سورة آل عمران | حـ 459 | 113 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 459 | 113 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يعلمنا الله في سورة آل عمران أن أهل الكتاب ليسوا سواء، فلا نعمم الخير ولا الشر عليهم، فمنهم أمة قائمة تتلو آيات الله آناء الليل وهم يسجدون.
  • يجب الانتباه إلى أربعة أمور قبل الحكم: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال، فلا يوجد إنسان سيء طوال عمره.
  • تتغير أحوال الناس والأماكن، فقد تجد مدينة تشيع فيها الطاعة وأخرى تشيع فيها المعصية، وقد ينقلب أهل المعصية إلى طاعة.
  • للمكان أثر كبير في سلوك الإنسان، فيختلف تأثير الوجود بين صالحين أو بين فاسقين.
  • تختلف استجابة الناس في حالات الشدة والرخاء، فمنهم من يتذكر الله في الشدة وينساه في الرخاء، والعكس صحيح.
  • الأمة المحمدية أمة ساجدة، يسجد المسلم ما لا يقل عن 34 سجدة في الفرائض يومياً، وتزيد مع السنن والنوافل.
  • السجود سر من أسرار هذه الأمة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد.
محتويات الفيديو(14 أقسام)

مقدمة الدرس وبيان أن أهل الكتاب ليسوا سواء في الخير والشر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿لَيْسُوا سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ﴾ [آل عمران: 113]

و"مِن" هنا للتبعيض؛ إذن وهو يعلمنا أننا لا نعمم الشر، يعلمنا أننا لا نعمم الخير؛ لأن فيهم من أهل الكتاب أمة قائمة، وأمة يتلون آيات الله، وأمة تتلو هذه الآيات بالليل، وأمة يفعلون ذلك وهم يسجدون.

النهي عن تعميم الأحكام على الناس بالخير أو الشر

ومن هذه [الآية نفهم أن "مِن" تعني] بعضهم؛ إذا ليسوا كلهم، فلا تأتِ وتقول كل [أهل الكتاب سواء]. ما هو أيضًا هذا خطأ في التفكير المستقيم أن تعمم؛ لا تقول كل الناس سيئة، ولا تقول كل الناس جميلة.

لا يوجد هذا وذاك [فقط]، انتبه! يوجد هذا وذاك [معًا].

تأثير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال في أحكام الناس

قبل ماذا؟ [أي قبل أن تحكم على أحد] قال: قبل أربعة أشياء: الزمان والمكان والأشخاص والأحوال.

يعني لا يوجد أحد سيء طوال عمره، من أول ما وُلد حتى مات وهو لعين وسيء، لا يوجد هكذا! هذا [الإنسان] أحيانًا يكون سيئًا، أحيانًا أحيانًا، يعني زمن هنا وأحيانًا يكون جيدًا.

تقلب حال الإنسان مع الله بين القرب والبعد وضرورة التماس العذر

أنت انظر لنفسك، تجد نفسك أحيانًا هكذا مع الله؛ أي أن علاقتك [بالله] أصبحت طيبة وتحمد الله، وأحيانًا تنسى نفسك قليلًا. هكذا أنت مع نفسك، كل واحد يقول لنفسه هكذا، فيجد روحه هكذا مع الله؛ أحيانًا في الأعلى وأحيانًا في الأسفل.

طيب، كذلك:

﴿كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 94]

فيجب عليك أنت تلتمس العذر للآخرين.

اختلاف الزمان والمكان وأثرهما في طاعة الناس ومعصيتهم

ففي الزمن تجد فيه اختلافًا، وفي المكان اختلافًا؛ أي أن أمة المسلمين تجد مدينة ما شائعًا فيها الطاعة، ومدينة أخرى شائعًا فيها المعصية. فالمكان ليس واحدًا، والزمان ليس واحدًا؛ تجد أهل المعصية قد انقلبوا أهل طاعة، والحمد لله رب العالمين.

قصة قاتل المائة نفس وأثر المكان والبيئة في التوبة والاستقامة

ولذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا، ثم سأل عابدًا: هل لي من توبة؟ فقال: لا، تسعة وتسعون [نفسًا قتلتها] وتريد أن يتوب الله عليك؟ أنت يا أخي عجيب أمرك! فقتله فأتم به المائة وانتهى منه.

ثم ذهب إلى عالم فقال: من الذي يمنعك من التوبة؟ ومن الذي يتألى على الله؟ تُب إلى الله، ولكنني أراك بأرض قوم سوء؛ تقتل تسعة وتسعين نفسًا فلا يضربون على يديك ولا يقبضون عليك يا رجل! هؤلاء الناس سيئون، الناس الذين تعيش بينهم هؤلاء، كيف تركوك؟

إني أراك بالشكل الذي تصفه في أرض قوم سوء، فاذهب إلى بلد كذا وكذا؛ فإن فيها قومًا يعبدون الله، قومًا صالحين. فالمكان له أثر.

الفرق بين العيش في بيئة صالحة وبيئة فاسقة وأثر ذلك على السلوك

وهناك فرق عندما تكون في وسط أناس يأمرونك بالمعروف وينهونك عن المنكر ويساعدونك على العبادة، وبين أن تكون في وسط أناس - لا مؤاخذة - فاسقين.

