سورة النساء | حـ 556 | 1 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •خاطب الله تعالى الناس أجمعين في سورة النساء بقوله: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم"، مؤكداً أن الأمة الإسلامية مؤهلة لاحتضان البشرية والأماكن المقدسة لإيمانها بالإله الواحد وجميع الرسل.
- •العلاقة بين الرجل والمرأة هي أساس الاجتماع البشري، وأصلها أنهما خلقا من نفس واحدة ثم صارا اثنين.
- •هناك مساواة في التكليف والحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة، فكلاهما مكلف بالصلاة والزكاة وسائر العبادات.
- •بث الله منهما رجالاً كثيراً ونساء، وجعل لكل منهما خصائص تميزه في التركيب والوظائف.
- •جعل الله في فطرة الرجل الفرح بكونه رجلاً، وفي فطرة المرأة الفرح بكونها امرأة.
- •لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال لمخالفة ذلك أصل الخلقة.
- •جعل الله نسبة الرجال والنساء متقاربة في المجتمع البشري.
افتتاح الدرس والتأكيد على شمولية الخطاب القرآني لجميع الناس
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة النساء، يقول ربنا سبحانه وتعالى في أول السورة:
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم﴾ [النساء: 1]
وفي هذا القدر معنى أن الله سبحانه وتعالى يخاطب الناس أجمعين، وإننا لا نميز بين الناس، وإننا لا نحتقر دينًا ولا نزدريه، ولا نتكلم عن نبي مرسل؛ بل نؤمن بهم أجمعين.
الأمة الإسلامية مؤهلة لاحتضان البشرية لإيمانها بجميع الرسل
وأن الأمة الإسلامية هي المؤهلة لاحتضان البشرية ولاحتضان الأماكن المقدسة العلية؛ لأنها أمة منفتحة لا استغلاق عندها ولا إغلاق، ولأنها أمة تؤمن بالإله الواحد، ولأنها أمة تؤمن بطابور وصف الرسل جميعًا.
والذين انتهوا بسيد الخلق أجمعين، فأمّهم ببيت المقدس فكان إمامًا للمرسلين والنبيين صلى الله عليه وآله وسلم.
أصل الاجتماع البشري قائم على العلاقة بين الرجل والمرأة في الأسرة
وهنا يأتي [الحديث] على أصل الاجتماع البشري، وأصل الاجتماع البشري هو العلاقة بين الرجل والمرأة.
يعني ما هو المجتمع؟ أناس يعيشون في مجتمع في صورة ماذا؟ أُسَر. وهذه الأسر كيف تكوّنت؟ تدخل فتجد رجلًا وامرأةً اجتمعا فأنجبا بعض الأطفال، تارةً ذكورًا وتارةً إناثًا، وتارةً ذكورًا وإناثًا، وتارةً لم يُنجبا؛ فكوّنا أسرة.
هذه الأسرة أساسها في علاقتها الرجل والمرأة ابتداءً ودوامًا وانتهاءً. ومن هنا قال علماء الاجتماع إن العلاقة بين الرجل والمرأة هي أساس الاجتماع البشري، وذلك بعد أبحاث ودراسات وتأملات، شيء جيد.
تأسيس العلاقة بين الرجل والمرأة من أصلها في القرآن الكريم
ما هي إذن العلاقة بين الرجل والمرأة؟ فأسّس لها [القرآن الكريم] من أصلها. وانتبه إلى كلمة "من أصلها" هذه؛ سنحتاج إليها فيما بعد، فاحفظها ولا تنسها.
من أصلها، ما أصل الحكاية؟
﴿ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ﴾ [النساء: 1]
إذن أنا الذي أرى ثنائية رجل وامرأة، وهو [الله سبحانه وتعالى] يقول لي: لا، هذه الثنائية لها أصل، والأصل هذا أنها كانت نفسًا واحدة.
الأصل الواحد للرجل والمرأة والاختلاف في الخصائص والوظائف
ما هذا، أهما اثنان أم واحد؟ الأصل أنه واحد، والظاهر الذي سنتعامل معه هو اثنان.
يعني ماذا؟ يكونا مختلفين؛ يكون الرجل رجلًا والمرأة امرأةً. في ماذا؟ قال: في الخصائص، في الوظائف، في المراكز القانونية.
حسنًا، يكون هذا مختلفين لأنهما اثنان. لا يكونوا شيئًا واحدًا؟ قال: لا، هؤلاء كانوا شيئًا واحدًا.
فماذا تريد أن تقول؟ قال لك: إن هناك مساواة وتساويًا ومساواة في الحقوق والواجبات.
المساواة في التكليف بين الرجل والمرأة في الإسلام خلافًا لعقائد أخرى
يعني الرجل مكلّف والمرأة مكلّفة. قال: نعم. يعني الرجل ستكون عليه صلوات وزكوات، والمرأة كذلك أيضًا.
أم أن المرأة غير مكلّفة والرجل هو المكلّف؟ هناك عقائد تقول هكذا إن المرأة غير مكلّفة، والرجل فقط هو المكلّف. لا، يصلح لنا هذا الكلام! ليس عندنا في دين الإسلام [هذا القول].
فالأصل عندنا أنهما كانا واحدًا، نفسًا واحدة، وأصبحا بعد ذلك من نفس واحدة:
﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1]
فأصبحا اثنين.
