سورة آل عمران | حـ 470 | 123 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 470 | 123 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

8 دقائق
  • تشرح الآية الكريمة "ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون" واقعة بدر التي نصر الله فيها المسلمين رغم ذلتهم.
  • كانت ذلة المسلمين في العدد والعدة، فكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً مقابل أكثر من ألف مشرك.
  • لم يكن مع المسلمين سوى ثلاثة فرسان بينما كان مع المشركين ثمانون فارساً.
  • نصر الله المسلمين رغم قلتهم وضعفهم، فقتلوا سبعين من المشركين واستشهد منهم أربعة عشر فقط.
  • سبب النصر هو الله وليس العدد أو السلاح، حيث أيدهم بالملائكة وثبت أقدامهم وألقى في قلوبهم الشجاعة.
  • شرط النصر هو تقوى الله المتمثلة في الخوف من الله والعمل بالتنزيل والاستعداد ليوم الرحيل والرضا بالقليل.
  • تقوى الله تشمل أيضاً الإعداد للقوة وعدم استيراد السلاح والوحدة والاعتصام بحبل الله.
  • الرجوع إلى التقوى سبب للنصر، والبعد عنها سبب للهزيمة، كما قال تعالى: "إن تنصروا الله ينصركم".
محتويات الفيديو(8 أقسام)

مقدمة الدرس وتلاوة آية النصر في غزوة بدر من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يمتنّ على المؤمنين ويرشدنا إلى يوم الدين بكلامه المبين:

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]

آية بدر ليست مجرد تاريخ بل هي عبرة ورشاد للمستقبل

وكما اعتدنا فإن هذه الآية لا تخبر عن حادثة وقعت فقط، بل إنها تخبر عن حادثة وقعت يُستفاد منها ونسترشد بها لمستقبل أيامنا.

وتقول الآية لنا أن الله سبحانه وتعالى نصرنا ونحن أذلة. وكلمة "ذليل" كلمة تعني أن هناك خصمًا في حالة قوة.

لماذا قيل "الذليل"؟ يعني مذلول، ومذلول ما هو؟ هو اسم مفعول، واسم المفعول هذا ما هو؟ يكون فيه فاعل، والفاعل من يكون؟ في واحد آخر [أي طرف أقوى يُذِلّه]. إذن والذلة هذه تأتي من أين؟ قال: من ضعف.

ضعف المسلمين في العدد والعدة يوم بدر مقابل قوة المشركين

ما هو الضعف؟ قال: الضعف في العدد. هو بدر كان كم [عدد المسلمين]؟ كانوا ثلاثمائة واثني عشر أو وثلاثة عشر بسيدنا رسول الله ﷺ، في مقابل فوق الألف، وهذا ثلاثة أضعاف.

إذن والثلاثة أضعاف هؤلاء يفعلون ماذا إذن؟ تخيّل واحدًا وثلاثة عليه؛ واحد أمسكه من يمينه، وواحد أمسكه من شماله، وواحد ظلّ يضربه. فيكون بذلك هناك تفوّق في العدد.

أو قد يكون التفوق في العدة والسلاح. نعم، كان مع هؤلاء [المشركين] لا أدري كم فارسًا، ثمانون فارسًا، وكان مع هؤلاء [المسلمين] كم؟ ثلاثة! والله إنه لا يصلح هكذا، فكيف للثمانين فارسًا أن يهاجموا هكذا فيحملوا الثلاثمائة ثم يبحثوا عن أحد ليحاربوه فلا يجدوا أحدًا يحاربوه. فيكون العدد والعدة فيهما ذلة.

معنى الذلة في العدد والعتاد وأن النصر من الله وحده لا بالحسابات

مذلول أنا، يقول لك هذا [الخصم] يمسك عليك ذلة، يمسك عليك شيئًا ضعيفًا هكذا؛ فيمسك عليك ذلة في العدد ويمسك عليك ذلة في العتاد.

