سورة النساء | حـ 601 | 17 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يتحدث القرآن في سورة النساء عن التوبة وشروطها، حيث يقول تعالى: "إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب".
- •أركان التوبة تشمل الإقلاع عن الذنب والندم عليه والعزم على عدم العودة إليه، وإذا كانت المعصية متعلقة بحقوق الآخرين، يجب رد الحقوق لأصحابها.
- •المبادرة والسرعة في التوبة "من قريب" أمر حاسم لقبولها، كما قال تعالى: "فروا إلى الله" و"سارعوا إلى مغفرة من ربكم".
- •التأخر في التوبة يشبه تأخير تناول الدواء الذي يؤخر الشفاء ويضاعف المرض.
- •التوبة السريعة تنفع في الضبط الاجتماعي وفي الصحة النفسية والجسدية للإنسان وفي علاقته مع الله.
- •القرآن منهج متكامل في التوبة وفي الاجتماع البشري والصحة، ونتيجة التوبة السريعة "فأولئك يتوب الله عليهم".
- •وختم الله الآية بقوله: "وكان الله عليماً حكيماً" إشارة إلى حكمة سرعة التوبة.
مقدمة حول تجديد الإيمان والتوبة في سورة النساء
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يفتح لنا أبواب التوبة والرحمة والمغفرة والأمل في تجديد العلاقة معه، وفي تجديد الإيمان الذي أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:
قال رسول الله ﷺ: «جدّدوا إيمانكم، قالوا: كيف نجدّد إيماننا يا رسول الله؟ قال: قولوا لا إله إلا الله»
فالإنسان عندما يقول لا إله إلا الله يبدأ صفحة جديدة مع الله. جدّدوا إيمانكم.
شرط التوبة في القرآن وأركانها بين العبد وربه وبين العباد
﴿إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَـٰلَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]
وهنا قيّد الله التوبة، وشرحنا أركانها في حلقة سابقة، وأنها تستلزم:
إذا ما كانت معصية بيني وبين الله:
- الإقلاع عن الذنب.
- الندم عليه.
- العزم على ألّا أعود إليه مرة أخرى.
وإذا كانت معصية بيني وبين الخلق، فمع هذه الثلاثة أردّ لأصحاب الحقوق حقوقهم. أما ما دام الحق معي ما زال معي فلا توبة؛ التوبة [حينئذٍ] كاذبة.
معنى المبادرة في التوبة وأثرها في الصحة والمجتمع والعلاقة مع الله
يقول [الله سبحانه وتعالى] مع هذا: يتوب الذين يتوبون من قريب.
من قريب، إذا هذه الصفة تسمى المبادرة. والمبادرة هذه عملية تنفع في الضبط الاجتماعي، وتنفع في الوضع الصحي للإنسان، وتنفع في العلاقة بين الإنسان وبين الله.
الفرار:
﴿فَفِرُّوٓا إِلَى ٱللَّهِ﴾ [الذاريات: 50]
السرعة، يعني:
﴿وَسَارِعُوٓا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]
يتوبون من قريب، يعني أولًا ما أن تعرض التوبة على نفسك تسارع إليها، أي تفرّ إلى الفراغ [من الذنب].
الفرار من المعصية المحظورة والمبادرة بالتوبة دون تأخير
هذا [الفرار] يكون من أيّ محظور؛ فكانت المعصية محظورة بالذال، وهي أيضًا محظورة بالظاء أخت الطاء؛ محظورة أي ممنوعة، ومحظورة أي يجب أن تكون حذرًا منها؛ لأن عاقبتها ونتائجها في الدنيا والآخرة سيئة.
فاتّفق: اهرب من المعصية! فتكون ما بالتمهّل هكذا وانتظر حتى نفكّر مرة واثنتين وعشرًا وعشرين نفعل أم لا نفعل، لا! اتّخذ القرار بسرعة؛ لأن هذا مبادرة.
ثمرة المبادرة بالتوبة وإيجاب الله قبولها على نفسه
وهذه المبادرة سنفعل بموجبها ماذا؟ سوف يجب على الله قبول توبتك! الله هذا حافز؛ إذن سأكتب على نفسي قبول التوبة للذي سيأتي بسرعة، انتهى.
تشبيه التأخر في التوبة بتأخير تنفيذ العلاج الطبي وعواقبه
أما الطبيب يكتب لك علاجًا ويقول لك: تأكل كذا ولا تأكل كذا.
تنفّذ من متى؟ قال لك: من الشهر القادم إن شاء الله، من أول الشهر سأنفّذ العلاج هذا. ستتعب هكذا وسيتأخر الشفاء؛ هذا خلق الله هكذا، يجب أن ترجع إلى النظام عن قريب.
