سورة آل عمران | حـ 454 | 110 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة
- •اقترن التشريف بالتكليف في منهج الله سبحانه وتعالى، فقد وصف الأمة المحمدية بأنها "خير أمة أخرجت للناس" وهذا تشريف، ثم كلفها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله.
- •كلما شرف الله عباده كلما كلفهم، كما في قصة آدم عليه السلام الذي أسجد الله له الملائكة ثم كلفه بحمل الأمانة.
- •أهل البطالة يكتفون بالتشريف ويتركون التكليف، بينما المؤمن يبدأ بالتكليف ليدخل في دائرة التشريف.
- •الأمم السابقة أرسل الله إليها الرسل وكانوا قدوة لهم، منهم من أطاع ومنهم من عصى.
- •علمنا الله العدل مع أهل الكتاب وبين أنهم ليسوا سواء، فمنهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون.
- •آيات القرآن العظيمة مثل "كنتم خير أمة" و"وكذلك جعلناكم أمة وسطاً" هي آيات العنوان التي يمكن الدخول للإسلام من خلالها.
مدح الله للأمة المحمدية بالتشريف والتكليف في سورة آل عمران
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.
مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى وهو يمدح الأمة المحمدية فيشرّفها ويكلّفها:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]
فالله سبحانه وتعالى ما جعل تشريفًا إلا وقرنه بالتكليف؛ ولذلك أبدًا إذا رأيته يشرّف بحثتَ عن كيف يكلّف.
قاعدة اقتران التشريف بالتكليف في القرآن الكريم مع الأمثلة
فلما يقول [الله سبحانه وتعالى]:
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]
يعني أنه يشرّف هنا،
﴿لِّتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [البقرة: 143]
يعني أنه يكلّف.
لما يأتي ويقصّ لك قصة آدم ويقول لك إنه أسجد الملائكة لآدم، يعني أنه يشرّف، وإنسانٌ ربنا أسجد له الملائكة كبيرٌ جدًا؛ فلا بدّ أنه قد كُلِّف، فلا بدّ أن يُكلَّف آدم.
ولذلك علّمه الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة في القصة التي قرأناها في أول ما نواجهه في القرآن في سورة البقرة. فتستطيع أن تضع قاعدة وتقول: إنه كلما شُرِّف كُلِّف.
الفرق بين أهل البطالة وأهل الله في التعامل مع التشريف والتكليف
البطّالون أهل البطالة يكتفون بالتشريف ويتركون التكليف، وأهل الله يبدؤون بالتكليف من أجل الدخول في دائرة التشريف.
تبحث، طيب أنت يا رب شرّفتني، طيب ماذا أعمل؟ ماذا أعمل؟ قل لي ماذا أعمل؟ يقول لك:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: 70]
على الفور حالما يقول لك ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ تقول له: طيب ماذا أعمل؟ هاه، لكن لا تقول له: نعم هكذا فأنا مكرّم وأنا مفضّل على كثير مما خلق الله. لا، ليست القضية كذلك؛ أنت مشرَّف بكونك مكلَّف، هذه هي العملية.
تكريم بني آدم مقرون بحمل الأمانة والعمل الصالح
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِىٓ ءَادَمَ وَحَمَلْنَـٰهُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَرَزَقْنَـٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَـٰتِ وَفَضَّلْنَـٰهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70]
لماذا؟ لكي يُحمّلك الأمانة:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلْإِنسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]
إذا لم يعمل الصالحات:
﴿ثُمَّ رَدَدْنَـٰهُ أَسْفَلَ سَـٰفِلِينَ * إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 5-6]
تبقى الحكاية قد اتضحت وهي أن الله سبحانه وتعالى عندما يشرّف فإنه يكلّف، ومادام قد كلّف يبقى لا بدّ أن تحمل الأمانة في التكليف حتى تدخل في دائرة التشريف. كله مبنيٌّ على ذلك.
فماذا عن الذي لا يفعل ذلك؟ الذي لا يفعل ذلك يكون مؤاخَذًا.
