سورة النساء | حـ 606 | 22 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يُبين القرآن في سورة النساء هيكل القرابة الذي يمثل الأساس الثاني في الاجتماع البشري بعد العلاقة بين الرجل والمرأة.
- •تنشأ القرابات من الزواج فيظهر الأبناء والبنات والأخوة والأخوات والأجداد والأعمام والأخوال.
- •دعاة ما بعد الحداثة يريدون هدم هذه الخريطة للقرابة، متسائلين عن فائدتها، متجاهلين أن الله وضع فيها الحلال والحرام.
- •يهدف هؤلاء لإلغاء سلطة الوالدين التوجيهية للأبناء، مما سيحول الاجتماع البشري إلى ما يشبه الغابة.
- •يقول الله تعالى: "ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء"، فتحرم زوجة الأب على الابن.
- •اختلف الفقهاء في تفسير النكاح؛ فأبو حنيفة يرى أن الرجل إذا وطئ امرأة ولو بالزنا تحرم على ابنه.
- •الشافعي يرى أن الحرام لا يحرم الحلال، فالزنا لا يمنع زواج الابن من تلك المرأة.
- •المذاهب الفقهية المختلفة تمثل مرونة الدين وقابليته للتطبيق في مختلف المجتمعات والأزمنة.
مقدمة حول هيكل القرابة باعتباره الأساس الثاني للاجتماع البشري
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يرسم لنا هيكل القرابة. وهيكل القرابة هو الأساس الثاني في الاجتماع البشري؛ الأساس الأول هو العلاقة بين الرجل والمرأة، والأساس الثاني هو هيكل القرابة.
كيف تتشكل خريطة القرابة من العلاقة بين الرجل والمرأة
عندما تزوج الرجل امرأةً فأصبحت زوجةً وزوجًا، أنجبا ولدًا وأنجبا بنتًا، فأصبح ابنٌ وبنتٌ. وحدث في هذا المكان أخٌ وأختٌ؛ الولد والبنت أخٌ وأختٌ.
وهذان عندما تزوجا [أي: كلٌّ منهما تزوج من خارج الأسرة] أصبح هناك جدٌّ وجدةٌ من ناحية الأم ومن ناحية الأب، وأصبح هناك عمٌّ وعمةٌ، وأصبح هناك خالٌ وخالةٌ.
هذا كله من العلاقة بين الرجل والمرأة بدأت تترسم خريطة للقرابة.
دعوات ما بعد الحداثة لهدم خريطة القرابة والرد عليها
هذه الخريطة الآن يريدون هدمها. يقولون لك: ماذا؟ لماذا نسير على هذه الخريطة؟ قلنا لهم: نسير على هذه الخريطة.
يريدون الآن في مذاهب كذلك تُسمى ما بعد الحداثة أن يهدموا هذه القرابة التي أنشأها الله. يقولون: ما لزومها هذه القرابة؟ لزومها إنه يجب أن يكون هناك حلالٌ وحرامٌ؛ لأن الله قد حرّم أن يتزوج الأخ من أخته، والولد من عمته أو من خالته أو من أمه أو من ابنته. سينهدم كل هذا [لو أُلغيت القرابة].
هدف دعاة هدم القرابة إلغاء السلطة الأبوية وتربية الأطفال بلا ضوابط
قلنا لهم: حسنًا، وبعد ذلك ستنهدم القرابة، فما هدفها؟ قال [أصحاب هذه الدعوة]: كي لا يوجد سلطة أبوية أو أمومية، ولا يضربان الأطفال ويرشدوهم إلى الصواب، فالولد ينشأ حرًّا هكذا.
ما هذا الجنون؟ هذا جنون! في جميع الأديان أنزل الله فيها القرابة، طبعًا بكيفيات مختلفة.
تطور أحكام القرابة عبر الأديان من اليهودية إلى الإسلام
يعني كان مثلًا في اليهودية الأولى كان الرجل يتزوج من عمته جائزًا، وبعد ذلك حُرِّم. إلى أن وصلنا إلى الإسلام؛ يعني كان في أيام سيدنا آدم عليه السلام كان الولد يتزوج من أخته، وهكذا.
فربنا هنا يعطينا أساسًا لبناء هذه القرابة التي يريدون الآن أن يمحوها. يقول لك: ما رأيك أن نلغيها؟ لا ينفع! لا يستقيم الاجتماع البشري [بدون هيكل القرابة].
