سورة النساء | حـ 595 | 13-14 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يبين الله تعالى في سورة النساء نظام الميراث وأحكامه، ويحذر من التلاعب بشرعه بقوله: "تلك حدود الله".
- •الحدود هي الخط الفاصل بين ما هو لله وما هو لغير الله، والخروج عنها يصل إلى حد الشرك.
- •عندما سمع الصحابة "تلك حدود الله" كانت كلمة حاسمة تركوا بها ما كانوا عليه من ظلم للضعفاء والنساء والعبيد.
- •وعد الله المطيعين بجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، وذلك هو الفوز العظيم.
- •توعد المعرضين عن حدوده بالنار والعذاب المهين الذي قد يكون في الدنيا قبل الآخرة.
- •من يتعدى على الميراث ويظلم النساء واليتامى والضعفاء فإنما يأكل في بطنه ناراً.
- •الواجب على المسلمين تقوى الله وجعل أعمالهم خالصة له، رجاء ثوابه وتصديقاً لوعده.
مقدمة في سورة النساء وأمر الله بعدم التلاعب بنظام الميراث
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى بعدما ذكر نظام الميراث وذكر كيف نوزّع التركة ومن المستحق، وبيّن لنا البيان ووضع لنا القواعد والأسس؛ يقول تعالى وهو يأمرنا أمرًا واضحًا مباشرًا لا لبس فيه بعدم التلاعب بشرعه وعدم إيقاع الظلم بالناس.
معنى حدود الله والخط الفاصل بين طاعة الله والشرك
﴿تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ﴾ [النساء: 13]
وكلمة «حدّ» معناها الخط الفاصل، وإذا كان هناك خط فاصل بين ما هو لله فإن ما وراء ذلك الخط يكون لغير الله.
تلك حدود الله، كلمة في ظاهرها بسيطة وفي عمقها شديدة؛ يصل الأمر فيها إلى الشرك والعياذ بالله تعالى. من هذا الذي يريد أن يخرج عن نطاق حدود الله إلى حدود غير الله؟ وغير الله يعني ماذا؟ يعني شرك، تعبد من؟ ما هذا؟
أثر كلمة تلك حدود الله في نفوس الصحابة والعرب المؤمنين وغيرهم
تلك حدود الله، الصحابي من هؤلاء والعربي المؤمن وغير المؤمن عندما يسمع الكلام هذا «تلك حدود الله» أصبحت مسألة منتهية.
تلك حدود الله غيّرت النظام الاجتماعي العربي مما ورثوه، إلى أن قال [الله سبحانه وتعالى]: هذه هي حدود الله، أي اتركوا ما أنتم عليه. والذي هم عليه ما هو؟ ظلم الصغير وظلم الفقير وظلم الضعيف وظلم المرأة وظلم العبيد وهكذا.
فبعد أن رسم [الله سبحانه وتعالى] هذا [النظام] قال: تلك حدود الله، انتهى. هذه كلمة أنا أتصور هكذا كيف أثّرت في الصحابة الكرام الذين سمعوها وكيف [استجابوا لها].
حرية الاختيار في الإسلام وموقف من يرفض حدود الله
وعلى فكرة، يمكن أن تؤثر هذه الكلمة في العربي فيفهمها فتمنعه من الإسلام، تمنعه من أن يدخل الإسلام؛ لأنه يقول له: ما قلته هو حدود الله، أيعجبك أم لا يعجبك؟ فقال: لا يعجبني. فقال له: سيتأخر هكذا عن الإسلام، هكذا لن يدخل الإسلام.
فهذه حرية:
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]
تلك حدود الله، ومن يطع الله ورسوله، ما هو [المعنى]؟ أول ما قال له «تلك حدود الله» فيبقى معناها ماذا؟ اختر: أتريد أن تؤمن أم لا تريد أن تؤمن؟
الترغيب في طاعة الله بدخول الجنات والفوز العظيم
طيب، لا تريد [أن تؤمن]؟ أقول له: اذهب. فقال له ماذا؟
﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَـٰرُ خَـٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ﴾ [النساء: 13]
ففكّر قليلًا هكذا وقل: أعطني قضية أخرى، فأنا أعلم أن هناك ربًّا وأعلم أنه نبي، وأصبحت المسائل هكذا مسائل دنيوية؛ أنني أرفض حدود الله لمصلحتي لشهوتي لمنفعتي. في مقابل ماذا أترك كل هذا؟
قال له: نعم، في مقابل جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. وعلى فكرة، ليس خالدًا فيها هكذا يعني مثل الدنيا، لا! ذلك الفوز العظيم، هذا أنت الذي تكسب.
