سورة آل عمران | حـ 537 | 181 - 182 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشير القرآن الكريم في سورة آل عمران إلى طائفة من الناس ينسبون النقص لله والكمال لأنفسهم، قائلين: "إن الله فقير ونحن أغنياء".
- •هذه العقلية موجودة عبر الزمان والمكان، وهي ذاتها التي قتلت الأنبياء بغير حق.
- •رغم ختم النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن هذه العقلية مستمرة، فلو ظهر موسى أو عيسى أو محمد في عصرنا لوصفوهم بالمجنون والساحر والكاهن.
- •من سن سنة سيئة يتحمل وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين.
- •قتل الأنبياء معنوياً يكون بالسخرية من الشريعة والعقيدة، وبرفض طريق الله، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.
- •قوله تعالى "ذلك بما قدمت أيديكم" يبين أن العذاب مقرر لمن نطق بهذا الكلام القبيح.
- •"وأن الله ليس بظلام للعبيد" تؤكد أن الله لا يظلم مثقال ذرة، والذرة هي شيء خفيف جداً لا يكاد يذكر.
وصف الله تعالى لطائفة نسبت إليه النقص ولأنفسها الكمال
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يصف طائفة من الخلق هي موجودة عبر الزمان وفي كل مكان:
﴿لَّقَدْ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوْلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَآءُ﴾ [آل عمران: 181]
وربما غيرهم قالوا: إن الله لا يعلم ونحن نعلم مثلًا؛ أي المهم أنهم نسبوا إلى الله النقص ولأنفسهم الكمال.
العقلية التي تقتل الأنبياء موجودة في كل زمان ومكان
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 181]
حسنًا، النبوة ختمت بسيدنا محمد ﷺ، وأنت تقول يا أيها الشيخ إن هذا [المنهج] موجود في كل زمان ومكان؟ قال لك: هي العقلية هذه تقتل الأنبياء حتى لو ظهروا فيهم.
ما هو [الأمر]؟ في عقلية موجودة معنا الآن في عصرنا في الأرض، لو ظهر لها سيدنا موسى لقالوا عنه مجنون ولقالوا عنه ساحر، لو ظهر لها سيدنا محمد ﷺ لقالوا عنه كاهن ولقالوا عنه شاعر ولقالوا عنه مجنون ولقالوا عنه وهكذا، لو ظهر لها سيدنا عيسى لقالوا عليه نفس الكلام.
حمل وزر قتل الأنبياء لمن سنّ سنة التفكير المعوج إلى يوم الدين
موجود [هذا المنهج] حتى الآن، فهؤلاء الجماعة سيأتون يوم القيامة وسنجد وزر قتل الأنبياء معهم؛ لأنه من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من اتبعها إلى يوم الدين.
الذي وضع المنهج الخاص بالتفكير المعوج هذا سنّ سنة سيئة، من يقلده حتى يوم الدين يأخذ وزره أيضًا، وأخونا الأول [الذي سنّ هذه السنة] يحمل أوزار كل هؤلاء الناس؛ لأنه كان سببًا في إضلالهم وضلالهم.
منهج قتل الأنبياء مستمر بمحاربة شريعتهم ودعوتهم لا بأجسادهم
فيبقى قتل الأنبياء بغير حق كان جريمة محددة في أيام الأنبياء، لكن المنهج الذي أدى إلى قتل الأنبياء من اتبعه آثم وكان عاصيًا لربه إلى يوم الدين؛ أي كأننا ما زلنا يمكن أن نقتل الأنبياء حتى الآن.
نعم، ليس النبي بجسمه؛ لأنه بعد سيدنا محمد ﷺ لا يوجد نبي، ولكن النبي بشريعته وبعقيدته وبدعوته نقتله.
كيف [يكون قتل الأنبياء في زماننا]؟ بالسخرية من الشريعة ومن الأنبياء، بالسخرية من العقيدة ومن الإيمان، بعدم قبول طريق الله سبحانه وتعالى وعمل طريق ضد طريق الله.
