سورة آل عمران | حـ 531 | 178 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 531 | 178 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • الآية "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم" خطاب للكافرين وللمؤمنين معاً.
  • القرآن يبين حقيقة الكافرين للمؤمنين لتكون دافعاً للإيمان والتقوى والنفور من سبيلهم.
  • الإيمان شجرة لها شعب أعلاها لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى، والكفر شجرة شعبها المعاصي.
  • آيات القرآن التي تصف الكافرين لها ثلاثة أغراض: تقريع أسماعهم، بيان الحقيقة للمؤمنين، دفع المؤمنين للنفور من المعاصي.
  • كل آيات القرآن تخاطب المسلم وتتطلب منه الإيمان بها والعمل بمقتضاها.
  • نعمة الله ليست مقياساً للرضا الإلهي، فالغنى والقوة والسلطة تكليف وليست دليلاً على رضا الله.
  • كل تشريف فيه تكليف، فالغني مكلف بالبحث عن الفقراء، وصاحب السلطة مكلف بالعدل، وصاحب العلم مكلف بالتطبيق.
  • التدبر في القرآن يتطلب الفكر مع الذكر للانتفاع بهدايته.
محتويات الفيديو(10 أقسام)

مقدمة وتلاوة آية النهي عن حسبان الإملاء للكافرين خيرًا لهم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُوٓا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]

هذا بيان حقيقة حول شأن الكافرين، لكنه في الوقت نفسه خطاب للمؤمنين.

حكمة حديث القرآن عن الكافرين وأنه خطاب موجه للمؤمنين أيضًا

وعندما يتحدث الله سبحانه وتعالى عن الكافرين فليس المقصود هم في ذاتهم؛ لأن هذا القرآن هدى للمتقين، فهو خطاب أيضًا للمؤمنين لأمرين:

الأمر الأول: أن تعلم الحقيقة [حقيقة مصير الكافرين].

الأمر الثاني: أن يكون هذا العلم بالحقيقة دافعًا لك للإيمان والتقوى، أي أنك عندما تعرف أن جزاء الكافرين هذا الذي ينتهي بالعذاب المهين، فإنك لا تريد ولا ترغب ولا تحب أن تسلك سبيلهم ولا أن تكون مثلهم.

النفور الشعوري من المعاصي والانجذاب نحو شعب الإيمان وشعب الكفر

ويحدث لك ما يسمى بالنفور الشعوري من هذه الأفعال [أفعال الكافرين]، وفي المقابل يحدث لك بالود [الميل] الأفعال التي ضاد ذلك [أي أفعال الطاعة والإيمان].

فشجرة الإيمان لها شعب، والإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها لا إله إلا الله، أدناها إماطة الأذى عن طريق الناس، والحياء شعبة من شعب الإيمان.

والكفر شجرة لها شعب، وشعبها المعاصي، على رأسها الشرك بالله مقابل لا إله إلا الله، ومنها إيذاء الخلق ولو بإلقاء قشرة موزة لا تقصد بها شيئًا، تقصد أنك أكلت الموزة وترمي القشرة، أي القذارة، أي تلقي بالقشرة في الشارع.

إماطة الأذى من الإيمان ووضعه من الكفران والمعاصي شعب الكفر

انظر كيف أن أمرًا بسيطًا هذا يقول لك إن إماطة الأذى من الإيمان، فيكون وضع الأذى ماذا؟ من الكفران.

والحياء شعبة من شعب الإيمان، فيكون الفجور شعبة من شعب الكفر. فالمعاصي كلها من شعب الكفر، والطاعات كلها من شعب الإيمان.

فعندما يأتي [القرآن] ويتحدث عن الكافرين بهذا: أولًا يبين لك الحقيقة، وثانيًا يجعلك تولي ظهرك تجاه المعاصي وشعب الكفر، فتتوجه بوجهك تجاه الإيمان وأهل الإيمان. وحينئذ تخلي قلبك من القبيح وتحلي قلبك بالصحيح.

ثلاثة أمور تستفاد من كل آية تصف الكافرين وتنعى عليهم

فتبقى كل آية من الآيات التي تصف الكافرين وتنعى عليهم لها ثلاثة أمور:

  1. تقريع أسماعهم [أسماع الكافرين] لعلهم يرجعون.
  2. بيان الحقيقة للمؤمن.
  3. دفعه دفعًا إلى النفور من هذه المعاصي والأفعال القبيحة إلى الطاعات والأفعال الصحيحة.

