سورة النساء | حـ 621 | 27-28 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تفسير الآية "والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما" يكشف عن إعجاز قرآني في التحذير من دعوات هدم نظام القرابة.
- •المدارس الحداثية تدعو لتقويض هيكل العلاقات الأسرية الذي شرعه الله، وتروج للشذوذ وتسميه من حقوق الإنسان.
- •هذه الدعوات تمثل انحرافاً عظيماً لم يقل به أحد من العقلاء عبر التاريخ، حتى قوم لوط كانوا يعلمون أن فعلهم منكر.
- •اتباع الشهوات بلا ضوابط يؤدي إلى انهيار الاجتماع البشري واختلال العلاقات الإنسانية وشيوع الفساد الأخلاقي.
- •تخفيف الله عن عباده يكون بالتشريع المتوازن، وليس باتباع الشهوات الذي يظنه البعض تخففاً بينما هو أشد مشقة.
- •الانفلات من الضوابط الشرعية يؤدي إلى اختلال المعايير وانهيار القيم وانتشار الأمراض والضعف.
- •ضبط الشهوات هو الأيسر حقيقةً، بينما انفجارها من غير ضابط يؤدي بالإنسان إلى داهية تضغط عليه.
مقدمة تلاوة آية سورة النساء وبيان طريقتي فهمها في السياق والاستقلال
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]
وهذه الآية كسابقتها، إما أن نفهمها في السياق، وإما أن نفهمها في دلالة الاستقلال. فإذا فهمناها في السياق؛ فهذه [الآيات] تتحدث عن المحرمات وعن هيكل القرابة الذي رسمه الله سبحانه وتعالى لنا.
المدارس الحداثية ودعوتها إلى هدم نظام القرابة والانحراف عن الفطرة
وتكون هذه الآية لها معنى مع بعض المدارس الحداثية التي تدعو إلى هدم نظام القرابة بالكلية؛ حتى يسير الإنسان وكأنه من الأنعام بل أضل سبيلًا، حيث يتزوج أمه أو ابنته أو خالته أو عمته، أو لا يتزوج، أو يتزوج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة.
في مثل هذا الهراء الذي عمّ العالم؛ حتى ظهر من يقول بالدفاع عن الشواذ وأن ذلك من حقوق الإنسان.
إعجاز القرآن في التنبؤ بانحرافات لم تعرفها البشرية حتى قوم لوط
وبهذا تصبح الآية معجزة متتالية من معجزات الكتاب الكريم؛ فإن هذا الهراء لم يقل به أحد في العالمين عبر تاريخ البشرية.
حتى قوم لوط كانوا يرتكبون الفاحشة وهم يعلمون أنها منكر، ولم يدّعوا أن يتزوج الرجل بالرجل، ولم يدّعوا أن تتزوج المرأة بالمرأة؛ لأن هذا لم يخطر في أذهانهم، إنها إلا شهوات يُشبعونها ومنكر يفعلونه.
دعوى التساوي المطلق بين الرجل والمرأة في مدارس ما بعد الحداثة
أما أن يتحدثوا حتى يتساوى الرجل بالمرأة في ظنهم الفاسد الكاسد بالتساوي الخَلقي، وبالتساوي الذهني، وبالتساوي الذي يسمونه الصفحة البيضاء في مدارس ما بعد الحداثة؛ فهذا لم يقل به أحد من العقلاء عبر التاريخ.
فإذا كان قد قيل [في زماننا]؛ فإن هذه الآية وهي تقول:
﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]
تكون معجزة للقرآن الكريم من معجزاته المتتالية التي نتوقعها [في] الواقع المعيش وعلى الأخبار المتتالية.
الأمر الرباني بالتمسك بالحق وعواقب الانحراف العظيم عن الجادة
فإذا بنا أمام كلام رباني يأمرنا أن نتمسك بالحق، وأن نتمسك بأوامر الله، وأن نكون في ظل الرحمن سبحانه وتعالى.
وإلا فإن النتيجة أن هذا [الانحراف] سيكون فيه انحراف عظيم عن الجادة وعن الصواب. والانحراف العظيم يؤدي إلى:
- دمار الاجتماع البشري.
- اختلال العلاقة البينية بين الناس.
- الأمراض والخروج عن القانون.
- انهيار الانتماء الوطني.
- شيوع الفساد الأخلاقي.
- اختلال المعيار الذي به القبول والرفض.