فكذلك تؤثر هذه المسألة، وتؤثر في التربية، وتؤثر في سلوك الإنسان. فإذا يجب على الإنسان أن ينتبه إلى الزمان والمكان وأنه متغير.

تأثير الأحوال المختلفة من غنى وصحة وابتلاء على إيمان الإنسان

كذلك الأحوال؛ تجد أن الواحد في حالة الغنى وما دام في حالة الصحة وما دام في حالة السلام جيد. إذا ابتُلي في شيء، جاءته أزمة، يتبرم ولا يرضى عن ربه. إذا ابتُلي في صحته لا يصبر، إذا ابتُلي في جاهه أو منصبه يحزن ويغضب.

والله، وهناك واحد بالعكس؛ عندما يكون في الشدة يعرف ربه جيدًا جدًا، فيقول: رب اشفني وما إلى ذلك، ويغمض عينيه هكذا ويبكي. ولما شفاه نسي ربه ونسي ما فيها [من نعمة]. هذا عكس الآخر، وهكذا.

ضرورة ثبات الإنسان في أحواله ومجاهدة النفس لصالح الخير

فالإنسان يحاول مع نفسه أن يكون ثابتًا في أحواله كلها، بأن تكون الدنيا في يده؛ فعندما تُفقد فلا يحزن على المفقود، ولا يفرح بالموجود.

نعم، صعبة! ولذلك التربية صعبة، ولذلك يجب على الإنسان أن يقاوم نفسه حتى آخر يوم في حياته لصالح الخير. يقاوم نفسه، ليس يقاوم شهواته فقط، لا، بل يقاوم نفسه لصالح الخير.

وصف الأمة القائمة التي تتلو آيات الله وتسجد بالليل وتميز سجود الأمة المحمدية

حسنًا:

﴿أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ﴾ [آل عمران: 113]

أي في الليل، آناء الليل وهم يسجدون. صفتهم هكذا أنهم يسجدون.

ما رأيك؟ لا يوجد أكثر من سجود الأمة المحمدية! السجود موجود في كل دين، ولكن ليس مثل السجود الخاص بالأمة المحمدية. هذا السجود شيء سر من الأسرار قاله الله لنا؛ ليس سرًا أي أن الناس لا يعرفونه، فكل الناس يروننا ونحن نسجد في العالم، ولكن سر أي أن الله وفقنا إليه.

أسرار التوفيق الإلهي للأمة المحمدية في العبادات والطهارة

كما وفقنا إلى يوم الجمعة، وكما وفقنا إلى رمضان، وكما وفقنا إلى البيت العتيق نحجه، ووفقنا وكما وفقنا إلى ساعة الإجابة، وكما وفقنا إلى ثلث الليل الأخير.

أسرار! يعني ماذا يعني؟ كل الخلق لا يعرفها ولا يهتم بها، ونحن نعرفها. كما وفقنا للوضوء، كما وفقنا للنظافة؛ دلنا [الله أن] اتوضأ حتى تُقبل الصلاة. إذا صليت من غير وضوء لا تُقبل [الصلاة]؛ هذا سر لا أحد يعرفه [من غير المسلمين].

عدد سجدات المسلم يوميًا في الفرض والسنة والنوافل

ما رأيك؟ نحن أكثر الناس نسجد لربنا! سبع عشرة ركعة فيها أربع وثلاثون سجدة كل يوم، أقل ما يُقال.

ما هو أقل شيء؟ الصلوات الخمس، حتى الذي لا يصلي السنة؛ كل ركعة فيها سجدتان، بقينا كم؟ سبع عشرة في اثنتين بأربع وثلاثين على أقل تقدير.

طيب، والسنة؟ السنة سبع عشرة ركعة أيضًا بأربع وثلاثين، فتكون هذه ثمانٍ وستين [سجدة]. الذي يصلي شيئًا عاديًا جدًا بالكاد الفرض والسنة ويذهب، لم يعمل شيئًا [إضافيًا].

فما بال الذي يصلي معها الضحى وقيام من الليل والنوافل وكذا إلى آخره! سيدنا علي زين العابدين كانوا يقولون عليه السجاد؛ كان يسجد لله نحو ألف سجدة في اليوم!

الأرض كلها مسجد للأمة المحمدية والسجود فرض على كل المسلمين

أمة ساجدة! ولذلك ربنا جعل لنا الأرض مسجدًا وطهورًا؛ ليس لزامًا أن نذهب إلى المسجد، في أي مكان أدركتك الصلاة فتوضأ وصلِّ، فيكون المسجد هو الأرض كلها. أمة ساجدة!

حسنًا، بعضنا [يظن أن] فقط العلماء المنتمون إلى الأزهر هم الذين يسجدون! أبدًا، هذا كل بني آدم [من المسلمين]؛ متعلم، جاهل، ذكر، أنثى، أي شيء، عليه السجود. هذا هو؛ لأن الفرض هذا لكل المسلمين، فهي أمة ساجدة.

مدح الله لبعض أهل الكتاب بالسجود وقرب العبد من ربه في السجود

وهم يسجدون؛ مدح الله بها [بصفة السجود] بعض أهل الكتاب، ودلنا عليها؛ لأن:

قال رسول الله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد إلى ربه وهو ساجد»

فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.