سورة النساء | حـ 639 | 35 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يرشدنا الله في سورة النساء إلى كيفية رعاية الأسرة وتجنب الشقاق من خلال الآية "وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها".
- •كان سيدنا عمر رضي الله عنه يرى أن ضمير "يريدا" يعود إلى الحكمين، مؤكدًا على أهمية إخلاص نيتهما في الإصلاح.
- •من واجبات الحكمين الإخلاص في السعي للإصلاح دون التشفي أو نشر عورات الأسرة أو زيادة المشكلة.
- •إذا أراد الحكمان الإصلاح بصدق، وفقهما الله ببركة يجعلها في عملهما.
- •البركة موروثة في الأمة من النبي صلى الله عليه وسلم، عرفها من عرفها وحرمها من حرمها.
- •كان سيدنا عمر يتابع الحكمين، يشجعهم إن نجحوا ويلومهم إن فشلوا.
- •عملية الإصلاح ليست للمشكلة الحالية فقط، بل للوقاية من المشكلات المستقبلية.
- •الحكمان المخلصان يؤثر كلامهما في قلوب الزوجين، فيذكرانهما عند وقوع أي خلاف لاحق.
مقدمة في سورة النساء وإرشاد الله لرعاية الأسرة من الشقاق
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، والله سبحانه وتعالى يرشدنا كيف نراعي الأسرة ونقوم من احتمال شقاقها ونعطف عليها، فيقول:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَٱبْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ﴾ [النساء: 35]
وكان سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه يجعل الضمير [في قوله تعالى: "إن يريدا"] عائدًا إلى الحكمين؛ لأن من ضمن واجبات الحكمين إخلاص النية.
واجبات الحكمين وإخلاص النية عند الإصلاح بين الزوجين
فأنت ذاهب في لجنة التحكيم ليس لكي تعرف عورات هذه الأسرة، ولا لإخبارها، ولا للشماتة فيهم، ولا لتزيد النار اشتعالًا، ولا للسخرية منهم والتعالي عليهم، ولا أي شيء من هذا.
إذا كنت ذاهبًا لوجه الله مخلصًا تريد فعلًا أن تصلح بينهم، وعندما يا أخي يصطلحون تفرح والسرور يدخل قلبك وتشعر بنجاحك، وعندما لا يصطلحون تضطرب وتبقى منكسرًا وتشعر أن الله سبحانه وتعالى غير راضٍ عنك وأنك لست أهلًا لأن تكون سببًا [في الإصلاح].
القلق والجدية سبب نجاح الحكمين في مهمة الإصلاح
أي قلق، نعم، الذي يذهب وهو قلق ينجح. عندما تسأل هكذا جميع الناجحين في أداء أعمالهم: أنت لماذا ناجح حتى الآن؟ يقول لك: لأنني أذهب بجدية هكذا وبقلق.
الآن لست أذهب باستهانة وأذهب أي شيء، أيًّا ما يكن ما يكون الذي يكون، لا! هذا حريص على النجاح.
﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ﴾ [النساء: 35]
هذا شرط الحاكم [أي الحَكَم]؛ هو الذي إذا أراد إصلاحًا تمّ.
البركة موروثة في الأمة من رسول الله ومن عرفها ومن أنكرها
نعم، عن طريق ماذا إذن؟ عن طريق البركة التي كثير من الناس ينكرونها ولا يعرفونها إطلاقًا ولا يعرفونها، لم يروها. والبركة موروثة في الأمة، البركة موروثة من سيدنا رسول الله ﷺ في الأمة معنا هكذا، هو عرفها من عرفها وحُرمها من حُرمها.
وإذا قال لي أحد: يعني أن الذي ليس عنده بركة لا يكون مسلمًا؟ أقول له: لا، مسلم ولكن إيمانه ناقص هكذا، لم يتذوق في قلبه البركة ولم يرها. والذي رآها والله عندما تفعل له شيئًا، فهو قد رأى البركة فعرف ما معنى البركة.
حقيقة البركة في الطعام والشراب والحياة وأثرها على الناس
أليست هذه البركة من العقلية الخرافية؟ أنت حر أن تحبس نفسك. هل هناك شيء يسمى البركة؟ نعم، في شيء يسمى البركة، نعم يوجد يُمن وبركة في الطعام وفي الشراب وفي الحياة.
الله يسترها معنا! انظر إلى كلام الناس الحكماء، يقول لك: الله يسترها معنا، أي ما معناه صحته جيدة وأولاده نشؤوا وتعلموا وتزوجوا هكذا بسهولة هكذا هو. والثاني لا، ابنه أصبح مدمنًا وهذه مصيبة ولا أعرف ما حدث.
