سورة آل عمران | حـ 449 | 103 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة - تفسير, سورة آل عمران

سورة آل عمران | حـ 449 | 103 | تفسير القرآن الكريم | أ.د علي جمعة

9 دقائق
  • يشرح النص معنى الآية الكريمة "واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا" ودلالاتها العميقة.
  • الاعتصام يعني التمسك الشديد وطلب الحماية، وحبل الله هو القرآن الكريم كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم.
  • استخدم القرآن لفظ "اعتصموا بحبل الله" لاتساع معانيه، فهو يشمل التمسك بكتاب الله والتمسك بقوة الله والوحدة.
  • اقترن الأمر بالاعتصام مع النهي عن التفرق، ثم تذكير بنعمة الله في تأليف القلوب بعد العداوة.
  • يستشهد النص بنماذج تاريخية تؤكد أن المسلمين حين يعتصمون متحدين ينتصرون، وحين يتفرقون يُهزمون.
  • من أمثلة الانتصار: جيل الصحابة، مقاومة المصريين والشاميين للتتار، وحروب صلاح الدين ضد الصليبيين.
  • من أمثلة الهزيمة: تفرق ملوك الطوائف في الأندلس مما أدى إلى سقوطها.
  • الأخوة الصادقة نعمة عظيمة لا تُعوض، وهي من ثمرات الاعتصام بحبل الله.
محتويات الفيديو(12 أقسام)

مقدمة الدرس وتقديم آية الاعتصام بحبل الله من سورة آل عمران

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه.

مع كتاب الله وفي سورة آل عمران، يقول ربنا سبحانه وتعالى هذه الآية التي صارت مثلًا، والتي أصبحت مبدأً وشعارًا للمسلمين، تراها يكتبونها ويضعونها في مكاتبهم:

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

في عبارة بإيجاز وضع لنا المفتاح الذي نفتح به باب كل خير.

معنى الاعتصام في اللغة والفرق بينه وبين التمسك العادي

واعتصموا؛ والاعتصام هو التمسك الشديد، لم يقل [الله سبحانه وتعالى] "تمسكوا"؛ لأن الاعتصام تمسكٌ شديد. وهذا التمسك الشديد يؤدي إلى الحماية، ولذلك عبّر بالاعتصام.

[يُقال:] اعتصمتُ خلف الحجر، يعني احتميتُ خلف الحجر بالحجر حتى لا تصيبني السهام ولا يصل إليّ الرصاص. فالاعتصام فيه طلب حماية.

فإذا كان الاعتصام فيه تمسكٌ بشدة وفيه طلبٌ للحماية، فقال واعتصموا يعني تمسكوا وتمسكوا بشدة طالبين الحماية.

بمن نعتصم وطلب الحماية من الله سبحانه وتعالى وحده

فعندما أطلب الحماية أطلبها ممن؟ من الذي يحمي؟ حسنًا، من الذي يحمي؟ أعتصم بمن؟ أعتصم بنفسي أم بالأمة أم بالسلاح؟ أعتصم بمن؟ فقال لي [الله سبحانه وتعالى]: بحبل الله، إذن عرفنا من الذي يحمي [وهو الله عز وجل].

تفسير حبل الله بأنه القرآن الكريم كما بيّنه النبي ﷺ

طيب، وحبل الله هذا أين؟ هل يوجد شيء من السماء هكذا متدلٍّ يُسمى حبل الله؟ سيدنا رسول الله ﷺ يقول عن القرآن الكريم:

«إنه حبل الله»

نعم، إذن واعتصموا بحبل الله يعني احتموا بكتاب الله.

لماذا قال الله اعتصموا بحبل الله ولم يقل احتموا بكتاب الله

طيب، لماذا لم يقل [الله سبحانه وتعالى] احتموا بكتاب الله؟ لأن هناك معانٍ أخرى؛ ما هو "اعتصموا بحبل [الله]"؟ هذا يعني تمسكوا تمسكًا شديدًا بكتاب الله، أم اعتصموا بالله سبحانه وتعالى؟ تمسكوا بحبل الله يعني بقوة الله تكون مجازًا.

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]

يعني المقصود فيها الوحدة. ولو قال "تمسكوا بكتاب الله" لكانت محصورة في كتاب الله، لكن "اعتصموا بحبل الله" هذه لها معنى [أول] والثاني والثالث والرابع. فأيّ معنى؟ إذن كل المعاني تصبح لفظًا واحدًا.

