سورة النساء | حـ 581 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة النساء

سورة النساء | حـ 581 | 11 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يوضح القرآن قاعدة الميراث بقوله "يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين" وهي مقيدة بمستوى الأولاد وليست قاعدة عامة بين الذكر والأنثى.
  • تقييد القاعدة بالأولاد يمنع التفضيل العرقي بين الجنسين، فالإسلام لا يقر التمايز الديني بين الذكر والأنثى كما في بعض الديانات الأخرى.
  • في مواضع أخرى من قواعد الميراث يتساوى الذكر والأنثى، كما في حالة الأبوين حيث "للأم السدس وللأب السدس".
  • دقة القرآن تظهر في عدم تسمية اليهود والنصارى صراحة في سورة الفاتحة، بل استخدم تعبير "المغضوب عليهم" و"الضالين".
  • الفهم الخاطئ للنصوص ينتج عن ثقافة تفسر النصوص وفق الهوى وليس مراد الله، مما يؤدي إلى تشويه الإسلام.
  • ينبغي فهم النصوص القرآنية في سياقها الصحيح والحذر من تفسيرها بما يخالف مقصدها.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة في آية الميراث وقاعدة توزيع الإرث في سورة النساء

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يبدأ في تعليمنا نظام الميراث:

﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

في هذه الآية يذكر الله قاعدة عامة عليا في الميراث، ويجعلها على سبيل الوصية، ويجعل المسؤولية في تنفيذها علينا.

الفرق بين القاعدة العامة والمقيدة بمستوى الأولاد في آية الميراث

ولكنه يقول «في أولادكم»، إذن هذه القاعدة لم يذكرها ربنا سبحانه وتعالى فيما بين الذكر كالذكر والأنثى كالأنثى، وإنما ذكرها في مستوى الأولاد.

ما الفرق بين أن يذكرها قاعدة عامة بين الذكر والأنثى وبين أن يذكرها مقيدة بمستوى معين؟

الفرق أنه لو كان جعلها قاعدة عامة لأُخِذ منها تفضيل الذكر على الأنثى عِرقيًّا. عِرقيًّا يعني ماذا؟ يعني أن هناك تمايزًا دينيًّا بين الذكر والأنثى.

التمايز العرقي بين الذكر والأنثى في اليهودية مقارنة بالإسلام

هذا التمايز [بين الذكر والأنثى] نراه في اليهودية، لكن لا نراه في الإسلام. في اليهودية لديهم صلاة الصبح يصلّون فيقولون: «الحمد لله الذي خلقتني رجلًا». هذا في الصلاة! «الحمد لله الذي خلقتني رجلًا».

فأنا تحيّرت، قلت: يا ربي، طيب، والمرأة ستقول ماذا؟ «الحمد لله الذي خلقتني رجلًا»؟! الله! أليس النساء عندهم ما يُصلّين أم ماذا؟ قال لك: لا، الست أيضًا تصلي، ولكن تصلي وهي خجلة هكذا.

كيف تصلي وهي خجلة؟ كيف؟ فظللت أراجع حتى وجدتها في كتبهم بين قوسين، قال: والمرأة تقول: «الحمد لله الذي خلقتني كما أردت». «خلقتني كما أردت» الله!

التحيز العرقي في اليهودية وبراءة سيدنا موسى منه وموقف الإسلام

ولكن ما زال هناك أيضًا تحيّز عرقي [في اليهودية بين الذكر والأنثى]. التحيّز العرقي الذي ينكره الناس الآن، نعم، يذهبون لينكروه في هذه الأمور.

وبالمناسبة سيدنا موسى لم يقل هكذا بالمناسبة، يعني سيدنا موسى في التوراة لم يقل هكذا [أي أن هذا التحيز ليس من تعاليمه]، لا تدخل [هذه العبارات في كلامه عليه السلام].

أما نحن عندنا نقول ماذا؟ «الحمد لله رب العالمين». ما هذا! ما هذا! يقول لك:

﴿بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 1]

يقرؤها من السيدة والرجل والصغير والكبير.

﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ * ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 1-7]

الفرق بين كلام الله وكلام البشر في ترجمة سورة الفاتحة

جاء واحد، وهذا الفرق بين كلام ربنا وكلام البشر. انتبه! كلام ربنا يقول ماذا؟

﴿غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]

ها هو، كل واحد عربي يفهم الكلام. قام جاء ليترجم هذا الكلام إلى الإنجليزية، قام قال ماذا؟ قال: «اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، ليس اليهود ولا النصارى». الله! طيب!