شيء كهذا دعونا لا نقوله مع هذه البركة الحلوة، هذه بركة عرفها من عرفها وأنكرها من أنكرها.
صفات سيدنا عمر الجسدية وهيبته في تعليم الناس بحزم وقوة
فكان سيدنا عمر [رضي الله عنه]، كان سيدنا عمر وهو يعلم الناس يعلمهم بحزم كهذا بقوة، هي طبيعته كذلك.
طوله ثلاثة أمتار، وكان أحول وأصلع، ويكتب بيده اليمنى واليسرى، أيسر أعسر [أي يستخدم كلتا يديه]. سيدنا عمر وهو يمشي يُرى من وراء السور كأنه راكب فرسًا وهو يمشي على قدميه! فكان شيئًا عظيمًا، يعني شيئًا عظيمًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
متابعة سيدنا عمر للحكمين ومحاسبتهم على نتيجة الإصلاح
فيأتي [سيدنا عمر] عندما يذهب الحكمان ليصلحا، بعثناهم يترصدهم؛ فإن حصل صلح يقول لهم: جزاكم الله خيرًا، وإن لم يحصل [صلح] يجري وراءهم بالدُّرَّة لكي يضربوا على كتفهم هكذا ويقولوا لهم: لماذا لم تريدا إصلاحًا؟!
والله يعني كأنه كشف ما في قلوبهم، قال: أنا أصدّق الله، انتهى. ولكنه حمل الآية [والضمير فيها] على الاثنين الحكمين.
الخلاف في عود الضمير في الآية هل هو للحكمين أم للزوجين
في حين أن أناسًا آخرين قالوا: لا، نجعلها [أي الضمير] على الزوجين؛ هما أصحاب المشكلة، "إن يريدا إصلاحًا" [أي الزوجان]. يعني قال [بعض العلماء]: لا، الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور هو الحكمان فيكونان هما اللذان [يُراد بهما في الآية].
والله يعني أنك تريد أن تقول إن هناك شيئًا يسمى دعاء، نعم والله يوجد دعاء. تريد أن تقول إن هؤلاء الناس إخلاصهم ونيتهم وأنهم ذاهبون محترقين من قلوبهم من الداخل على أن يصلحوا، هذا سيؤثر [أي في المشكلة]؟ نعم والله وسيؤثر في الكلام الذي يصدر منهم.
أثر إخلاص الحكمين في تغيير قلوب الزوجين كالمعونة الطبية
فإذا نزل [هذا الكلام المخلص] إلى قلب الرجل والمرأة أصحاب المشكلة يهديه وينوره ويغيره، نعم. ما هو معونة! ما هو محتاجون إلى معونة!
هذا نحن أحيانًا نحتاج إلى معونة طبية نذهب فيها إلى الطبيب، ما ينفع الوقاية انتهى، هذا نزل بي المرض يجب أن آخذ دواءً وأذهب إلى الطبيب وأقول له أي أحرص على نفسي هكذا، فقال لي: لا، هذا أنت تحتاج إلى معونة طبية تتدخل؛ فقد وصلت إلى حالة تحتاج فيها إلى معونة.
فأنتم وصلتم إلى حالة تحتاجوا فيها إلى معونة حتى ينزل الكلام على قلوبهم.
دور الحكمين في حل المشكلة الحالية والتمهيد لوقاية مستقبلية
طيب وماذا يفعل [الحَكَم]؟ يحل المشكلة، ونمرة اثنين يمهد للمستقبل ألا تحدث هذه المشكلة مرة أخرى.
كلام الحكمين يرنّ في أذني الزوجين، وكلما ستحدث مشكلة سيتذكران أن يقولا: لا، هذا أنا مخطئ، هذا أنا مخطئ، هذا خطئي، وينهيان القضية.
فنجد أن الحكمين عندما ذهبا أول مرة بإخلاص وبكلام طيب حلّا المشكلة وأوجدا وقاية من الوقوع في المشكلات في المستقبل. إذن هذه عملية ليست للحل الآني فقط، الآن وحسب، بل الحل الآن والحل المستقبلي.
تحذير سيدنا عمر للحكمين بإصلاح النية والخاتمة بحديث النيات
﴿إِن يُرِيدَآ إِصْلَـٰحًا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيْنَهُمَآ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: 35]
هذا الذي جعل سيدنا عمر [رضي الله عنه] يقول: هؤلاء هم الحكمان؛ إن الله كان عليمًا بما في قلوبكم فاحرّروها! لا تذهبوا تفسدوا أكثر مما تفسدون، الحكاية فاسدة فلا تكن أنت عبئًا خارجيًّا على المسألة تضيّعها.
الله عليم وخبير بك، فأصلح النية.
قال رسول الله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»
وإلى لقاء آخر، أستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