سعة معاني القرآن الكريم وقول سيدنا علي عن تفسير الفاتحة

فلنأتِ لنشرح، إذن نجلس نشرح فيه صفحتين ثلاث، مجلدين ثلاثة، حسب الحال. ولذلك سيدنا علي [بن أبي طالب رضي الله عنه] يقول: والله إنني أستطيع أن أفسر هذه الفاتحة في حمولة سبعين بعيرًا من الكتب، وهي الفاتحة نقرؤها في سبع آيات صفحة.

إذا هذا كتاب الله؛ خصيصة من خصائص كتاب الله، إعجاز في إعجاز في إعجاز.

الأمر بالاعتصام والنهي عن التفرق وذكر نعمة الله كمعين على ذلك

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]

قلنا عليها إنها أمر.

﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]

هذا نهي. إذن أمرٌ ونهي، وهو حقيقة التكليف.

﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ

⚠ مراجعة يدوية مطلوبة: انسخ من موقع تنزيل الجزء الذي قاله الشيخ من الآية/الآيات - تأكد من المرجع أيضا - إذا لم يكن ما قاله الشيخ مطابق للآية اكتب ما قاله الشيخ على أنه كلام عادي ليس قرآن وامسح الأقواس القرآنية والمرجع﴾ [آل عمران: 103]

إذن الإنسان يريد أن يعتصم، ولكن نفسه تأخذه يمينًا ويسارًا عن الاعتصام، لا يوجد شيء يقويه. فذكر [الله سبحانه وتعالى] ما يقويه فقال: واذكروا نعمة الله عليكم؛ لأنك لو ذكرت نعمة الله عليك وتبيّن لك الآية والمعجزة في هؤلاء الناس الذين كانوا أو هم في أنفسهم ما كانوا يعيشون [هذا الحال].

تأثير ذكر نعمة الله في تغيير حياة الإنسان وتقوية اعتصامه

وظهر الحال: يا الله! أنا تغيرت، كيف هكذا؟ هذا أنا تغيرت ثلاثمائة وستين درجة! هذا ربنا فتح الله عليه شيئًا كهذا غيّر حياته.

ولذلك قال [الله سبحانه وتعالى]:

﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: 101]

وأنا فيكم معجزات ترونها دائمًا، كيف ستكفرون؟

فهنا واذكروا نعمة الله عليكم هذه تساعدكم على الاعتصام.

شواهد تاريخية على أن الاعتصام يجلب النصر والتفرق يجلب الهزيمة

وانظروا فإننا لم نعتصم بحبل الله جميعًا إلا ونصرنا الله في التاريخ كله، ولم نتفرق إلا وخذلنا الله.

وها هو لدينا جيل الصحابة، لدينا مقاومة المصريين والشاميين للتتار عندما اتحدت الأمة، ولدينا الذين قاموا بما فعله صلاح الدين مع الصليبيين عندما اتحدت الأمة.

وإذا قرأت قبل كل ذلك تجد خلافًا وفرقة، فعندما اتحدوا انتصروا. ولدينا نموذج الأندلس عندما تفرق ملوك الطوائف فانهزموا وطُردوا وأُبيدوا وشُرّدوا وأُرغموا وأُكرهوا على ترك دينهم، وقامت محاكم التفتيش بأفعال يندى لها الجبين وتوجب الاعتذار إلى يوم الدين.

خلاصة الدرس التاريخي: الاعتصام نصر والتفرق هلاك

كل هذا بسبب ماذا؟ بسبب أننا اعتصمنا فانتصرنا وتفرقنا فانتهينا.

﴿وَٱعْتَصِمُوا بِحَبْلِ ٱللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَٱذْكُرُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِٓ إِخْوَٰنًا﴾ [آل عمران: 103]

قيمة الأخوة الصادقة في الإسلام والصداقة الوفية لا تعوض

إذن الأخوة لا تُعوَّض؛ لأنهم قالوا عنها سعادة الدهر، أي أن فيه لذة تنتهي في ساعة وفيه لذة لا تنتهي أبدًا. قالوا: اللذة تنتهي في ساعة، ولذة لا تنتهي وهي الطاعة.

هذه الأخوة الصادقة ما من شيء أحسن منها. ولذلك الصديق الوفي قالوا هذا نادر، فيجب عليك عندما يكون هناك صديق وفيّ أن تتمسك به.

إنقاذ الله للمسلمين من الهلاك وانتشار الإسلام في عشرين سنة

﴿وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [آل عمران: 103]

كانوا سيضيعون، وبعد ذلك الله سبحانه وتعالى جمع شملهم وانتصر بهم النبي صلى الله عليه وسلم، في عشرين سنة كانوا قد وصلوا من المشرق إلى المغرب.

﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ ءَايَـٰتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [آل عمران: 103]

وإلى لقاء آخر، نستودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.