ربنا خلق الكون هكذا، أنت لن تموت ولا شيء سوى تأخيرك للعلاج أو للنظام الغذائي حتى أول الشهر ونبدأ حينها؛ سيتعبك وسيؤخّر عليك الشفاء.
وبدلًا من أن تتعالج شهرًا ستتعالج شهرين، وبدلًا من أن تستردّ عافيتك بعد الشفاء ستستردّ نصفها فقط، وبدلًا من أن لا تأتيك هذه الحالة مرة أخرى ستأتيك كل سنة مرة.
أهمية الفورية في الالتزام وأثر التأخير على الفرد والمجتمع
فما هذه الحالة؟ أي منازعة [بين الالتزام والتسويف]. أما إذا التزمت فورًا فهذه مهمة. إذن، وللفورية ثمن.
حسنًا، لقد خرجت عن نظام المجتمع؛ الناس يسيرون يمينًا وأنا ذهبت أسير يسارًا، الناس يسيرون في البناء وسرت أنا في الهدم.
فيعرض عليّ وليّ الأمر أن نعود، ولكن بماذا؟ بمبادرة، أي نعود إلى [الصواب]. ماذا أي؟ نعود فورًا.
مثال العفو عمن يبادر بتسليم نفسه وخطورة التأخر على الأمن
ويصدر الشخص [المسؤول] الأحكام هكذا في المجتمعات التي فيها قلق ويقول لك: نحن سنعفو عن الذي سيسلّم نفسه وسيسلّم السلاح وسيأتي ليدخل في الجماعة التابعة لنا ونخلص.
إذن الذي سلّم نفسه أول ما سمع البيان قام، فماذا يأخذ؟ الدرجة [الكاملة]، ويدخل ويصبح مواطنًا عاديًا وتنتهي الحكاية.
والذي لم يسلّم وانتظر فنرصده؛ إذن لأن هذا ما لا نعرفه: أسيقتلنا أم سنقتله أم سيسير معنا أم سنسير معه أم ما القضية؟
وكلما تأخّر كلما ظهرت العداوة، وكلما تأخّر كلما عرّض نفسه للخطر، وكلما تأخّر كلما عرّض المجتمع للقلق، والمشكلة لا تُحلّ.
القرآن منهج شامل في التوبة والصحة والاجتماع البشري
فلتُحلّ [المشكلة] بالأرباح الثلاثة [المبادرة والفورية والقرب]. حسنًا، وهذا الربع [من المجتمع] الذي يأتي منه هذا القلق أيضًا؛ فلا توجد مبادرة ولا من قريب.
فالله خلق الكون هكذا. فانظر إلى القرآن فهو منهج:
- •في التوبة أي مع الله.
- •ومنهج في الاجتماع البشري.
- •ومنهج في الصحة.
- •ومنهج [في كل شأن].
انتبه إلى أن القرآن ليست كلمة في الهواء [بلا معنى]! قف مع كل لفظة في القرآن وتأمّلها.
تأمل معنى التوبة من قريب ووعد الله بقبولها لمن بادر
ما معنى قوله تعالى:
﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ﴾ [النساء: 17]
نعم، ثم يتوبون من قريب. فعبارة «من قريب» هذه نتخيّلها ونرى حالنا مع الله كيف، وكيف سنتوب؟ نتوب من قريب.
تبنا إلى الله:
﴿فَأُولَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 17]
ما معنى هذا؟ هذا صحيح هكذا، انتهى الأمر. فيتوبون من قريب. المهم يجب أن يكون ماذا؟ عن قريب.
وعد الله الثابت بقبول التوبة وختم الآية بالعلم والحكمة
تعال نفعل ماذا إذن؟ انظر داخل المدخل [إلى التوبة] ها هو:
﴿فَأُولَـٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 17]
انتهى الأمر، صكّ فقط [بالقبول]! ولكن من الذي كتبه وأثبته؟ الله. فأولئك تاب الله عليهم هكذا، أي أن يتوب عليهم، ولكن من أين يا إخواننا؟ من قريب. فاللهم تب علينا يا رب العالمين.
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17]
ماذا إذن الذي يجعلك تقول أن «من قريب» في الصحة، ومن قريب في الاجتماع البشري، ومن قريب في التوبة وهكذا؟
﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17]
هذا ليس «توّابًا رحيمًا»، ليس «غفورًا رحيمًا»، لا! كان عليمًا حكيمًا، أي اعمل عقلك وانظر ما هذا القريب من هذا القريب.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