ويؤدي بالإنسان إلى نظام لا يطيقه؛ فالضعيف ينتحر والقوي يتجبر، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
تداعيات انهيار النظام الرباني وصورة سوداء تملأ الأرض اضطرابًا
نظام [رباني] لو جلست تتفكر في تداعيات انهياره؛ فسوف تصل إلى صورة سوداء وإلى بلاء أحمر يملأ الأرض اضطرابًا وحربًا، لا يملؤها أبدًا سلامًا ولا حبًّا.
حتى في الحياة التي يدعو إليها اتباع الشهوات؛ فنحن نضبط الشهوات من أجل حبنا للحياة. أما هؤلاء فإنهم سوف يميلون بنا ميلًا عظيمًا سنغرق [فيه].
الله يريد التوبة والتخفيف ومتبعو الشهوات يريدون الميل العظيم
والله يريد أن يتوب عليكم بما شرع ووضع وبيّن وهدى:
﴿وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]
حسنًا، وبعد ذلك عندما سنميل ميلًا عظيمًا لا نميل [أي لا نستطيع التوقف].
بعضهم يقول هكذا: لا نميل في أي شيء، لا نميل! [أي يرفضون كل التكاليف].
﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: 28]
هذا النظام الرباني هذا هو الأخف. والميل العظيم هذا سيضغط عليك حتى تموت، لا [بل] تنتحر، حتى تنتهي الحياة. هذا صعب جدًّا.
ضبط الشهوات هو الأسهل وانفجارها يؤدي إلى نار الدنيا قبل الآخرة
انتبه! إن اتباع الشهوات وانفجارها ليس هو الأسهل؛ هذا الأسهل هو ضبطها. أما خروجها من غير ضابط ولا رابط؛ فإنه يؤدي بالإنسان -يعني يؤدي بالإنسان- إلى داهية تضغط عليه، تجعله في نار جهنم وهو حيّ.
﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: 28]
ضع يدك على الحكاية! أنت يا من تريد اتباع الشهوات، لماذا؟ قال [أحدهم]: دعها، نتخفف هكذا، نتخفف. من ماذا [نتخفف]؟ من التكاليف.
معنى التكليف الشرعي وأمثلة على المشقة التي يدعو البعض للتخفف منها
تكليف يعني أمر فيه مشقة. الذي يجعلنا نستيقظ في الصباح ونتوضأ والدنيا باردة، ونذهب نقاوم النعاس لكي نصلي، ما هذا؟ تكليف. والتكليف ما هو؟ مشقة.
[يقول أحدهم:] لا تريد المشقة؟ خفّف يا أخي! ها نحن قد أصبحنا أم لم نُصبح، لا يحدث شيء أخير [أي لا فرق عندهم].
والذي يجعلني أرى الخمر أمامي هكذا وأمتنع عنها، والذي يجعلني أرى الزنا أمامي وأمتنع عنه، [يقولون:] ما دمتَ راضيًا وهي راضية، فما شأنك أنت؟ أأنت قاضٍ؟ كانوا يقولون هكذا قديمًا.
التخفيف الحقيقي هو ما شرعه الله والإنسان خُلق ضعيفًا
[يقولون:] اللهم خفّف يا أخي، خفّف. من أي شيء [تريد التخفيف]؟ من يجيب على هذا الأمر؟ ما سيُقال عندما تأتي لتناقش: ماذا تريد؟ [يقول:] أنا أريد أن أتخفف قليلًا.
قال [الله تعالى]:
﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]
هذا هو التخفيف [الحقيقي]! وخُلق الإنسان ضعيفًا. أنت تتعامل مع ماذا [تتعامل مع طبيعتك الضعيفة]؟
الالتفات إلى الواقع والتجربة في فهم طبيعة الشهوات وعدم إشباعها
وهنا لافت للنظر إلى اعتماد الواقع. نحن مرة هناك في الآية [السابقة] قلنا لافت للنظر إلى التجربة التاريخية؛ يجب أن تجعل التجربة التاريخية حاضرة لديك. هنا لافت للنظر إلى الواقع.
أنت تتعامل مع من؟ مع شخص [أي النفس البشرية] عندما يرتكب الشهوات، هل سيسكت أم ستزيد لديه؟ ثم لو زادت فإن أعطيناه إياها، هل سيبتهج أم جسمه سينهار؟ أم سيُصاب بالأمراض وبالضعف؟
خاتمة الحلقة وبيان أن الفهم في الاستقلال سيكون في لقاء قادم
﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَـٰنُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]
كل هذا إذا ما فهمناه في السياق. وفي حلقة أخرى سنفهمه في الاستقلال إن شاء الله.
فإلى اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله.