أمَا قال ربنا «اليهود» وقال «النصارى» في القرآن؟ أكان عاجزًا ربنا أن يقول «اليهود والنصارى» هنا؟ ما كان بإمكانه أن يقول «ولا اليهود ولا النصارى» ويصبح هكذا فيه عداوة بيننا وبين اليهود وبين النصارى؟

حكمة القرآن في استخدام المغضوب عليهم والضالين بدلًا من تسمية الأقوام

لكن القرآن ليس هكذا. فاليهود الذين في إنجلترا والذين في أمريكا يأخذون القرآن [ويقولون]: «انظروا المسلمين يشتموننا!» نعم، صحيح، هذه شتيمة [في الترجمة المحرّفة]، ولكن الله لم يقلها.

كل حين يفتح الإنسان فمه هكذا ويقول: سبحان الله! ما هذا! لو كان هذا يا إخواننا من عند محمد ﷺ لأخطأ هذه الأخطاء التي أخطأها بعض المسلمين. فهذا المترجم مسلم بالمناسبة.

وفي تفسير هكذا تفتح التفسير فيقول لك: «المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون النصارى». الله! طيب، حسنًا، أنت تفسّر، أنت حرّ، أنت تفسّر.

دقة ألفاظ القرآن في قوله المغضوب عليهم والضالين وعدم تخصيصها بقوم

ولكن ربنا قال ماذا؟ قال «المغضوب عليهم» و**«الضالين»**، ما قال «اليهود والنصارى». قال «المغضوب عليهم» وقال «الضالين»، وهذا سنبقى عليه إلى يوم الدين.

هل يوجد أحد في الأرض يغضب مني إن أنا أقول له: يا رب لا تجعلني من المغضوب عليهم؟ والله ما فيه! حتى المغضوب عليه لا يغضب مني. أحدٌ ضالّ ويعرف نفسه أنه ضالّ يقول عني أنني وأنا أدعو ربي ألّا أبقى من الضالين، لا يأخذ عليّ أبدًا.

القرآن يا إخواننا لا أحد يأخذ عليه شيئًا؛ لأنه من عند رب العالمين. نعم والله.

أهمية قيد «في أولادكم» في آية الميراث ونفي التناقض في القرآن

انظر كيف! فيا تُرى عندما قال لنا: «أعطوا للولد ضعف البنت»، هو لم يقل لنا هكذا! قال: «أعطوا للذكر مثل حظ الأنثيين»، لم يقل لنا هكذا [بلفظ التفضيل المطلق]. أليس:

﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَـٰدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]

فلماذا لا تقرؤها مع بعضها البعض؟ «في أولادكم»، أم قال: «يوصيكم الله للذكر مثل حظ الأنثيين»؟ لا، لم يقل ذلك! قال: «في أولادكم» للذكر مثل حظ الأنثيين.

ولذلك هو أيضًا وجاء لك [في نفس الآية]: سيعطي للأم السدس وللأب السدس. والأب ما هو؟ ذكر. والأم ما هي؟ أنثى. فلماذا لم يُعطِ للأنثى قدر نصف الذكر ولا للذكر ضعف الأنثى؟

لكان هناك تناقض!

﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ ٱخْتِلَـٰفًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]

نسيان قيد «في أولادكم» بسبب الثقافة التي تتبع الهوى لا مراد الله

يا إخواننا، لا ينفع [أن تُهمَل]! «في أولادكم» أين ذهبتم بها؟ لماذا نسيتموها؟

تعرفون من السبب في هذا النسيان؟ نحن، نعم، ثقافتنا قائمة تفهم ما يوافق هواها وليس ما أراده الله.

ونحن ندعو: اللهم لا تجعلنا فتنة للقوم الكافرين، لا تجعلنا حجابًا بينك وبين خلقك سبحانك.

دعوة لتغيير الثقافة لتكون مثالًا صالحًا لمراد الله وعدم تشويه الدين

انظر إلى شأنك في خلقك [يا مسلم]، أنا ما لي أن أتدخل بين خلق الله وبينه. لماذا تفتن الناس؟ لماذا؟

أتعرف هذه الحكاية؟ عندما يعرفها ناس كثيرون منهم يُسلِم! هي هذه فقط، أجل؛ لأنك أنت تعطيه شيئًا مشوّهًا، وهو يساعد في التشويه، والجهل باللغة يساعد أكثر.

فلماذا تتدخل هكذا؟ الأمر لله. انظر، أنا سأغيّر ثقافتي لكي أصبح مثالًا صالحًا لمراد الله.

وعلى ذلك نلتقي في حلقة أخرى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.