تحول المجتمع البشري إلى غابة بلا انتماء إذا أُلغيت القرابة
يتحول الاجتماع البشري إلى شيء هكذا شبيه بالغابة؛ لا فيها انتماءٌ، ولا فيها وطنيةٌ، ولا فيها دفاعٌ عن المقدس، ولا فيها إنسانيةٌ، ولا يوجد فيها أي شيء. فيصبحون مثل الحيوانات، بل الحيوانات تكون أفضل؛ لأن الحيوانات ليس فيها مراعاة قرابة وليس فيها هيكل القرابة هذا، ولكن عندنا [نحن البشر] يوجد.
تحريم نكاح زوجة الأب في القرآن الكريم سواء كانت الأم أو ضرتها
فقال [الله تعالى]:
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 22]
فيصبح محرّمًا عليّ زوجة الأب. زوجة الأب هذه قد تكون أمي؛ ما هي [إلا] أمي زوجة أبي، وقد تكون ليست أمي بل ضرتها؛ لأنها أيضًا زوجة أبي.
يبقى إذن لمّا جاء هنا [النص القرآني] حرّم أيّ واحدة تزوجها أبي.
لماذا استخدم القرآن لفظ النكاح بدل الزواج في آية تحريم زوجة الأب
طيب، هنا:
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 22]
لم يقل: "تتزوجوا ما تزوج آباؤكم من النساء"، لماذا؟ وقال: ﴿وَلَا تَنكِحُوا﴾؟ قال لك: النكاح في اللغة يُطلق على العقد ويُطلق على الوطء؛ يُطلق على العقد ويُطلق على اجتماع الرجل مع المرأة [أي: الوطء].
مذهب أبي حنيفة في تحريم المرأة على الابن إذا وطئها الأب ولو بالزنا
أبو حنيفة قال: الرجل وطأ امرأةً ولو في الزنا تحرم على ابنه. رجلٌ زنى مع امرأة، الولد أراد أن يتزوج هذه المرأة [التي] تابت إلى الله ويريد الولد أن يتزوجها.
فلا يصلح! لماذا لا يصلح؟ ما هو أبوه وطأها، فيكون "نكح" هنا معناها ماذا؟ وطأ.
مذهب الشافعي في أن الحرام لا يحرم الحلال وأثره في صحة الزواج
الشافعي قال: لا، الحرام لا يحرّم الحلال. الحرام هذا شيء ضعيف والحلال هذا شيء قوي، فالضعيف لا يغلب القوي.
ولذلك رجلٌ -والعياذ بالله تعالى- زنى بامرأة وأراد ابنه أن يتزوجها، فتزوجها، فزواجه صحيح عند من؟ عند الشافعية ومن وافقهم من الجمهور.
أما أبو حنيفة فلا؛ قال إن هذا الزواج باطل.
تطبيق مذهب أبي حنيفة في مصر في مسألة تحريم مزنية الأب على الابن
لدينا في مصر هنا نسير على مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة. ولو أن رجلًا اعترف بهذا الزنا لدى المأذون، فإن المأذون يرفض أن يزوّج الرجل ابنه لهذه المرأة؛ هذه مزنية أبيه.
سبب اختلاف الأئمة في الأحكام ومرونة الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان
يكون النكاح هذا سبب أن الأئمة يختلفون هكذا؛ لأن المجتمعات تختلف. المجتمعات تختلف، أصل هذا دينٌ للعالم كله.
يمكن في مكان نطبّق أبا حنيفة، وفي مكان نطبّق الشافعي، وفي مكان نطبّق مالكًا، وفي مكان نطبّق الأوزاعي، وفي زمن نرجع للطبري. الدين جميلٌ ومرنٌ وسهلٌ ومُطبَّقٌ في كل العالم في كل زمان.
حكمة استخدام لفظ النكاح بدل التزوج لإتاحة الاختلاف الفقهي ومبدأ فورية القوانين
ولذلك الكلام موزون. لماذا لم يقل: ﴿ولا تتزوجوا﴾؟ آه، لأنه لو قال "ولا تتزوجوا" يبقى هو العقد فقط، ولكن هنا ﴿وَلَا تَنكِحُوا﴾ يبقى يمكن أن نختلف. إذن فجاء الاختلاف هنا.
﴿وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ﴾ [النساء: 22]
وبعد ذلك يقرّر مبدأً عامًّا يعرّفنا به كيف نضع القوانين وكيف نتعامل معها وكيف نتصرف في الأمر، فيقول:
﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: 22]
التي نسميها الآن فورية القوانين. هذه سنشرحها في حلقة قادمة إن شاء الله.
فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
