سورة آل عمران | حـ 499 | 146-148 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •يشرح النص الآيات القرآنية في سورة آل عمران التي تتحدث عن الذين يقاتلون في سبيل الله ولا يضعفون ولا يستكينون عند الابتلاء.
- •يبين النص أن الله يحب الصابرين والمحسنين، ولا يحب الجزع وعدم الصبر.
- •المحسن ليس فقط من يتصدق بالمال، بل هو من يطيع الله ويداوم على الصلاة والصيام ويبتعد عن المعاصي.
- •الإحسان يشمل عبادة الله وعمارة الكون وتزكية النفس، وهو صفة ممدوحة وليست مقدوحة.
- •ورد الإحسان في حديث جبريل: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
- •المحسنون في الآية سألوا الله المغفرة وتثبيت الأقدام والنصر على الكافرين، فكان دعاؤهم لأمور الآخرة.
- •أعطاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة لأنهم أحسنوا في دعائهم فلم يطلبوا لأنفسهم شيئاً.
- •يعلمنا الله كيف نكون عباداً ربانيين لتستجاب دعواتنا.
افتتاح الدرس بالبسملة والدعاء وتلاوة آيات من سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. اللهم اشرح صدورنا للإيمان وفهّمنا قرآنك يا رحمن.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى في شأن أولئك الذين يقاتلون في سبيل الله ولا يصيبهم الضعف ولا الاستكانة، بل إنهم يصبرون على ما أحبّ الله سبحانه وتعالى، في قوله تعالى:
﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِىٍّ قَـٰتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَآ أَصَابَهُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا ٱسْتَكَانُوا وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِينَ﴾ [آل عمران: 146]
دعاء الربيين بطلب المغفرة والثبات والنصر وجزاؤهم من الله
قال [الله تعالى]:
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا رَبَّنَا ٱغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىٓ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ﴾ [آل عمران: 147]
﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 148]
بيان أن الله يحب الصابرين والمحسنين ولا يحب الجازعين
إذن هنا يبيّن لنا الله سبحانه وتعالى أنه يحب الصابرين وأنه يحب المحسنين، وعلى ذلك فإنه لا يحب الذي يجزع ولا يصبر.
﴿وَٱصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِ﴾ [النحل: 127]
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 18]
﴿فَٱصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَىٰهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 5-7]
والله يحب الصابرين والله يحب المحسنين.
معنى أنه ما على المحسنين من سبيل وأنهم تجاوزوا القنطرة
﴿مَا عَلَى ٱلْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91]
يعني انتهى الأمر، يعني عبروا الآية [أي تجاوزوا الامتحان]، تجاوزوا القنطرة. وكما نقول في العامية هكذا: عبروا المربع، عبروا المربع، يعني انتهى الأمر، لا يوجد عليهم حلّ [أي لا سبيل عليهم]، هؤلاء انتهى أمرهم، الحمد لله، محسن.
من هو المحسن وهل الإحسان مقتصر على الإنفاق بالمال فقط
من هو المحسن؟ المحسن في أذهاننا هو الذي يتصدق بالمال فهو محسن. حسنًا، هذا للأغنياء فقط؛ فالغني الذي لديه فضل مال ويتصدق به على من لا فضل له يُعدّ من المحسنين.
إذن الإنفاق نوع من أنواع الإحسان، والمحسن هو ضدّ المسيء؛ يبقى الذي [يكون] على طاعة الله، مداومًا على صلاته، مداومًا على صيامه، مبتعدًا عن معاصيه، فهو محسن؛ لأنه لم يُسئ. فأحسِن لنفسك وأحسِن لمن حولك.
وهذا يشمل الغني والفقير؛ فيكون البُعد عن المعصية وعن مواطن السوء يُعدّ أحد مظاهر الإحسان.
المحسن هو من يعبد الله ويعمر الكون ويزكي نفسه دون منّ ولا أذى
والمُحسن هو ذلك الذي يقوم فيما أقامه الله فيه؛ فالله أرادك عابدًا له فلا تعبد غيره، والله أرادك مُعمِّرًا لكونه فلا تُدمِّره، والله أرادك مُزكِّيًا لنفسك فلا تُلوِّثها.