دعاوى الإفساد في الأرض التي تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف
كما هو حاصل في أرجاء الأرض الآن من دعاوى تفسد ولا تصلح، تدمر ولا تعمر، تأمر بالمنكر ولا تأمر بالمعروف، وتنهى عن المعروف ولا تنهى عن المنكر؛ عكست ما أراده الله [سبحانه وتعالى].
﴿وَقَتْلَهُمُ ٱلْأَنبِيَآءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: 181]
بغير حق يعني الأمر المقرر المعلوم، بغير حق يعني بغير أي حق. فيبقى لما نفى هنا حقًا وجعلها نكرة تعم بـ"غير"، فهو نفى هنا لأي حق؛ يعني ولا ذرة حق، كما نقول ذلك بلهجتنا العامية: مفيش حاجة نهائي من الحق معاهم، ظلم شديد.
صيغة العظمة في قوله تعالى سنكتب وتقرير العذاب من لحظة النطق القبيح
ونقول [في قوله تعالى]: "نقول" هو فعل مضارع، وصاغه الله سبحانه وتعالى بالعظمة؛ لأنه عظيم. ونقول: هو واحد أحد فرد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، لكنه عظيم ففي علياء.
ونقول ها عظيم، ونقول: "ذوقوا عذاب الحريق". نقول متى أن نقول؟ ونحن "سنكتب" وليس في "سنكتب" [ما يدل على التأخير]، يبقى سنكتب ونقول، يبقى إذن مع قولهم [يأتي] تقرير عذابهم؛ يعني هو العذاب مقرر من ساعة ما نطق هذا النطق القبيح.
معنى كلمة ذلك في القرآن ودلالتها على مضمون ما سبق من الآيات
قال تعالى:
﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182]
نحن قلنا من قبل: عندما تأتيك كلمة "ذلك" مباشرة فما معناها؟ مضمون ما سبق. يعني كل القصة التي كنا نقولها هذه "ذلك".
هذه الحكاية التي نحن نقولها أين نقولها؟ الذي هو كل هذا: أن هناك أناسًا قالوا ما لا يصح عن الله، أن الله سبحانه وتعالى سمعهم وكتب وقرر عذابهم، هذه كل حكاية "ذلك".
وبكلمة واحدة يقول العلماء فيها ماذا؟ "ذلك" أي مضمون ما سبق؛ الشيء الذي موجود في الآيات السابقة أو الآيات السابقة.
الرد على من يسأل عن سبب العذاب بأنه بما قدمت أيديهم من الكفر
هذا هو:
﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: 182]
نعم، فيبقى كل واحد كُتب عليه العقاب، من حقه أن يسأل ومن حقه أن يعرف لماذا عوقب.
فلما قال: "ذوقوا عذاب الحريق" كأنهم قالوا: لماذا يا رب نحن فعلنا ماذا؟ لأن الوقاحة ما لها نهاية! نعم، نحن فعلنا ماذا يا ربنا لتذيقنا عذاب الحريق؟
"ذلك بما قدمت أيديكم"، هذا هو الرد: ذلك عذاب الحريق الذي يترتب على قولكم هذا، وهو بسبب ما قدمته أيديكم من كفر دون شكر.
معنى أن الله ليس بظلام للعبيد والذرة في القرآن الكريم
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182]
ربنا سبحانه وتعالى لا يظلم مثقال ذرة أبدًا. والذرة هي الهباء الذي يظهر لك في الشمس هكذا.
ما هو مثقالها؟ لا شيء، هذا شيء يعني شيء خفيف جدًا. ولذلك عندما اكتشفنا الذرة سميناها ذرة؛ لأنها يعني شيئًا لا يُذكر، ذرة لا شيء فيها.
﴿وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [آل عمران: 182]
وإلى لقاء آخر نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
