سورة آل عمران | حـ 511 | 157-159 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •تناولت الآيات في سورة آل عمران قضية الموت والقتل في سبيل الله، حيث ورد "ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون".
- •جاء الترتيب في الآية الأولى بذكر القتل ثم الموت، وفي الآية الثانية بذكر الموت ثم القتل، وهذا ما يسميه علماء البلاغة "المشوش" الذي يضم الشبيه إلى شبيهه.
- •المشوش أبلغ من المرتب لأنه يقوي المعنى بجعل النظير طرفاً لنظيره.
- •وصف الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالرحمة في قوله "فبما رحمة من الله لنت لهم".
- •كان النبي ألين الناس وأرحمهم، وقد تجلت رحمته في تعامله مع الناس والأشياء.
- •من معجزاته أن الحصى سبّح في كفه الشريف، وحنّ جذع النخلة وبكى لما تركه وصعد على المنبر.
- •هذه المعجزات دليل على نبوته وعلى أن الأشياء تسبح بحمد الله.
تلاوة آية القتل والموت في سبيل الله من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿وَلَئِن قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [آل عمران: 157]
ليس «مما تجمعون»، بل «مما يجمعون» هم؛ أي من الدنيا وما فيها، لأنهم يجمعون الدنيا ولا يعرفون إلا الدنيا.
﴿يَعْلَمُونَ ظَـٰهِرًا مِّنَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ ٱلْـَٔاخِرَةِ هُمْ غَـٰفِلُونَ﴾ [الروم: 7]
ثم يقول:
﴿وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158]
حقيقة الحشر إلى الله بعد الموت وأثرها في إيمان المؤمنين
حقيقة ينساها غير المؤمنين وحقيقة هي جزء من إيمان المؤمنين؛ أنه بعد الموت نذهب إلى الله سبحانه وتعالى، لا رب سواه ولا نعبد إلا إياه، ونُحشر له للحساب والعقاب والثواب.
ترتيب القتل والموت في الآيتين والفرق بين المرتب والمشوش في البلاغة
وهنا نرى أنه في الكلام تحدث أولًا عن القتل في سبيل الله ثم الموت، وفي الآية الثانية تحدث عن الموت ثم القتل. فنستطيع أن نقول: ماذا؟ قتل - موت، موت - قتل. الملخص هكذا.
وهذه بلاغة؛ فعندما يأتي ليقول لكم: قتل - موت، قتل - موت، إذن هذا نوع من أنواع التنظيم، فيكون مرتبًا. يسميه أهل البلاغة ماذا؟ مرتبًا.
عندما يقول: قتل - موت، موت - قتل، فيكون يسمونه مشوشًا. اسم قبيح «مشوش»! لماذا سُمّي مشوشًا؟ لأنه غير مرتب؛ أي ما هو المشوش؟ الذي غير مرتب، لأنه قد عكس: قتل - موت، موت - قتل.
سؤال علماء البلاغة أيهما أبلغ المرتب أم المشوش وإجابتهم المفاجئة
فسأل علماء البلاغة: أيهما أبلغ، المرتب أو المشوش؟ ونحن صغار هكذا؛ المرتب شيء جميل، يعني شيء منظم هكذا، والمشوش يكون يعني شيء أيضًا يقول لك هذا أن عقلي مشوش.
ففاجأنا وقالوا لنا: المشوش أبلغ! والله، نحن كنا ننتظر أن يقولوا المرتب أبلغ، والله بسبب الاسم نفسه حتى! المرتب. قال: لا، هذا المشوش [هو الأبلغ].
بيان سبب كون المشوش أبلغ بضم الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره
ضمّ الشبيه إلى شبيهه، ضمّ الشبيه إلى شبيهه: قتل - موت، موت - قتل. هو جلب الموت بجانب ماذا؟ الموت، وجعل النظير طرفًا لنظيره. ها! قتل هنا وقتل هنا، وبينهما موت - موت.
يبقى قوي الشيء الذي في الوسط؛ هذا الموت - موت، وجعل القتل طرفًا هنا وطرفًا هنا. يبقى المشوش أبلغ.
الجماعة أصحاب البلاغة يقولون هكذا: المشوش أبلغ. ما كنتم يا جماعة أهل البلاغة تسمونها اسمًا آخر؟ يعني مثلًا كنتم تسمونها «المقوّى» و«المرتب» مثلًا، فالمقوّى أيضًا فيها كلمة جميلة هكذا.
قاعدة لا مشاحة في الاصطلاح وعدم مناقشة المصطلحات العلمية
قال لك: المصطلح لا يُناقَش فيه؛ هذه مصطلحات وضعها الجماعة العلمية فلا نناقش فيها. لا مُشاحّة في الاصطلاح، والرجال لا تقف عند المثال.
قالوا هكذا: لا تتصدر في المصطلحات وتبقى تناقشها، كان سيكون أجمل، نعم، ولكن لا مانع. فوجئنا بعلماء البلاغة يجعلون المشوش أبلغ من المرتب.
تطبيق التشويش البليغ على الآية الثانية من سورة آل عمران
ففي الآية الثانية يقول:
﴿وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158]
هذا عكس [ترتيب الآية الأولى]، أجل. ما هو العكس؟ هذا جاء ليأتي لي بـالتشويش البليغ، التشويش المقوّي، التشويش الذي ضمّ الشبيه إلى شبيهه والنظير إلى نظيره، وجعل النظير طرفًا لنظيره.
هذه قوة كبيرة جدًا من جهتين:
﴿وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158]
ستذهبون منه [من الله]؛ أين؟ أرض ولا سماء [لا مفرّ من الله].
وصف الله تعالى لنبيه باللين والرحمة في سورة آل عمران
ثم بعد ذلك يصف ربنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بما قد أرسله به وأقامه فيه، باعتباره رحمة مهداة:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]
فيقول:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لَٱنفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى ٱلْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]
يا للعجب! مدح ربنا نبينا من فوق سبعة سماوات، حبيبه، قال:
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159]
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ألين الناس.
رحمة النبي بالأشياء وتسبيح الحصى في كفه الشريف
وقال [رسول الله ﷺ]:
«لِينوا في أيدي إخوانكم في الصلاة»
وكان [صلى الله عليه وسلم] رحيمًا بالأشياء، وعلّمنا أن الأشياء تسبّح. قال تعالى:
﴿وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44]
وزيادةً في كرم النبي [صلى الله عليه وسلم]، فإن الحصى سبّح بين يديه وبين في كفه الشريف، سبّح الحصى حتى سمع الناس تسبيح الحصى في كفه. فالأشياء تسبّح حقيقة وهو علّمنا [ذلك].
حنين جذع النخلة للنبي ومعجزة بكائه عند مغادرته
وكان [صلى الله عليه وسلم] يخطب على جذع نخلة، حتى أُتي له بالمنبر من عيدان خشب يُسمّى عيدان. فحنّ الجذع وبكى فيما أخرجه البخاري، حتى نزل [النبي ﷺ] من منبره فضمّه إلى صدره فسكت.
وسمع من في المسجد حنين الجذع؛ قطعة خشب لمّا رأت سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يغادرها فبكت!
فليأتِ إليّ الآن أحد ويقول لي: ما هذا الكلام؟ لا يستطيع، لا يستطيع أن يستوعب أنه نبيّ وأن هذه معجزة وأن هذه المعجزة دليل نبوته.
وسنظل نتحدث عن رحمة سيدنا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]. آخر شيء نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله.