كل آية في القرآن تأتي أنت محللًا لها هذا التحليل: هو [الله سبحانه وتعالى] يكون يتكلم مع الكافرين بالكلام هذا أولًا، ثانيًا يكلمني أنا، يقول لي ماذا [يقول لي ما يجب أن أفعله]، أليس كذلك؟

كل آيات القرآن تخاطب المؤمن وتوجب عليه الإيمان والعمل

فلا نستفيد منها [من الآيات] لأنها خاصة بالكافرين؟ هذا يقول:

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا﴾ [آل عمران: 178]

ونحن ما لنا إذن بالذين كفروا، نقرأها بسرعة ولا نقف عندها؟ لا، صحيح هو [الله سبحانه وتعالى] يخاطب الذين كفروا يقول لهم لا تحسبوا وكذا إلى آخره، لكن هذا يخاطبنا نحن أيضًا.

كل آيات القرآن تخاطبك وتكلمك أنت، فيجب أن تعمل فيها هذين الأمرين: أن تؤمن وأن تعمل. تؤمن بأنها حقيقة، هذا من الناحية القلبية، وتفعل بأن تخلي وتحلي؛ تخلي أفعالك وقلبك وذهنك وتحليه، تخليه من أي شيء من القبيح وتحليه بالصحيح.

التدبر والتفكر في القرآن خطوة لجعله كتاب هداية وحياة

لو عملنا مع القرآن هكذا فإن هذه خطوة من خطوات إحسان التدبر:

﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ﴾ [محمد: 24]

خطوة من خطوات فهم كتاب الله، خطوة من خطوات أن أجعله هداية.

ما معنى أنه كتاب حياة وكتاب هداية؟ يعني يريد [المؤمن] أن يستفيد منه، وهذا بأن لا تقرأ الآية وتتركها هكذا، بل تقف عندها وتتفكر.

والفكر مع الذكر هو طريق الله؛ الفكر والذكر: اذكر الله وتفكر بعقلك. نحن أنمنا العقل كثيرًا جدًا مدة طويلة بالتقليد والتبعية، لسنا راضين أن نفكر.

الإنسان هو الذي صنع كل شيء بالتفكر والتعلم والتدبر

والإنسان هو الذي صنع كل شيء. فالبترول في أرض الله منذ آلاف السنين، من الذي أخرجه؟ الإنسان، عندما أفكر، عندما أتعلم، عندما أتدبر.

قوم يجلبون المال، قوم يقيمون المنشآت، قوم يصنعون الرفاهية والراحة وهكذا. أتلاحظ أن الغابات موجودة منذ الأزل والحيوانات وهكذا، من الذي يصنع كل هذا؟ الإنسان [بالتفكر والعمل].

نعمة الله ليست مقياسًا للرضا والغنى والقوة والسلطة ابتلاء وتكليف

﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 178]

وهذا ما نستفيد منه. ما الذي نستفيده منه؟ أن نعمة الله ليست مقياسًا للحق.

فأنا غني معي أموال كثيرة، لا يعني ذلك أن الله راضٍ عني. وأنا قوي، لا يعني ذلك أن الله راضٍ عني. ومعي سلطة، لا يعني ذلك أن الله راضٍ عني.

هذا يعني أنها نعم يجب نؤدي تكاليفها وواجباتها وحقوقها. فأنت غني، إذن وقعت عليك مسئولية؛ لأن يجب أن تبحث عن الفقراء لكي تكفلهم من غير منة وتكبر وإجبار، فإن لم تبحث إذن لم تعمل ما عليك، هذا يصبح الغنى بلاءً وليس نعمة.

كل تشريف فيه تكليف والنعم توجب البحث والعدل والعمل

لأنه كذلك عندما ستعمل هذا [واجب الغنى] ستأخذ أجرًا، ذهب أهل الدثور بالأجور يا رسول [الله]. انظر كيف أن كل شيء نعمة ولكن احذر، فإن هذا تكليف.

كل تشريف فيه تكليف، احفظ هذه القواعد: كل تشريف فيه تكليف.

  • ما دام قد أغناك فقد كلفك بالبحث يا عزيزي والدفع.
  • وما دام قد أعطاك سلطة فقد كلفك بالعدل والانتظار والتفكير والعمل والبحث.
  • وما دام قد أعطاك صحة فقد كلفك بالمعونة.
  • ما دام قد آتاك علمًا فقد كلفك بالتطبيق والتنفيذ.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة [الله].