انقسام البشر بين من ينحاز لحدود الله ومن يعصي ويختار العاجلة
فمن البشر بعد التفكر والتدبر ينحاز إلى حدود الله ويدخل عن قناعة إلى دائرة أمر الله سبحانه وتعالى، وما زال بشر خارجين أيضًا، لا فائدة.
قوم يقول [لهم]: نعم،
﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: 14]
انظر إلى الحلاوة [في الأسلوب القرآني]: رغّب ثم رهّب، أولًا عرض وبعد ذلك رغّبهم للدخول، فدخل قوم بالتأكيد ولم يدخل آخرون.
قال [أحدهم]: يا هذا، العاجلة أحسن من الآجلة، وها نحن هنا نأخذ أموالنا ونظلم وكل شيء ما دمنا أقوياء، وحكاية الجنة والنار هذه لم نرها بعد، ما دمنا لم نرها فماذا؟ نؤخرها قليلًا.
وعيد الله لمن يعصيه ويتعدى حدوده بالنار والعذاب المهين
قم، يقول له ماذا؟
﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14]
هذا يهزّه، هذا يزلزله من الداخل. انظر إلى الكلام، قم واحد يأتي يقول: يا عمي بالله، هذا [الدين] دائمًا يقول لك «له عذاب مهين، له عذاب مهين، له عذاب»، لم يقل [الله] هكذا!
بل قال:
﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّـٰتٍ﴾ [النساء: 13]
وظلّ يصف لنا هذه الجنات، وبعد ذلك قال:
﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: 14]
أي مجرم [هذا الذي يفعل ذلك]! قال: له عذاب مهين.
الرد على من ينتزع آيات الوعيد من سياقها ويصف الدين بالقسوة
ولكن هكذا انتُزعت الكلمة من سياقها كله وتقول إن ربنا قال إن له عذابًا مهينًا، وهذا ربنا هذا الذي تتبعونه قاسٍ؟ حاشا لله!
ما قال [الله] هذا [وحده]، بل قال لنا إنه سيدخلنا الجنة، فقط أن نعبد [الله]. من قال لنا سيدخلنا الجنة؟ فقط أن نطيع [الله]. قال لنا سيدخلنا الجنة وسيُكسبنا وسيُربحنا، فقط ألّا نظلم الناس.
وبعد أن قال هذا كله، لا تزال طائفة من البشر مصمّمة إلا وأن تُفسد في الأرض، فقال:
﴿وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ [النساء: 14]
الفرق بين المعصية الذاتية والتعدي على حقوق الآخرين وعقوبتهما
يبقى في معصية هذه ذاتية، وفي تعدٍّ وهذا متعدٍّ في الأذية للآخرين.
﴿يُدْخِلْهُ نَارًا خَـٰلِدًا فِيهَا﴾ [النساء: 14]
حسنًا، يدخله نارًا هذا يوم القيامة.
﴿وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [النساء: 14]
قال بعض العلماء: والعذاب المهين لا يختص بالآخرة، فإنما قد يكون في الدنيا وقد يكون في الآخرة.
العذاب المهين في الدنيا لمن يظلم في الميراث والخاتمة
ولذلك من يأكل الميراث ويظلم النساء ويظلم الضعفاء ويظلم اليتامى في الميراث، فإنما يأكل في بطنه نارًا، وله في الدنيا قبل الآخرة عذاب مهين.
وهذا ما نراه في واقع الناس.
فاتقوا الله أيها المسلمون، واجعلوا عملكم كله خالصًا لله رجاء ثوابه وتصديق وعده.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
