سورة النساء | حـ 637 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 637 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • يرشدنا الله في سورة النساء إلى فكرة المعونة كمنهج رباني أساسي في حياة الإنسان.
  • الإنسان كائن اجتماعي يحتاج للعيش مع الناس، مما يتطلب أن يكون مهيئاً لبذل المعونة للآخرين وقبولها منهم.
  • ينبغي تطوير قابلية العطاء وقابلية الأخذ، خاصة في النصيحة التي هي أساس الدين.
  • للنصيحة شروط منها الأسلوب المناسب والوقت والبيئة المناسبة، فهي ليست تعييراً أو فضيحة.
  • عند وجود فجوة بين التربية والتطبيق، تتحول النصيحة إلى ظاهرة صوتية شكلية وتمثيلية غير مؤثرة.
  • يجب بناء منهج تربوي يغرس قابلية العطاء والأخذ بشكل عملي وليس مجرد نظريات.
  • في الإصلاح الأسري، يرشدنا القرآن بقوله: "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا"، حيث يكون الحكم من خارج المشكلة.
  • المصلح الخارجي أقدر على الحياد والعقلانية، بينما من داخل المشكلة غالباً ما يكون متحيزاً وعاطفياً.
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة حول سورة النساء وفكرة المعونة في بناء المجتمع القوي

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يرشدنا إلى مجتمع قوي يدخل إلى داخل الأسرة ليقوّم حالها ويساعدها. تأتي فكرة يفتحها لنا الله سبحانه وتعالى، وعندما نبحث عنها في دين الله نجدها فكرة شائعة ذائعة معتبرة معتمدة من المنهج الرباني، وهي فكرة المعونة.

أي أن الإنسان في حياته لا يستطيع أن يعيش وحده من غير معونة. هذا ما فضّل بعضهم التفكير فيه والتأمل، وبعد ذلك قال إن الإنسان حيوان اجتماعي؛ حيوان يعني كائن حي، واجتماعي يعني لا يعيش إلا بالناس وفي الناس وللناس.

قابلية العطاء والأخذ وضرورة التهيؤ النفسي والتربوي لبذل المعونة وقبولها

فكرة المعونة [أي أنك تحتاج إلى غيرك في الحياة] إنك تحتاج إلى معونة، وحينئذ فلا بد أن تكون مهيئًا نفسيًا وتربويًا لبذل المعونة للغير، وأن تكون مهيئًا نفسيًا وتربويًا لقبول المعونة من الغير.

لذا لا بد أن نبحث معًا فيما يُسمى بـقابلية العطاء وقابلية الأخذ. يجب أن تكون قابلًا للنصيحة.

قال رسول الله ﷺ: «الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»

الله! ينصحهم نصيحة يؤلف فيها العلماء الفرق بين النصيحة والتعيير، وبعضهم يقول الفرق بين النصيحة والفضيحة؛ لكي تكون موزونة.

شروط النصيحة الصحيحة من حيث الأداء والوقت والبيئة المناسبة

ويقول لك إن النصيحة لها شروط، فيكون يعلّمك الأداء. فهل أنت نصحتني النصيحة بطريقة ملائمة، في وقت مناسب، في جو مناسب وبيئة مناسبة؟ ليست فضيحة وليست تعييرًا وليست شماتة، ولوجه الله مخلص.

طيب، والقابلية الخاصة بي [أي قابلية المنصوح لقبول النصح]، ما أنني يمكن أن أرفض النصيحة؟ نعم، إذن يجب على الإنسان أن يتربى على إعطاء النصيحة وكيف يكون، وعلى تلقي النصيحة وكيف يستفيد منها.

الفجوة بين التربية والتطبيق وتحول النصيحة إلى ظاهرة صوتية شكلية

بعض الإخوة الذين لديهم فجوة بين التربية والتطبيق تتحول الأمور عندهم إلى ظاهرة صوتية. انظر، هناك فرق بين أن أربي الإنسان لأن يكون قابلًا للعطاء وقابلًا للأخذ، وبدلًا من أن نقوم بتمثيلية سخيفة حول هذا.

