هكذا لا تجد آخره، تنظر شمالك هكذا لا تجد آخره، تنظر فوق هكذا لا تجد آخره.
فأنت [ترى] شيئًا لكن لا تعرف كيف تأتي بآخره من يمينك وشمالك وفوقك وهكذا. فما هذا؟ هذا إضافة على ملايين الملايين! فهذا كلام [عظيم] إذن.
لا أحد يعطي كعطاء الله وأثر التفكر في كرمه على انجذاب القلب
هل يوجد أحد يعرف كيف يعطي هكذا؟ ربنا والله، ما أحد يعرف كيف يعطي هكذا إلا الله.
حين يجلس الإنسان ليفكر يبكي ويقول: الله! إذن أنا بعد ذلك أعصيك؟ بعد ذلك أبخل؟ ويحدث للإنسان ماذا؟ يعني هكذا جاذب، هكذا جذب [إلى الله].
يقول: الله، طيب أنا أعمل ماذا الآن؟ بعد ذلك أنا أسكت أم أخرج من ثيابي؟ أنا أم أخرج من أموالي وأعطيها كلها للفقراء أم أعمل ماذا؟ فقال لي [الشرع]: لا تخرج [عن الحد]، وإلا أعمل ماذا؟ قلنا انتهى الأمر.
فأنا منذ أن جلست أفكر انجذبت، حدث لي انجذاب هكذا. هو [الله سبحانه وتعالى] يريد أن يهدينا لكي نعود فنعبد ربنا ونعمّر الدنيا ونزكي النفس ونهتدي.
النبي ﷺ شهيد على أمته وسقف الاقتداء به في العبادة والإنفاق
كيف [يهدينا الله]؟ قال لنا:
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]
يعني وضع لنا سقفًا عاليًا خاصًا بنا؛ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مثالنا، رسول الله هو قدوتنا، رسول الله هو شاهدنا، سيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
انظر ماذا فعل [رسول الله ﷺ] وافعل مثله، وهذه النهاية. فإن زدت على ذلك فلا يجوز، لا يجوز أن أزيد [على ما فعله النبي ﷺ].
شهادة كل أمة على نفسها وشهادة النبي ﷺ على العالمين إلى يوم الدين
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41]
هذه الأمة، كل أمة سابقة أو لاحقة على المصطفى صلى الله عليه وسلم، وهو شهيد على العالمين إلى يوم الدين.
فنحن هكذا، هل يوجد واحد منا ينفع [أن يكون شهيدًا]؟ أفضل واحد فينا هذا هو الشهيد الخاص بنا. لماذا؟ لأنه سيأتي يوم القيامة يقول لي الله: ألست في نفس العصر وفي نفس البلد وفي نفس الحكاية، وهذا ينفق وأنت لا تنفق؟ فيكون هذا شهيدًا عليك.
ومن الذي يشهد عليه هو؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَـٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]
حديث النبي ﷺ في الاعتدال والتمسك بسنته في العبادة والحياة
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«أَلَا إِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأَقُومُ وَأَنَامُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» رواه البخاري ومسلم
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