فإذا كنت كذلك ممن يعبدون الله ويعمرون الكون، وتسعى في هذا الكون لعمارته من عمل صالح بكل ما للعمل الصالح من معنى، تفيد به الناس في كل مجال، ثم تزكّي نفسك فلا تجعل عطاءك هذا يتلوه منٌّ ولا أذى، لا تتلوه بالمنّ والأذى، فأنت محسن.
إذن، فعبادة الله وعمارة الكون وتزكية النفس على هذه الهيئة من الإحسان، والله يحب المحسنين.
الإحسان صفة ممدوحة وتعريفه في حديث جبريل عليه السلام
فالإحسان صفة من الصفات الإيجابية، إن صحّ التعبير، علمًا أنه لا يوجد في اللغة العربية شيء اسمه إيجابية؛ هي من الصفات الممدوحة وليست من الصفات المقدوحة [أي المذمومة]. فالصفة الممدوحة الصبر، وليس الجزع.
والإحسان أيضًا نجده في حديث جبريل [عليه السلام]:
قال له [أي سأل جبريلُ النبيَّ ﷺ]: «وما الإحسان؟» قال ﷺ: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك»
فيكون هذا من المحسنين، والله يحب المحسنين، صفة مدح لا قدح فيها.
إعراب وما كان قولهم واستخراج اسم كان من سياق الآية
ويقول [الله تعالى]:
﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّآ أَن قَالُوا﴾ [آل عمران: 147]
«قولهم» هكذا بالنصب يكون خبر كان، فأين اسمها؟ اسمها يكون مضمون ما يأتي [بعدها]، يقولون عليها نستخرجه من الجملة بعدها، نصطادها، نعم، مثل السمكة هكذا عندما نصطادها.
أين اسم كان؟ «وما كان قولهم» بالنصب هكذا، «إلا أن قالوا»؛ يصبح: وما كان قولهم [إلا هذا القول]. هل أنت منتبه كيف؟ «وما كان إلا أن قالوا»، «أن قالوا» ماذا نأخذ منها؟ قُل لهم: وما كان قولهم «ربنا اغفر لنا» إلى آخر الآية. قُل لهم، قُل لهم، هذا هو، كان هذا قولهم.
تحليل دعاء الربيين وبيان أنهم لم يطلبوا إلا أمور الآخرة
وما معنى ذلك؟ أنهم لم يقولوا إلا هذا. حسنًا، وهنا عندما قالوا هذا الكلام، ماذا طلبوا؟ وما كان قولهم إلا هذا، إلا أن قالوا. حسنًا، هيا نرى الأشياء التي طلبوها لنعرف ما الذي يطلبونه.
هل يطلبون توزيع الأسرى عليهم بعد الحرب؟ هل يطلبون الدنيا؟ ماذا يطلبون بالضبط؟ طالبين المال غنيمة؟
«ربنا اغفر لنا ذنوبنا» — حسنًا، هذه للآخرة. «وإسرافنا في أمرنا» — هذه للآخرة. «وثبّت أقدامنا» — حسنًا، هذه للآخرة أيضًا. «وانصرنا على القوم الكافرين» — حسنًا، هذه أيضًا للآخرة.
إذن لم يدعوا إلا بأمور الآخرة فقط.
جزاء الله لمن طلب الآخرة بإعطائه ثواب الدنيا والآخرة معاً
فماذا أعطاهم الله؟
﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ ٱلْـَٔاخِرَةِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 148]
فآتاهم الله، أي أعطاهم الله ثواب الدنيا، أثابهم الله سبحانه وتعالى في ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، والله يحب المحسنين؛ لأنه أحسن في دعائه فلم يطلب لنفسه شيئًا، إنما طلب الآخرة وطلب لأمته النصر، سواء كان حيًا أو شهيدًا بعد ذلك.
وهكذا يعلّمنا الله سبحانه وتعالى كيف نكون عبادًا ربانيين، وحينئذٍ إذا مددنا أيدينا إلى السماء: يا رب يا رب، استجاب الله لنا.
وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