معنا من إذن؟ ها، ما هو لو حسبناها من غير الله تخرج خاسرة بكل المقاييس؛ ثلاثمائة ضد ألف، الألف سيمسكون ثلاثمائة يقتلونهم، انتهوا منهم وانتهى الأمر. هذا كلام المشركين.

الثلاثمائة مع من، أم الثلاثمائة مع من؟ مع الله، مع ربنا! آه، انقلبت الموازين. من الذي نصرهم؟ عددهم؟ أبدًا. سلاحهم؟ أبدًا.

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: 123]

ويذكّرنا يقول: هذه واقعة حقيقية، هذا ليس خيالًا ولا ضرب مثال، كما أنه ليس تاريخًا فحسب، بل هو تاريخ حقيقي لكن تؤخذ منه العبرة.

معنى أذلة جمع ذليل ونصر الله للقلة على الكثرة بالملائكة والتثبيت

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]

أذلة جمع ذليل، وذليل على وزن فعيل، وفعيل يصلح للدلالة [على] اسم المفعول؛ يبقى في حدٍّ أقوى منهم قادم.

ولكن الله سلّم ونصر القلة على الكثرة، وأيّدهم بمددٍ من عنده بالملائكة، وثبّت أقدامهم، وألقى في قلوبهم الشجاعة والإيمان.

وقتلوا سبعين من المشركين، واستُشهد يوم بدر ربما حوالي أربعة عشر [شهيدًا]، فيكون واحد مقابل خمسة؛ خمسة من المشركين في مقابل شهيد من المؤمنين المسلمين.

شرط النصر هو تقوى الله وتعريفها الشامل بالخوف والعمل والاستعداد

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران: 123]

فماذا نفعل إذن؟

﴿فَٱتَّقُوا ٱللَّهَ﴾ [آل عمران: 123]

حسنًا، وإذا اتقينا الله ينصرنا، وإذا لم نتّقِ الله لا ينصرنا.

وما هي تقوى الله؟ هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والاستعداد ليوم الرحيل، والرضا بالقليل.

فإذا لم نعمل بواحدة من هذه الثلاث [أركان التقوى]:

﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: 112]

التقوى ليست مجرد عبادة بل تشمل الإعداد والصناعة والوحدة بين المسلمين

إذن كان الطريق واضحًا أن نتقي الله. يقول لك: وما لها تقوى الله؟ أن تقوى الله هي أن نجلس في المسجد أو أن نمسك سبحة؟ لا، هذه مساعدات كذلك، وإنما تقوى الله أنه يقول:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا ٱسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]

فاعمل في الصناعة، واعمل في الإعداد، وفي أن لا أستورد السلاح، وإنما السلاح أصنعه أنا لديّ هنا، وأبني اقتصادي على هذا.

لمّا قال تعالى:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]

إذن يجب أن تكون في سياستي: إن اعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا، وأكون أمة واحدة كما أراد الله عندما قال لنا. وهكذا أرى الأوامر والنواهي؛ هذه التقوى والعمل بالتنزيل.

﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123]

العبرة من واقعنا المعاصر بين الهزيمة بالمعصية والنصر بالتقوى والإيمان

وفعلًا وفي عصرنا الحاضر، عندما ظهرت بعض مظاهر العصيان والاستمراء في البعد عن الله هُزمنا، وعندما جمعنا أنفسنا وأعلنّا دولة العلم والإيمان انتصرنا. وهكذا وعلى الفور:

وإن عدتم عدنا؛ والله عدتم إلى التقوى فسننصركم:

﴿إِن تَنصُرُوا ٱللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]

عدنا إلى الفساد وقلة التديّن؟ فلا تلوموا إلا أنفسكم.

إذن فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يقيمنا على الحق وأن يقيم الحق بنا، حتى ينتفع بهذه الحال كل أحد في بلادنا. ونسأل الله أن يجعل سائر بلاد المسلمين كذلك.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.