معنى كلمة زوج في اللغة العربية وإطلاقها على الرجل والمرأة
والزوج يُطلق على الآخر [أي على كلٍّ من الرجل والمرأة]؛ ولذلك الرجل يُقال له زوج، والمرأة يُقال لها زوج أيضًا.
زوج، ما هي؟ زوج هذا الرجل، وهو زوج هذه المرأة. فالزوج يعني الثاني المقابل له.
بث الرجال والنساء من النفس الواحدة وحكمة الخلق على هيئة ذكر وأنثى
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا﴾ [النساء: 1]
نعم، ابتدأنا اثنين. إذن ها [هو الأمر]: كان في عالم الغيب والخلق الأصلي نفسٌ واحدة، وبعد ذلك خلق منها زوجها فأصبحوا اثنين، وابتدأ إذن التفاعل مع هذين الاثنين.
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ [النساء: 1]
من هذين الاثنين رجالًا كثيرًا ونساءً. فلماذا رجالًا ونساءً يعني؟ لأن هو [الله سبحانه وتعالى] ما أرانا أصل هذه الخلقة أنها نفس واحدة؛ هو أخبرنا بها، والذي أرانا لنا ماذا؟ إنه الولد ينزل إما ولدًا وإما بنتًا، ذكرًا وأنثى، رجالًا ونساءً.
حكمة الله في خلق الإنسان ذكرًا أو أنثى دون اختيار من البشر
كان قادرًا سبحانه وتعالى أنه يُنزل إنسانًا ليس له هوية، وبعد ذلك هو يختار أن يكون رجلًا أم امرأة. كان يقدر أن يفعل ذلك سبحانه وتعالى، ما فعل لحكمة.
كان ممكنًا أن يُنزل وهو رجل وامرأة في الوقت نفسه، وبعدئذٍ نقوم بإجراء عملية له ونرى ماذا يريد أن يكون، أو ماذا نريد نحن أن يكون. أبدًا، رفع أيدينا عنها نهائيًّا، وأصبح سبحان الله يخلق رجالًا ونساءً [بإرادته وحده].
الخنثى المشكل في الفقه دليل على قدرة الله لا على أصل الخلق
يقول لي أحدهم: طيب، هذا في تشوّهات تحدث؟ وفعلًا ينزل أحد ونسمّيه المُشكَل في الفقه، الخنثى المُشكَل؛ يكون كذلك لكي يُريك [الله] أنني قادر على أن أفعل ذلك يا ابن آدم.
ما هو؟ يمكنني أن أفعل بك ذلك، وكلكم كنتم تكونون كذلك، ولكن لا. هذا للقدرة فقط، لبيان الآية [والدلالة على] القدرة، وليس لأصل الخلق.
أصل الخلق ما هو؟ رجالًا ونساءً، أنه:
﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً﴾ [النساء: 1]
خصائص الرجل والمرأة الجسدية وحكمة الله في التكوين المختلف
حسنًا، إذا جعل [الله] لهؤلاء [الرجال] خصائص وهؤلاء [النساء] خصائص؛ تجد الرجل طويلًا هكذا قليلًا، ويده مكتنزة وقوي، وليس عنده رحم.
وتجد المرأة عندها رحم، والتكوين والتركيبة ما بين كتفها ويداها مصنوعتان بهذه الطريقة المعيّنة، حتى حِجرها حتى لكي تحمل الولد هكذا، وعندها ثديان تُرضع الولد منهما.
سبحان الله، على الفور حالما تنظر تقول: ما هذا! سبحان الله! وجعل داخل الإنسان الرجل فرحًا بأنه رجل من الداخل، والمرأة فرحة بأنها امرأة.
غضب الإنسان من التشبيه بالجنس الآخر ولعن المتشبهين والمتشبهات
ولو هذه المرأة قلت لها: أنتِ تبدين مثل الرجال، لماذا؟ تغضب! أنت أهنتها هكذا. ولو قلت للرجل: أنت مالك تتصرف مثل النساء، لماذا؟ هكذا سوف يغضب.
يا سبحان الله! ما هذا الذي يجعله يغضب؟ بداخله [فطرة تأبى ذلك]. طيب، والذي يريد أن يخلط الأمور فهذا لعنه رسول الله ﷺ؛ لأنه يريد أن يخلط الخلق، يريد أن يخلط الأصل الذي خلق الله الناس عليه، فقال:
قال رسول الله ﷺ: «لعن الله المتشبّهين من الرجال بالنساء، والمتشبّهات من النساء بالرجال»
معنى الاكتفاء البلاغي في قوله تعالى رجالًا كثيرًا ونساءً والتوازن في الخلق
يبقى رجالًا كثيرًا ونساءً، يعني ونساءً كثيرات.
طيب، لم يقل كثيرات، لماذا؟ قال: للاكتفاء؛ شيء في البلاغة اسمه ماذا؟ الاكتفاء. يعني لمّا قال رجالًا كثيرًا ونساءً، آه يبقى هو كذلك، والنساء يمكن أن يكنّ أكثر من الرجال، لا بأس.
ولكن سبحان الله، نجدهم خمسين وخمسين، واحدًا وخمسين وتسعة وأربعين. فمن الذي صنع هذه القصة؟ الله [سبحانه وتعالى].
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