تجد واحدًا يمسكني من يدي ويأخذني بجانب المنبر ويقول: يا أخي أنصحك، ويهز لي هكذا وبصوت خفيض لأنها ليست فضيحة، يعني أنصحك أن تعمل كذا وكذا يا أخي لأنه كذا وكذا. فيقوم الآخر فيقول له ماذا أيضًا إكمالًا للتمثيلية: بارك الله فيك يا أخي، بارك الله فيك.

النصيحة الظاهرية غير المبنية على أساس تربوي وتحولها إلى صورة كاريكاتيرية

هذا تضييع لدين الله، وهذا نصح صحيح [في ظاهره فقط]، نصيحة ظاهرية غير مبنية على أساس؛ ليست لديه الملكة للأداء، وإنما بصورة يمكن أن نسميها كذلك بلغة العصر صورة كاريكاتيرية.

والآخر تمادى معه لأنه سمع أنك يجب أن تسمع النصيحة ويجب أن تقبلها، وهو قلبه لا يقبلها ولا يفهمها ولا هو يريدها. وقال له: أنا أنصحك في الله، كأنه يهدده بأن إياك ألا تقبلها لئلا تدخل النار! والآخر يقول له: بارك الله فيك يا أخي، بارك الله فيك.

وليس هذا نصحًا وليس هذا قبولًا للنصيحة؛ فهذه نسميها الظاهرة الصوتية شكلًا.

ضرورة بناء منهج تربوي حقيقي لإنشاء قابلية العطاء والأخذ في النفوس

أما القضية [الحقيقية]، لا القضية [الشكلية]، فعليك أن تجلس وتفكر بأنك تريد أن تبني منهجًا تقول هكذا.

طيب، كيف أُنشئ في الإنسان قابلية العطاء؟ ادرس إذن وجرّب، وقل أين البرنامج الذي تستطيع أن تربي فيه ابنك وتكون منتبهًا إلى أنك تربيه على قابلية العطاء؟ وأين البرنامج الذي لا بد عليك أن تجعله أيضًا قابلًا للأخذ والتلقي؟

قابلية، قابليات تحدث عنها علماء الحكمة العالية وتحدث عنها علماء الكلام، لكنها لما انفصلت عن سياقاتها أصبحت تعني مجرد أيضًا ظاهرة صوتية كما مثالنا هكذا. الأمر ليس كذلك.

إرشاد القرآن إلى بعث حكم من خارج المشكلة لتحقيق الحياد والعدل

أين إذن هذه القابليات وكيف نعملها؟ يجب أن نعمل، يجب أن نفكر. إنما القرآن ماذا يفعل؟ يهدينا ويقول لنا:

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا﴾ [النساء: 35]

الإرسال، ابعثوا يعني أرسلوا، والإرسال هنا معناه الانتقال. فابعثوا يعني أن هؤلاء الناس يجب أن يكونوا من الخارج وليس من الداخل.

فابعثوه، هذه فيها نوع من أنواع الانتقال؛ يعني أنه سينتقل. وهذا سببه أن ذلك أجدر لعدم التحيز تمامًا؛ الذي داخل المشكلة يكون متحيزًا لأحد الطرفين لثقافته لمفاهيمه، تمامًا [بينما الذي] خارج المشكلة يجب أن يكون أبعد عن التحيز.

الفرق بين الحكم من داخل المشكلة والحكم من خارجها في تحقيق العدالة

الذي داخل المشكلة تمامًا يكون مع تحيزه أي عاطفي، لكن الذي خارجها يكون عقلانيًا. الذي داخل المشكلة تمامًا يكون طرفًا فيها، لكن الذي خارجها محايد.

ولنجلس إذن ونتخيل عندما يكون الحكم من داخل المشكلة وعندما يكون الحكم من خارجها. نحن قلنا ثلاثة أشياء فحسب، ولكن لا؛ فإنك ستجدها عشرين شيئًا بالبحث والعلم والتأني وتوليد المعلومات وتطبيقها ومحاولة الجمع والتراكم المعرفي.

هذا الكتاب [القرآن الكريم] من عند الله، وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.