الأمة الإسلامية وعلاقتها بالأمم السابقة والرسل والقدوة الصالحة
الأمة الإسلامية جاءت وكان قبلها أمم، والأمم أرسل الله إليها رسلًا فكان لهم أتباع، كما أرسل إلينا نبينا صلى الله عليه وسلم سيد الخلق فكنا له تبعًا.
قومٌ ربنا لكل أمة رسول، وجعله القدوة الصالحة لهم:
﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُوا ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلْـَٔاخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]
وتلك الرسل استقاموا على كلمة الله وكانوا أمثلة صالحة، وأممهم منهم من أطاع وكان من أولياء الله الصالحين، ومنهم من عصى.
التعلم من الأمم السابقة وإرسال الرسل عند شيوع الفساد
فنحن نتعلم من الأمم السابقة، ونحن نرسم في أذهاننا بأمر الله الصورة الحسنة الصحيحة فنرتضيها، والصورة السيئة القبيحة فننكرها.
ولما يشيع الفساد في أمة من الأمم يرسل الله سبحانه وتعالى رسولًا في أثر رسول في أثر رسول، من أجل أن يُذكّر بأيام الله ومن أجل أن يُذكّر بأمر الله.
ولكن ماذا نفعل؟ قال الله في شأن الرسل:
﴿أُولَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]
لقد كان لنا في قصصهم عبرة، قصص الأنبياء وفيها هداية.
التشريف والتكليف في آية خير أمة وإيمان أهل الكتاب
فيقول [الله سبحانه وتعالى]:
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]
هذا تشريف.
﴿تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]
هذا تكليف.
﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم﴾ [آل عمران: 110]
فقد كان هناك أهل كتب من قبل: في صحف إبراهيم، وفي التوراة، وفي الإنجيل، وفي صحف سيدنا داوود، وفي صحف شيث بن آدم، وفي كتب [أخرى]. ونحن أهل الكتاب لأن معنا القرآن الفرقان المهيمن.
تعليم العدل وعدم وضع أهل الكتاب في سلة واحدة
﴿وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ ٱلْكِتَـٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم﴾ [آل عمران: 110]
يعلّمنا العدل:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا ٱعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]
يعلّمنا العدل لأن العدل هو اسمه سبحانه وتعالى.
يقول لك: ماذا منهم؟ ﴿مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 110]، نعم؛ لأن هو الذي حدث هكذا أن بعضهم أطاع أنبياءهم. منهم المؤمنون، فلا تضعهم في سلة واحدة.
إذن يجب أن تعرف أنه ماذا؟ ليسوا سواء. ما هو يقول هكذا: لا تضعهم أنت في سلة واحدة. كثير من المسلمين لا يعرفون هذه الحقيقة ويضعونهم في سلة واحدة. نعم، قومٌ يصنع معك مشكلة بينك وبين الخلق.
ولكن انظروا ماذا يقول:
﴿مِّنْهُمُ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ ٱلْفَـٰسِقُونَ﴾ [آل عمران: 110]
يعني ليسوا سواء.
ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة تتلو آيات الله
وسوف تأتي [الآية]:
﴿لَيْسُوا سَوَآءً مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَـٰبِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَـٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]
خائفون من ربنا، يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات:
﴿وَأُولَـٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّـٰلِحِينَ﴾ [آل عمران: 114]
إذن [الله سبحانه وتعالى] كلّفنا وشرّفنا وعلّمنا العدالة وأمرنا بالطريق المستقيم.
آيات العنوان في القرآن الكريم التي تُدخلك إلى فهم الإسلام
ولذلك هي آية من الآيات التي يمكن أن نطلق عليها العنوان من آيات العنوان:
﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]
من آيات العنوان.
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]
من آيات العنوان.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]
من آيات العنوان.
﴿وَجَـٰهِدُوا فِى ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ ٱجْتَبَىٰكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِى هَـٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ [الحج: 78]
إلى آخر آيات العنوان، تستطيع أن تجعلها هكذا عنوانًا لك وتدخل الإسلام منها.
وإلى لقاء آخر، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
